ترامب مرشح حزب الله الأميركي ويرفض نزع السلاح!

يعول الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثيراً في إنتخابات 2020 على أصوات المسيحيين الإنجيليين، بعدما كان حصد81 في المائة من أصواتهم في انتخابات 2016.

تخاض الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر تحت عناوين خلافية كثيرة بين ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن: كيفية مواجهة كوفيد 19 (كورونا)، الاقتصاد، الضرائب، العدالة الاجتماعية، الرعاية الصحية، مواجهة الانقسامات بين البيض والسود، حيازة السلاح الفردي، القانون والقوة بمواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن السياسة الخارجية ودور أميركا في قيادة العالم.

ويقحم ترامب، بين الحين والآخر، قضية الله واليسار والشيوعية واسرائيل في النقاشات، تحت تأثير ناخبيه الإنجيليين.

***

في السباق على اصوات المتدينين، يسجل ترامب تقدماً، لأنه يغازلهم منذ حملة الانتخابات الماضية. في كانون الثاني/ يناير 2016، قال أمام حشد انجيلي: “إن المسيحية تصعد الى السلطة، وسيحظى المسيحيون بكثير من السلطات”. وخاطب الإنجيليين بعد فوزه على هيلاري كلينتون قائلاً لهم: “لستم بحاجة لأي شخص آخر غيري، لكم الآن شخص يمثلكم جيداً.. تذكروا هذا”، وها هو يجدد في هذه الانتخابات عهده لهم.

“انه ضد الله”.. هذا ما قاله عن خصمه جو بايدن، زاعماً خلال جولة انتخابية في اوهايو في آب/ اغسطس الماضي “ان بايدن يتبع أجندة يسارية راديكالية، ويريد نزع سلاح الأميركيين”. يربط ترامب الله بالسلاح عنوةً، مستنداً الى المادة الثانية من الدستور التي تحفظ للأميركيين “حق تشكيل ميليشيا منظمة للمساهمة في أمن الدولة الحرة”، وهذه المادة تتيح لأي أميركي الحق بحمل السلاح.

ووفقاً لتقرير أصدره مشروع الدراسة الاستقصائية للأسلحة الصغيرة (SAS) الكائن في سويسرا في العام 2019، هناك 393 مليون قطعة سلاح (ناري) بأيدي الأميركيين. ويسبب ذلك سنوياً مقتل أكثر من 30 ألفاً، وفقاً لمراصد أعمال العنف، ويبلغ معدل جرائم القتل المرتبطة باستخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة 3.9 حالة قتل بين كل 100 ألف شخص. برغم ذلك، يدافع ترامب بشكل غير مباشر عن بعض المجموعات المسلحة المنتمية الى منظمات من البيض المتعصبين.

وفي الولايات المتحدة ميليشيات مسلحة مثل: جيش الرب، شعبة اتوموافين، الشعوب الآرية، بوغالو، هوتاري، كو كلوكس كلان، حراس العهد، كهنوت فينياس، الثلاثة بالمائة، ومنظمة سي اس بي أو أيه، ومجموعة براود بويز التي ذكرها ترامب في مناظرته الاولى مع بايدن.

كشف ترامب في 7 اغسطس/ آب عن محادثة مزعومة مع الله، قائلاً إن مهمته ربانية، و”ان الله يمتحنه”. واضاف في جولة انتخابية : “طلبت من الله ان كنت قد قمت بعمل جيد، وقلت له انا الوحيد القادر على فعل الخير”. فرد عليه الله، حسب زعمه، “لست بحاجة لقول ما تقول، عليك المحاولة”

وفي خطاب خلال جولة انتخابية في تكساس، وبعد الدفاع عن حملة السلاح، توجه الى بايدن بالقول: “لا يمكنك الفوز بأصوات هذه الولاية إذا كنت ضد الإنجيل”. وفي 10 آب/ أغسطس غمز من قناة اليسار، الملحد بنظره، وهو يقصد الديمقراطيين، مؤكداً انه لا يعتقد أن رجلاً متديناً يمكنه الموافقة على مشروع بيرني ساندرز الداعم لبايدن الذي وصفه بحصان طروادة اليساريين والشيوعيين! وغداة اتفاق الديمقراطيين على مرشحهم اتهمهم ترامب بأنهم أغفلوا ذكر الله عندما اجتمعوا لاعلان بايدن مرشحاً للانتخابات.

في حزيران/ يونيو الماضي، سُئل عما يقوله الإنجيليون بأنه “سُمي من الله”، فرد ترامب بكثير من الجد “انه يتمنى ذلك”، وقال لاحقاً انه “المختار من الله”، ثم ادعى أنه يمزح بعدما هوجم بقوة على جبهة “المختار” هذه . لكن في الشهر نفسه، ترجل من البيت الابيض الى كنيسة قريبة، ورفع الإنجيل في رد من ردوده على الاحتجاجات التي اندلعت بعد مقتل جورج فلويد المواطن الاميركي الأسود في مدينة منيابولس (مينيسوتا) اثناء تثبيته على الأرض بغية اعتقاله من قبل شرطة المدينة.

وكشف ترامب في 7 اغسطس/ آب عن محادثة مزعومة مع الله، قائلاً إن مهمته ربانية، و”ان الله يمتحنه”. واضاف في جولة انتخابية : “طلبت من الله ان كنت قد قمت بعمل جيد، وقلت له انا الوحيد القادر على فعل الخير”. فرد عليه الله، حسب زعمه، “لست بحاجة لقول ما تقول، عليك المحاولة”. وعن منافسه أكد انه يتبع “أجندة راديكالية”، محذراً منه: “يريد نزع اسلحتكم. لا دين له. انه ضد الله، ويجرح الانجيل”.

وفي نهاية شهر أيلول/سبتمبر الماضي، رشح ترامب القاضية إيمي كوني لعضوية المحكمة العليا خلفا للقاضية التقدمية روث بادر غينسبرغ، برغم إعتراضات الدموقراطيين على التعيين قبيل الإنتخابات. وبرغم الديانة الكاثوليكية التي تنتمي إليها كوني، إلا انها تنتمي إلى أخويّة علمانية، تعرف عن نفسها باسم “أهل الحمد”، وهذه الجماعة، بحسب “خدمة الأخبار الدينية” الأميركية، تعدّ واحدة من الجماعات المنتمية لتيار ديني مواهبيّ (يؤمن بالمعجزات) وسط الكاثوليك، يتأثّر كثيراً بالتقاليد الانجيلية، وهو التيار نفسه الذي ينتمي له عدد من القساوسة الانجيليين المتجددين الذين يدعمون ترامب.

هذا التيار ينتمي إليه مؤسس شبكة البث المسيحية (نادي 700) القس الأميركي الشهير بات روبرتسون، الذي قال يوم الثلاثاء الماضي إن الرب “أخبرني بأن ترامب سيفوز في الانتخابات”، وأشار أن نهاية العالم “ستكون بعد خمس سنوات”.

***

في السياق نفسه، أصدر الأستاذ الجامعي الكندي الباحث في علم اللاهوت في جامعة كونكورديا في مونتريال، أندريه غانييه، كتاباً بعنوان: “هؤلاء الإنجيليون وراء ترمب: إنه مختار من الله؟”. وقال فيه إن هؤلاء لديهم قراءة تنبؤية للإنجيل (العهد القديم خصوصاً) . يعتقدون ان ترمب هو قوروش الكبير مؤسس الامبراطورية الفارسية (559-530 ق. م) الذي حرر اليهود من سبيهم في بابل، وأعاد إليهم الأموال والكنوز التي نهبت من الهيكل، وسمح لهم بإعادة بناء ذلك الهيكل الذي دمره البابلي نبوخذ نصر. ويشاطرهم في ذلك جماعة يهودية يقول أحد حاخاماتها مردخاي بيرسوف: “ترمب حقق نبوءة قديمة عندما نقل السفارة الأميركية الى القدس”، مشيرا إلى ما قاله قوروش قبل 2500 سنة لجهة “تكليفه الإلهي ببناء بيت المقدس”.

وبعد أيام قليلة، تحديداً في 29 تشرين الأول/ اكتوبر، يحيي الإنجيليون الجدد مع عدد من المنظمات اليهودية ذكرى سيطرة قوروش على بابل وتحرير اليهود المسبيين فيها. وأصدرت إسرائيل، في العام 2015 طابعاً بريدياً يحمل صورة لأسطوانة طينية اشتهرت باسم “بيان قوروش”، تكريماً للملك الذي يعتبرونه محرر اليهود بعد سيطرته على بلاد ما بين النهرين.

ويشير أندريه غانييه إلى ان الإنجيليين يرون في ترامب علامة من علامات عودة المسيح، وانهم مدعوون الى حكم العالم وبناء مملكة الله على الارض. والعاجل لديهم هو بناء مجتمعي صلب وشن حملة للهيمنة بالتفوق المسيحي. ولذلك ينتشرون بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي، والكنائس التي فيها “رسل” كاريزماتيون يختارونهم جيداً. ولهم نظرة محكمة مترابطة بين الدين والاقتصاد والسياسة والاعلام والتربية والثقافة والعائلة. وما يقوم به ترمب، باعتقادهم، هو تمهيد لعودة المسيح لأنه يحارب الشياطين. أي شياطين؟ يقول الباحث: “انه، برأيهم، يحارب من يريدون شيطنته، ينفذ اجندة ثلاثية يؤمنون بها تقوم على محاربة الشياطين، هيمنة المسيحيين، ونهاية العالم”.

وكان حشد انجيلي قد طالب ترامب في 3 كانون الثاني/يناير الماضي بأن يكمل مهمته كما فعل قوروش!

يقول الباحث الكندي أندريه غانيي “انه، برأيهم، يحارب من يريدون شيطنته، ينفذ اجندة ثلاثية يؤمنون بها تقوم على محاربة الشياطين، هيمنة المسيحيين، ونهاية العالم”

ويسرد الباحث والاكاديمي الكندي كيف ان المتطرفين المسيحيين الاميركيين تكتلوا بعد الثورة الثقافية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تحت شعار معاداتهم للتحرر الانحلالي. يعارضون الإجهاض ويحاربون منح حقوق للمثليين، ولهم نظرة تقليدية صارمة في التربية الجنسية، ويرغبون في فرض الصلاة وقراءة الإنجيل في المدارس. والأنكى ، كما يؤكد غانييه، انهم يعملون بجد لتحقيق هدف الوصول الى رئاسة الحزب الجمهوري، معتمدين في ذلك على صقور مثل المرشحة للمحكمة العليا القاضية إيمي كارني باريت التي قالت في محاضرة جامعية في 2006 “ان القانون وسيلة لخدمة قضية”. والقضية هي بناء مملكة الله على الأرض حسب تفسيرات خاصة للعهدين القديم والجديد في التراث اليهودي المسيحي المشترك، ما دفع بمحللين غربيين (اوروبيين) الى تسمية الإنجيليين المحافظين الجدد مَجازاً بـ”حزب الله الاميركي”!

يذكر أن 80 في المائة من الأميركيين يؤمنون بالله. وتبلغ نسبة الإنجيليين نحو 25 -27 في المائة من السكان مقابل 22-24 في المائة كاثوليك، والبروتستانت 14 في المائة، و7 في المائة من اتباع الكنائس السوداء، و2 في المائة يهود، و2 في المائة مورمون، و1.5% في المائة من المسلمين، بالاضافة الى اتباع شهود يهوه ومعتقدات دينية أخرى، وتعلن نسبة 23 في المائة أنها لا تتبع ديناً محدداً.

والمسيحيون المحافظون يرفضون المثلية الجنسية، والإجهاض، والجنس خارج الزواج، والموت الرحيم، والعبث العلمي والطبي بالجينات البشرية.  والإنجيليون منهم كانوا تاريخياً شرائح من أناس محافظين ومهمشين. أما اليوم فيضمون شبابا ومثقفين وميسورين، ويمتلكون او يسيطرون على محطات تلفزة ووسائل اعلام أخرى. ويعيش الكثير منهم في الأرياف خصوصاً في الولايات الجنوبية حيث الثقل العددي لكبار الناخبين او المجمع الإنتخابي الذي ينتخب الرئيس.

***

اذاً، انها معركة من نوع خاص يخوضها المرشحان على صعيد الدين. ويركز كاثوليكيون ديمقراطيون على ان ترامب ليس مسيحياً نموذجياً. مارس الطلاق والزواج عدة مرات خارج القواعد والأعراف الكنسية. اشتهر بمغامرات تحرش جنسي، كما أنه تاجر جشع. وتؤيدهم استطلاعات رأي أكدت أن بايدن، مسيحي أكثر من ترامب بنسبة 55 في المائة مقابل 35 في المائة لترامب. ومع ذلك، يرى المسيحيون الانجيليون البيض في ترامب رئيساً مدافعاً عن الحريات الدينية، وبعضهم يعتبر ان حياته مهددة تحت ضغط الحركات المناهضة لحمل السلاح والمؤيدة للحقوق النسوية الاضافية والمتساهلة مع المثلية الجنسية، وذلك تحت شعار صارم يدافع عن الشكل الكلاسيكي المحافظ للعائلة الأميركية.

وفي جانب الديمقراطيين، فان التذكير ببعض القيم المسيحية هو الأساس في دفاعهم عن العدالة الاجتماعية. وفي 30 تموز/ يوليو الماضي، خلال مأتم جون لويس رفيق مارتن لوثر كينغ قال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما “انها ارادة حب الآخر واعطائه حقوقه التي منحه اياها الله”. اما بايدن، وفي رد على ترامب في 8 آب/ أغسطس،  فأوضح ان ايمانه يعلمه “ان يحب لجاره ما يحبه لنفسه، بينما ترامب يمارس تقسيم المجتمع”.

ولا يهمل بايدن الكاثوليكي من حساباته الإنجيليين، اذ عيّن إنجيلياً مديراً في حملته، كما أنه يدافع عن حركة “حياة السود مهمة” التي نشطت بعد مقتل جورج فلويد. فهذه الحركة، برأيه، متنوعة اكثر مما يعتقد ترامب وتضم انجيليين، فيما يصر ترامب على مهاجمتها ويضعها في خانة “الغوغاء”.

ولا يخفي المرشح الديمقراطي تأكيد أهمية الإيمان وأنه أساس حياته، ويجلب له العزاء في اللحظات التراجيدية المؤلمة. ففي مقالة نشرها في 29 كانون الاول/ ديسمبر 2019 كتب عن نظرته الى الكاثوليكية الإيمانية. وأثار ذلك غضب عدد من رفاقه من الديمقراطيين العلمانيين الذين يكرهون الخلط غير الصحي بين الدين والسياسة.

***

تاريخياً، انتهت الحيادية تجاه الدين في الولايات المتحدة في العام 1960. فالمرشح آنذاك جون كينيدي اتهم بأنه كاثوليكي متعصب. فوجد مستشاروه في ذلك خطراً على انتخابه لأن البروتستانت لا يقبلون بذلك. وبالفعل عقد 30 قيادياً بروتستانتياً أميركياً متديناً اجتماعاً سرياً في سويسرا آنذاك لمواجهة المرشح الكاثوليكي، ما دفع بكينيدي الى خطاب عن الدين لانقاذ ترشيحه. وقال: “انا لا اتكلم باسم الكنيسة، والكنيسة لا تتكلم باسمي. انا هنا لست كاثوليكياً بل ديمقراطياً”. ودافع عن ايمانه بقيم اميركا شارحاً تناقضات معارضيه من رجال الدين البروتستانت الذين خلطوا المفاهيم، من وجهة نظره، ونادوا بالتصويت ضده. كان خطاباً تحت عناوين الآباء المؤسسين وسمح بفوزه لكنه اغتيل.

 ومنذ ذلك الحين يطل الدين برأسه في الانتخابات الاميركية خصوصاً على ألسنة الجمهوريين المتأثرين جداً بالمحافظين الجدد. فقد أشهر جورج بوش الإبن إيمانه على الملأ، وعقد جلسات انجيلية في البيت الابيض عندما كان رئيساً، واستخدم في بعض خطاباته تعابير روحية، وصنف العالم بين خير وشر، وشن حروباً على هذا الأساس. وعرف ترامب اهمية الانجيليين التصويتية، فأحاط نفسه بعدد منهم، منذ اليوم الاول لولايته، وذلك في البيت الابيض ووزارات ابرزها  الخارجية وعلى رأسها مارك بومبيو، وفي القضاء وقطاعات حساسة أخرى، ولا ننسى أنه وصل الأمر بترامب عندما أصيب بفايروس كورونا، الى القول “ان الإصابة نعمة من الله”.

في مؤتمر انتخابي له يوم السبت الماضي في مدينة ماكون بولاية جورجيا، قال ترامب إنه قد يجد نفسه مضطراً لمغادرة بلاده إذا فاز بايدن في الإنتخابات.

هل يختار الرئيس الأميركي لبنان مقراً “نموذجياً” لإقامته؟

منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course