واشنطن وأوروبا: أزمة عابرة أم تحوّل استراتيجي؟

قبل عام تقريبًا، تحدّث نائب الرئيس الأمريكي، جاي. دي. فانس، أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، واعتبر كثير من الخبراء والسياسيين أن خطاب فانس لم يكن سوى إعلان انطلاق الولايات المتحدة والقارة الأوروبية نحو طلاق وانفصال.

وبعد عام من ذلك الخطاب، تحدّث ماركو روبيو، وزير الخارجية، أمام مؤتمر ميونيخ قبل أسابيع، ما دفع الخبراء والسياسيين أنفسهم إلى تغيير موقفهم، واعتبار أن الخطاب يدشّن لبحث إمكانية تعضيد التحالف التاريخي بين الطرفين.

ويُعدّ فانس وروبيو من أكثر المسؤولين تقرّبًا من الرئيس دونالد ترامب، وعندما يتحدثان فإنهما يعكسان ما يفكّر فيه ترامب، على الرغم من وجود معركة صامتة بينهما على خلافته.

وتقوم العلاقات الأمريكية–الأوروبية المعاصرة، في صورتها المؤسِّسة، على مخرجات الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من تأسيس حلف شمال الأطلسي كمظلّة أمنية لغرب أوروبا وأمريكا الشمالية.

قبل أكثر من 75 عامًا، قال اللورد هاستينغز إسمَاي، الأمين العام الأول لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إن الحلف يهدف إلى «بقاء روسيا خارج أوروبا، وأمريكا داخلها، وألمانيا داخل حدودها».

إلا أن ما يجمع بين الطرفين أعمق من مجرد تحالف عسكري؛ إذ يجمعهما إرث ثقافي وديني وعرقي عبّر عنه روبيو في خطابه بالقول: «نحن أبناء أوروبا».

ومن هذا المنطلق، ساهمت واشنطن في إعادة بناء القارة الأوروبية المدمَّرة بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال خطة مارشال الأمريكية التي قُدّرت قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات، لتتعافى القارة، إذ آمنت واشنطن بأن أوروبا الديموقراطية القوية والمستقرة والمزدهرة تعني شراكة أكثر قوة معها.

***

من هنا، أجمع فانس وروبيو على ضرورة أن تتحوّل أوروبا من مجرد شريك سلبي لا يستطيع تحمّل عبء حماية القارة، كما ظهر في ردّها الضعيف على الغزو الروسي لأوكرانيا الذي بدأ قبل أربع سنوات. كما أوضح كل من فانس وروبيو أن إدارة ترامب تحتاج إلى شريك قوي وقادر، لا إلى شريك ضعيف يترك لأمريكا عبء تحمّل تكلفة المظلّة الأمنية للقارة الأوروبية.

ويتساءل أنصار تيار «أمريكا أولًا»: لماذا تدافع بلادهم عن أوروبا في وقت لم تتعهد فيه دول القارة العجوز بالقتال إلى جانب الجيش الأمريكي حال اندلاع صراع عسكري مع الصين بسبب تايوان؟ ويتساءلون كذلك: لماذا تختار أوروبا الترصّد لروسيا وعداءها، وهي الدولة التي تمثل جزءًا لا يتجزأ من جغرافية وتاريخ وإرث القارة الأوروبية «المسيحية البيضاء»، في الوقت الذي تطوّر فيه عواصمها علاقاتها مع الصين؟ وقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية زيارات لقادة بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرهم إلى الصين.

***

يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للقارة الأوروبية ما يقرب من 25 تريليون دولار، أي أقل من نظيره الأمريكي البالغ نحو 30 تريليون دولار، ويبلغ التبادل التجاري بينهما ما يقرب من 800 مليار دولار العام الماضي.

وفي خلفية هذه العلاقات الضخمة ماليًا واقتصاديًا وتجاريًا، بما تتضمنه من خلافات، تلعب عمالقة التكنولوجيا الأمريكية دورًا مثيرًا للجدل، لرغبتها في تطبيق المعايير والقوانين الأمريكية شديدة المرونة، خاصة فيما يتعلق بالمنافسة والخصوصية، بما يخدم مصالحها. وتضغط شركات مثل آبل وجوجل وميتا وأمازون على البيت الأبيض ليضغط بدوره على العواصم الأوروبية كي تتساهل معها.

وأخطأت أوروبا حين سمحت باستغلال وجود ملاذات ضريبية مثل أيرلندا، وهو ما أتاح لشركات التكنولوجيا الأمريكية دفع حد أدنى من الضرائب. وتحاول تلك الشركات كذلك تقليل الضرائب على الإعلانات الإلكترونية وغيرها من الخدمات الرقمية، مما يحدّ من قدرة الحكومات الأوروبية على تحصيل إيرادات عادلة من هذه الشركات.

كما يجري المسؤولون الأوروبيون تحقيقات بشأن الدور المهيمن لشركتي ماستركارد وفيزا، وهما شركتان أمريكيتان، في سوق المدفوعات الأوروبية.

وحذّرت إستراتيجية الأمن القومي الجديدة، التي أصدرها ترامب في كانون الأول/ديسمبر الماضي، من خطر «محو الحضارة الأوروبية»، مشيرة إلى أنه «إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يعود من الممكن التعرّف على القارة في غضون 20 عامًا أو أقل».

وركّزت إدارة ترامب بشكل أساسي على قضايا الهجرة، التي تراها تنذر بتغييرات ديموغرافية وتهدّد بـ«محو الحضارة»، وتحذّر من أن غير الأوروبيين قد يصبحون أغلبية في بعض الدول الأوروبية.

وتخصّ الإستراتيجية الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا بالثناء، معتبرة إياها السبب الوحيد الذي يدعو الولايات المتحدة إلى التفاؤل، ومعلنة نية واشنطن دعم صعودها.

واعتمدت إستراتيجية ترامب لغة هجومية غير معتادة تجاه حلفاء تقليديين، إذ تصف القارة بأنها تعاني «شيخوخة ديموغرافية» و«أزمة هوية»، وتتحدث عن احتمال «محو حضاري» إذا استمرت سياسات الهجرة واستقبال اللاجئين، وتبعات ذلك على سياسات أوروبا الخارجية، خاصة تجاه الشرق الأوسط.

***

برغم كل هذه الخلافات، لن يكون هناك طلاق في أي وقت قريب. سيغادر ترامب الساحة السياسية بعد أقل من ثلاث سنوات، وستعود العلاقات إلى سابق عهدها. ويتّسق ذلك مع ما اختتم به روبيو خطابه في ميونخ بعبارات وجّهها إلى أوروبا، قال فيها:

«مصير أمريكا هو، وسيظل دائمًا، مرتبطًا بمصيركم»، وإن القارتين يجب أن تكونا «فخورتين بما حققناه معًا في القرن الماضي، لكن الآن يجب علينا مواجهة واحتضان فرص القرن الجديد، لأن الأمس قد انتهى، والمستقبل لا مفر منه، ومصيرنا معًا ينتظرنا».

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  بكين 2022: شُعلَةٌ وَسْطَ نِدَفِ الثلجْ
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  توماس فريدمان: ترامب وضع أميركا في حربٍ خاسرة