عن الفيروس المتحور وكوكتيل اللقاحات.. والسفر السياحي!

لطالما كانت هذه الفيروسات التي تحمل الـ mRNA داخلها الأكثر إثارة للرعب في تاريخ الأمراض البشرية، فحتى اليوم هناك جائحة لم يعلن أنّها انتهت منذ العام 1981 ويقف خلفها أحد هذه الفيروسات ألا وهو فيروس نقص المناعة البشرية HIV.

هذا النوع من الفيروسات يتميز بما يصيب مادته الوراثية غير المستقرة كيميائيًا من تغييرات وتعديلات دائمة، وهذا ما يدفع بشكل دائم نحو الإقفالات والصوت العالي لعدم السّماح بالانتشار الكبير الذي يسبب تكاثرًا أكبر للفيروس، والمزيد من تراكم التغييرات على مادته الوراثية، ما يعني أنّه سيفاجئنا بضربة تلو الضربة، ما الحل إذًا، جرعتان أم ثلاث؟

الآن لا يوجد أمامنا، كبشرية إلّا تسريع عملية التلقيح بشكل كبير كي نحدّ من الانتشار ونساهم في تحويل هذا المرض من جائحة إلى أمر طبيعي لا ينتشر بطريقة مخيفة، كما يحصل الآن، ولكن لهذه اللقاحات فعالية محدّدة لا تطال كلّ المتغيّرات الطارئة على الفيروس، فالفعالية ستتضاءل مع ازدياد الطفرات وهذا ما يؤرق فعلًا العلماء والعاملون في الشأن الصحّي عالميًا، ومن هنا انطلقت فكرة زيادة عدد جرعات اللقاحات من اثنتين لثلاث مرحليًا.

هذا النقاش أطلقه تصريح مدير شركة “فايزر”، بقوله إنّهم يفكرون بإعطاء جرعة ثالثة من اللقاح لمن حصل على الجرعتين الأساسيتين؛ وينطبق ذلك على الصين التي سمحت بإعطاء جرعة ثالثة من لقاح “سينوفارم”، وذلك بعد رصد عدد من المتغيّرات أو الطفرات على الفيروس لا سيّما في البرازيل التي أطلقت عليها الصحافة الفرنسية لقب “مصنع المتغيّرات”، وذلك لرصد العدد الأكبر منها على أراضيها، والآن تنافسها في ذلك الهند بعد رصد متغيّر جديد هناك يبدو أنّه أشدّ قسوة مسببًا قفزة في عداد الإصابات تجاوز الـ 300 ألف حالة يوميًا في ظرف شهر واحد، فضلاً عن إرتفاع عدد الوفيات.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ظهور المتغيّرات يعود لأمر أساسي، هام وبسيط في آنٍ، وهو عدم الالتزام بالإجراءات الصحية على صعيد الشعب والدولة ما يؤدي لانتشار أكبر سيحمل معه بكلّ تأكيد تغييرات أكثر على الفيروس.

ما سبق يعني أننا في سباق محموم بين العودة إلى الصفر في موضوع اللقاحات أو التراكم لتخفيف حدة الجائحة وصولًا إلى إقفال هذا الملف نهائيًا، وهذا لن ينتهي في خلال سنة أو اثنتين، فهذا النوع من الفيروسات لا يمكن القضاء عليها نهائيًا للأسباب الواردة أعلاه، وعليه، ستتطور اللقاحات وتتغيّر وتغطي المتغيّرات الجديدة بل هناك احتمال كبير أن يتحوّل اللقاح المضاد لفيروس كورونا إلى ما يشبه اللقاح السّنوي المضاد لفيروس الانفلونزا، ذلك أن الفيروسين (كورونا وأنفلونزا) ينتميان إلى عائلة الفيروسات الرجعية retro virus التي تحمل مادة الـmRNA القابلة للتحول بشكل كبير.

تنويع جرعات اللقاحات

الفكرة الأساسية من تعدّد جرعات اللقاح الواحد هي تحفيز الجهاز المناعي للجسم الذي يتعرّف في البداية على الفيروس وينتج الأجسام المضادة له (التي قد لا تبقى لوقت طويل يزيد عن السّنة) ومن ثمّ يحصل على الجرعة الثانية التي تحفز الذاكرة المناعية حاجزة مكانًا لهذا الخطر فيها وكيفية التعامل معه.

وإزاء المخاطر الكبيرة الخاصة بفيروس كورونا المستجد، فقد ظهرت العديد من الأفكار التي تدعو إلى أخذ كوكتيل من اللقاحات، أي أن تكون الجرعة الأولى من اللقاح هي لفايزر (على سبيل المثال) والثانية من موديرنا. فعليًا هناك دراسات تجري الآن على أرض الواقع في المملكة المتحدّة والولايات المتحدّة للنظر في فعالية هذا الأمر. نظريًا اللقاح إن لم يغطِ كلّ المادة الوراثية للفيروس فإنه سيغطي جزءًا منها وكذا اللقاح الآخر، وبالتالي عند تنويع الجرعات نصل إلى حالة مناعية أفضل، ولكن هذا الأمر قيد الدراسة ولم يصبح حتى اللحظة قابلًا للتطبيق، برغم أن البعض في لبنان ممن أخذ جرعتي “سينوفارم” في الخليج، بادر إلى أخذ الجرعة الثالثة.

الموجات الفيروسية لن تنتهي خلال هذا العام وكلّ واحدة ستكون أشدّ من الثانية لا لأسباب تتعلّق بقدرات استجدت على الفيروس بل بسبب المجتمع الذي يملّ بسرعة من الإجراءات فيعود للتراخي فتكون الضربة أشدّ وأشدّ والعدوى أكثر انتشارًا من سابقتها، لأنّ الناس تنسى بسرعة الخطر وما جرى ويجري في الهند أخيرًا خير دليل

أسترازينيكا.. ترنّح ولم يسقط

قبل الدخول بالبحث هنا يجب ذكر بعض الأرقام:

-458 شخصًا يموتون سنويًا بسبب تسمم الكبد الناتج عن تناول حبوب الباراسيتامول أو ما يعرف في لبنان بالبنادول (مسكن الأوجاع).

-16000 ألف شخص يموتون سنويًا بسبب التقرحات التي يسببها دواء الأيبوبروفين أو ما يعرف في لبنان بالبروفينال (مضاد للإلتهابات).

ماذا جرى إذًا مع لقاح الأسترازينيكا؟

بالمختصر هي الحرب التجارية بين شركات تصنيع الأدوية واللقاحات دفعت الإعلام العالمي لتسليط الضوء على حالات تجلط أصابت عددًا لا يكاد يذكر من الذين أخذوا هذا اللقاح (أكثر من 30 مليون حول العالم)، وحتى الآن لا علاقة سببية بين التجلط واللقاح، فكانت النسبة العالمية لحصول التجلطات هي 4 من أصل كل مليون، بينما نسبة قتل الفيروس لمن هم فوق الستين سنة وصلت إلى حدود الـ 14%.

إقرأ على موقع 180  البربرية الجديدة.. إنسان آليٌ وَعيهُ عَدائيٌ

لماذا نتكلّم عن هذا هنا؟ للقول إنّ هذا الخوف العالمي الذي نشرته الحرب اللا أخلاقية بين شركات الدواء دفعت بعض الدول للعدول عن إعطاء الجرعة الثانية من لقاح أسترازينيكا واستبدالها بجرعة من لقاح آخر، وهذا بحسب مسؤولين صحيين فرنسيين من دون دراسات مسبقة بل فقط سعيًا للتطمين وإبقاء الزخم عاليًا لعمليات التلقيح.

ويمكن أن نذكر هنا نقطة للتفكّر أيضًا، فاللقاح الثاني المنتشر عالميًا بعد فايزر هو لقاح أسترازينيكا.

حظر السفر

ولا بدّ من القول إنّ السباق المحموم بين الدول للسيطرة على جرعات اللقاحات دون الأخذ في الاعتبار وضعية الدول الفقيرة ومجتمعاتها أدى إلى سقوط ضحايا، ولكن النار هنا لن تبقى في موضع واحد وخاصة في عالم اليوم المنفتح على بعضه البعض، فالنار التي عادت واشتعلت اليوم في الهند والبرازيل للأسف ستصل إلى كلّ أنحاء العالم عاجلًا أم آجلًا، على أمل أن لا يسقط المزيد من الضحايا قبل إدراك حقيقة أن تلقيح كلّ المجتمعات هو الأساس لا مجتمع بلد واحد.

ختامًا، يجب القول أنّ الموجات الفيروسية لن تنتهي خلال هذا العام وكلّ واحدة ستكون أشدّ من الثانية لا لأسباب تتعلّق بقدرات استجدت على الفيروس بل بسبب المجتمع الذي يملّ بسرعة من الإجراءات فيعود للتراخي فتكون الضربة أشدّ وأشدّ والعدوى أكثر انتشارًا من سابقتها، لأنّ الناس تنسى بسرعة الخطر وما جرى ويجري في الهند أخيرًا خير دليل.

وفي لبنان، ويا ليت التوصية هنا تصل، لا نريد الاستمرار بالتغني أو التذرع بنظام إقتصادي حرّ. نعم، على الدولة أن تمنع السفر السّياحي حاليًا وحتى انتهاء الجائحة، أو أقله إلى بعض البلدان حيث لا إجراءات تذكر، فما يجري اليوم من تفلت وتنقل بين البلدان لن يساهم سوى برفع عداد الاصابات وجعل مجتمعنا مطبخًا للمتحوّرات الفيروسية.

Print Friendly, PDF & Email
فؤاد إبراهيم بزي

كاتب متخصص في المواضيع العلمية

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "السخرية السوداء" في مواجهة "الموت الأسود"