عن أوراق ضعف وقوة المفاوض اللبناني 

المنطق الوطني المصحوب بالعقلانية، يفترض وقوفا لبنانيا صلبا خلف الوفد العسكري المفاوض حول ترسيم الحدود البحرية للبنان. 
هذا المنطق المفقود أسوة بنظائر له في المشهد اللبناني العام، نقل إيقاعات العملية التفاوضية من حيز المواجهة مع عدو شرس ومتمرس في دهاء التفاوض ودهاليزه، إلى ميدان داخلي خالص خلاصته تصوير المفاوضات طريقا للتطبيع، بدل التعاطي معها طريقا للتحرير.
هذه أولى أوراق الضعف اللبنانية، حيث يذهب المفاوض اللبناني إلى مواقع المواجهة، مجردا من الإصطفاف الوطني خلفه، بل يمكن أن يوقع المفاوضين اللبنانيين في دائرة الإضطراب والبلبلة التي قد يستثمرها المفاوض الآخر، من خلال صورة على غفلة أو حركة استفزاز عابرة  أو فعل يوحي بتوسيع مساحات التفاوض، الأمر الذي ينعكس على الداخل اللبناني تشنجات وتوترات مضافة، فيذهب معها فريق يسعى إلى “حشر” خصومه في زاوية الإتهام  ليؤكد “انتصار” تحليله التطبيعي، فيواجهه الفريق الآخر بردود مؤكدة على ثبات ممانعته وتصديه للتطبيع.
ورقة الضعف الثانية تمر عبر ثلاث قنوات: الأولى رئاسة الجمهورية؛ الثانية رئاسة الحكومة؛ والثالثة “الثنائي الشيعي”.
كيف ذلك؟
صحيح أن المادة 52 من الدستور اللبناني تنص على ان “يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء”، وصحيح أيضا “اننا لسنا بصدد معاهدة دولية مع إسرائيل، تعني ما تعنيه على صعيد التطبيع والإعتراف”، مثلما جاء في البيان التوضيحي الصادر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية، إلا أن أي اتفاق تنتجه أية مفاوضات، تصبح له قوة الإلزام، حين يتم إيداعه في الأمم المتحدة ويتحول إلى وثيقة دولية، ولذلك، كان من المستحسن من أجل تدعيم الموقف اللبنانية وتقويته:
ـ أن تعمل رئاسة الجمهورية على التنسيق مع رئاسة الحكومة، فلا  تصدر الأخيرة بيان غبن يشكو انتقاص صلاحيات رئيس مجلس الوزراء.
ـ أن تعمل الرئاسة الأولى على إطلاع “الثنائي الشيعي” مسبقا على تشكيلة الوفد الوطني المفاوض، استدراكا لإنفجار صاعق المواقف المعترضة على التشكيلة المذكورة وأبعادها السياسية، وهو أمر تجلى بوضوح في البيان المشترك الذي أصدرته قيادتا حركة أمل وحزب الله فجراً!
مرة ثالثة، صحيح، أن رئاسة الجمهورية لم تتجاوز المنصوص عنه في الدستور، حين أخذت على عاتقها الإمساك بزمام التفاوض، إنما في ظل مناخات غير محمودة تخيم على الواقع السياسي المحلي، بعناوينه وتفاصيله، كان بالإمكان تجاوز الجدال الحرفي حول المادة 52 والذهاب نحو التنسيق بين الرئاسات الثلاث وفقا للفقرة “ه” من مقدمة الدستور التي تنص على أن “النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”، مما لا يفتح الباب أمام التباينات الداخلية ويدفع نحو تحصين الموقف الوطني وانسجامه.
امكانية استغلال المفاوض الإسرائيلي ومعه “الوسيط” الأميركي للواقع اللبناني المر، تغدو عالية المنسوب، بل سافرة الحضور، بهدف الضغط على لبنان ودفعه إلى التعجيل بالوصول إلى خاتمة التفاوض والإتفاق
ورقة الضعف الثالثة تتمثل في استمرار الخلافات وتعمقها بين القوى السياسية اللبنانية، ففي واقع الحال، لا توجد حكومة، وما هو موجود حكومة تصريف أعمال لا قوام ولا قوائم لها، ومن غير المعروف إذا كانت القوى السياسية سوف تتفق على إنتاج حكومة مأمولة، وحتى لو تشكلت تلك الحكومة، فليس من المرجح أن تهتدي إلى كلمة سواء إذا ما تمت المقارنة مع سابقاتها، وكل ذلك يضع في جعبة المفاوض ـ العدو ورقة قوة وضغط هي في الآن نفسه ورقة ضعف لدى المفاوض اللبناني.
وأما ورقة الضعف الرابعة، فتفاصيلها تكمن في حالة الإنهيار المالي والإقتصادي وبلوغها إلى ما تحت القاع، وفي وقت لا تظهر ملامح التوافق الداخلي، سياسيا وخطة اقتصادية، لاحتواء الإنهيار الحاصل أو الحد منه، فإن امكانية استغلال المفاوض الإسرائيلي ومعه “الوسيط” الأميركي للواقع اللبناني المر، تغدو عالية المنسوب، بل سافرة الحضور، بهدف الضغط على لبنان ودفعه إلى التعجيل بالوصول إلى خاتمة التفاوض والإتفاق.
ورقة الضعف الخامسة، أساسها ذاك التزامن بين مفاوضات ترسيم الحدود البحرية اللبنانية ومعاهدات التطبيع بين إسرائيل ودول عربية عدة، وهذا التزامن أوجد انطباعا صُورياً لدى أطراف محلية وخارجية بترابط الوقائع بين المجريات اللبنانية والمجريات العربية، بالرغم من اختلافها وتباعدها، وهو ما يقر به الأميركيون والإسرائيليون، ولعله كان من الأفضل والأحسن، أن يتم ترحيل أوان المفاوضات إلى إشعار معلوم آخر، طالما أن التوقعات تتقاطع عند الترجيح بدوام المفاوضات أشهرا وسنوات.
وبالإنتقال إلى ورقة الضعف السادسة (المحتملة)، قد يكون من المناسب السؤال عن “فريق الباحثين” المفترض أن يشكلوا “قيادة بحثية خلفية” للمفاوض اللبناني، وإذ لا يدخل الشك بكفاءة العسكريين اللبنانيين المفاوضين، غير أن الإستعانة بخبرة أهل البحث والتنقيب، ترفد الوفد الوطني المفاوض بعوامل قوة علمية وتاريخية ووثائقية، خصوصا أن فصول “القتال” التفاوضي من المرجح لها أن تعود إلى بدايات مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة حين راحت فرنسا وبريطانيا تخط أسطرها وعلاماتها الأولى منذ عام 1920، وفي لبنان مجموعة رائدة من الباحثين المرموقين في هذا المجال.
تبقى الورقة الأخيرة، وعنوانها وثائق المعاهدات والإتفاقيات الدولية المودعة في الأمم المتحدة، ووثائق نصوص المفاوضات قبل الإتفاقيات والمعاهدات المحفوظة لدى دول شقيقة وصديقة سبقت لبنان في عمليات تفاوضية شتى، فتلك الوثائق تنير مسالك التفاوض وتعرجاته وخفاياها وما ظهر منه وما بَطن.
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy paid course free download