بديل “التدقيق”: “الحساب 36” أم حسابات الدولة اللبنانية؟
A Lebanese anti-government protester holds a mask of Lebanon's Central Bank Governor Riad Salameh as she sits for a haircut in front of the central bank headquarters in Beirut to protest against the economic policies of the bank on November 27, 2019. - Since September, debt-saddled Lebanon has had a liquidity crisis, with banks rationing the supply of dollars. As a result, the dollar exchange rate on the parallel market has topped 2,000 Lebanese pounds -- a spike from the pegged rate of 1,507. (Photo by JOSEPH EID / AFP) (Photo by JOSEPH EID/AFP via Getty Images)

ليس تعثر التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان إلا وجه من وجوه التعثر الوطني العام في تلمس سبل الخروج من الأزمة السياسية والإقتصادية والمالية والاجتماعية المحتدمة حد الانفجار الذي قد لا يبقي ولا يذر.

على وقع التعثر الحكومي، وعلى وقع أجراس الخلاف المجلجل حول الإجابة الشافية عن سؤال الحقيقة المرة، وهو: “من أين نبدأ”، يواجه لبنان لحظة سياسية إقتصادية قاتلة، يزيدها وطأة ضغط خارجي يتخذ شكل عقوبات أميركية، الأمر الذي يجل المناخ أكثر قتامة من أي وقت مضى.

شاءت ظروف ما بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 أن يتركز البحث في أسباب الإجراءات الخاصة بتقييد سحوبات ودائع اللبنانيين. فتوجهت البوصلة ناحية المصارف التي أعادت بدورها التصويب باتجاه مصرف لبنان على أساس أن للبنوك في خزينة البنك المركزي ايداعات بنحو 75 مليار دولار لا تستطيع التصرف بها الا وفقاً لسياسة نقدية ومصرفية يحددها البنك المركزي. ثم أتى حدث توقف الدولة عن سداد مستحقات سندات الـ”يوروبوندز”، وقبلها شاعت أخبار هروب مليارات الدولارات الى الخارج في وقت كان على اللبناني العادي التكيف قسراً مع تقنين السحوبات من المصارف. في الموازاة، كان سعر صرف الليرة يتهاوى على نحو مخيف. ونشأ  نزاع مفتوح بين حكومة حسان دياب وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة حول كل شيء تقريباً.

“من أي نبدأ”؟

سلّم الجميع للحقيقة. المؤسسات كلها في لبنان لا تعمل، وفق واجباتها المنصوص عليها دستورياً، رقابة وتشريعا وتنفيذا ومحاسبة وتدقيقا. فجأة تفتق الذهن الاصلاحي المستجد، بدوافع داخلية ونصائح (ضغوط) خارجية، عن فكرة التدقيق الجنائي في حسابات البنك المركزي الذي تحول في سنوات قليلة من حامي النظام السياسي ـ الإقتصادي إلى مشكلته العويصة، بعدما جر ذيول اتهامات إضافية له تفاقمت منذ 2016 مع الهندسات المالية التي أفادت منها مصارف واصحاب رساميل على حساب المال العام.

تمخض جبل الشفافية المزعومة ليولد فأر وهم التدقيق الجنائي بعقد مع شركة “الفاريز اند مارسال”، وبدأت لعبة القط والفأر، فاذا بالأمر أعقد مما تصوره البسطاء، ونتيجته أقرب الى ما خططه الخبثاء.

تعثر التدقيق، ورد رياض سلامة مؤكداً أنه سلم بيانات مصرف لبنان وفقاً للأصول القانونية، أي انه طبّق العقد الذي وقعته وزارة لمالية مع شركة التدقيق وفقا للقوانين اللبنانية وتحديداً قانوني النقد والتسليف والسرية المصرفية. لم يقلها سلامة، لكنه رمى الكرة في ملعب حكومة تصريف الأعمال. لتبادر هذه الحكومة إلى الإنعقاد وتقديم مشروع قانون تطلب بموجبه من مجلس النواب تعديل هذين القانونين، وهو أمر  متعذر حالياً، أو لتطلب الدولة “كشفاً مفصلاً لكامل حساباتها وتسليمه للجهة التي ترى انه من المناسب الاطلاع عليها”.

سلامة ذهب أبعد من ذلك، وقال “حسابات الدولة وليس حسابها”، وهو العارف أن هناك حسابات لوزارات وادارات وهيئات ومؤسسات وقطاعات عامة فاتحة “على حسابها” خارج “الحساب 36”. هنا نتحدث عن الكهرباء والاتصالات ومجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين ولجنة إدارة مرفأ بيروت والبلديات وجهات أخرى

ما قاله سلامة هو بيت القصيد برأيه. فالمحاسبة تشمل الجميع وليس مصرف لبنان فقط: تعالوا نفتح الدفاتر كافة، فهل تجرؤون؟ اطلبوا الكشف عن حسابات الدولة ووزاراتها واداراتها المختلفة.. ولكل حادث حديث!

استسهل البعض المعضلة ووضع على الطاولة أجندة الكشف على حساب للدولة في مصرف لبنان إسمه “الحساب 36” الجاري الذي تودع فيه وزارة المالية وتسحب منه. بيد أن رد سلامة ذهب أبعد من ذلك، وقال “حسابات الدولة وليس حسابها”، وهو العارف أن هناك حسابات لوزارات وادارات وهيئات ومؤسسات وقطاعات عامة فاتحة “على حسابها” خارج “الحساب 36”. هنا نتحدث عن الكهرباء والاتصالات ومجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين ولجنة إدارة مرفأ بيروت والبلديات وجهات أخرى فيها مشاريع ومناقصات وتلزيمات واتفاقيات بالتراضي وانفاق بتواقيع حزبية وطائفية تحاصصية خصوصاً في وزارات يتناحرون لتوليها منذ عقود..

بكلام آخر، يريد سلامة القول بكثير من التعمية :”أنا لست علي بابا، وأنتم لستم الـ 40 حرامي”. لنطلب الشفافية جميعاً. خلاف ذلك، تعاولوا جميعاً إلى “كلمة سواء” بيننا حتى لا يهدم الهيكل على رؤوس الجميع.

هذه هي حدود اللعبة داخلياً وكفى الله المؤمنين شر القتال. أما خارجياً، فيدرك رياض سلامة أن التسلح بالموقف الدولي المطالب بالتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان ليس كافياً. فالمبادرة الفرنسية، كما المطالب الأولية لصندوق النقد الدولي، تشمل الكهرباء والاتصالات والمناقصات والقضاء والإدارة العامة والجمارك والمطار والمرفأ وتعيينات الهيئات الناظمة ومكافحة الفساد والخصخصة و”الكابيتال كونترول” وهيكلة القطاع المصرفي والدعم وسعر صرف الليرة والضرائب.. “فما الذي تحقق من تلك العناوين حتى يفتح سلامة دفاتره وحده ليكون كبش المحرقة؟ لا “شيء يذكر”، كما يؤكد أحد كبار المعنيين.

كما أن سلامة، ومعه رهط من السياسيين يراهنون على أن الفرنسيين كما المجتمع الدولي لن يتركوا لبنان لمجرد ان تدقيقاً جنائياً لم يحصل كما يشتهي السذج والحالمون الجدد بالافصاح والشفافية والمحاسبة. بدليل ما قاله وزير الخارجية جان إيف لودريان الاثنين الماضي خلال استجوابه أمام لجنتي العلاقات الخارجية والدفاع في الجمعية الوطنية الفرنسية عندما أشار الى “ان لبنان معرض للتفكك، لكن المجتمع الدولي يسعى لمنع تحول هذا البلد الى تعقيد إضافي لاوضاع المنطقة المتعفنة”، برغم تعنت سياسييه وترددهم في الاصلاح الشامل.

قد لا تأتي القروض الميسرة والمساعدات على قدر ما يشتهيه اللبنانيون، لكن السعي قائم على قدم وساق لإبقاء رأس لبنان فوق الماء حتى لو بقي جسمه من القدمين الى الرقبة غارقاً. فالانتشال الكامل صعب ومكلف جداً ان لم يكن مستحيلاً مع طبقة سياسية رافضة تحمل مسؤولية الإفلاس، وكأن الشعب اللبناني كان يدير هذه الطبقة طوال ثلاثة عقود من الزمن ولا بد من محاسبته على أفعاله.. ولعل البداية تكون بحرمانه من ودائعه!

ليس خافياً ان مصرف لبنان بات أكثر تصلباً من ذي قبل في موضوع التدقيق الجنائي، بعدما اقترب الموس من ذقنه، إذ لا بحث في أخطاء السياسة النقدية بمعزل عن أخطاء السياسة المالية. فدعم سعر صرف الليرة والفوائد المرتفعة والهندسات المالية جزء لا يتجزأ من سياسة نقدية نفذت لخدمة سياسة مالية لدولة أدمنت الدولار والتوزيع الزبائني.

 لكن منذ 2011 شح الدولار وتفاقم عجز ميزان المدفوعات بنحو 29 مليار دولار، وكان عليه الاستمرار في “تزييت المحرك (الموتور) المضروب في صميمه. تزييت شبه يومي لأن استبدال المحرك مستحيل”.

أما إلى أين من هنا؟ فالجواب ليس في مهلة الثلاثة أشهر الجديدة ولا بإنتظار نتائج الانتخابات الاميركية ولا بعطف الأم الحنون فرنسا، بل لدى صندوق النقد الدولي فقط لا غير. وما على رافضي الصندوق الا القيام بانقلاب، رأساً على عقب، على كل تطبيقات المفاهيم السياسية والاقتصادية والمالية القائمة، ليس على طريقة تسليم السلطة سلمياً، بل في ثورة جديدة على قلب رجل واحد.. وهذا مثل رابع مستحيلات الغول والعنقاء والخل الثوري الوفي!

منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free