إنتخابات أميركا.. مجريات ونتائج وخلاصات
Democratic presidential nominee Joe Biden delivers remarks at the Chase Center in Wilmington, Delaware, on November 6, 2020. - Three days after the US election in which there was a record turnout of 160 million voters, a winner had yet to be declared. (Photo by ANGELA WEISS / AFP) (Photo by ANGELA WEISS/AFP via Getty Images)

لن يتغير الكثير على من يعيشون في قلب الأزمات في الشرق الأوسط، من مناطق الحرب كسوريا واليمن وليبيا إلى الدول المعطلة والضعيفة كلبنان والعراق، سواء أكان الفائز هو الرئيس دونالد ترامب أم منافسه الديمقراطي جو بايدن.  

عايشت إدارتا دونالد ترامب وباراك اوباما صراعات المنطقة، وكانتا تتوقان للهروب منها، غير أنه حدث العكس، فقد استمرت الحملات الجوية الأميركية وبقيت القوات الأمريكية منتشرة في العديد من بلدان المنطقة.

هناك اعتقاد عميق في واشنطن بانه لا يمكن لاي رئيس اميركي ان يطلق مبادرة أو يحرز تقدماً ملموساً في معالجة قضايا المنطقة العالقة، في ظل إنعدام المخاطر على هدفي الولايات المتحدة في المنطقة: الاول، امن وسلامة الدولة العبرية التي يستحيل على اعدائها القيام بحرب قاضية عليها. الثاني، النفط. فبعد ان وصلت الولايات المتحدة الى مرتبة الاكتفاء الذاتي نفطياً، فقدت دول الخليج العربية مرتبة الحماية الاميركية المطلقة.

لكن، إن أحببت اميركا أو كنت تحقد عليها، تبقى الولايات المتحدة مؤثرة في حاضر الشرق الاوسط ومستقبله، خصوصا وان تاثيرها على مسار عالمنا العربي، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان كبيراً وسيستمر، سلباً ام ايجاباً، والى وقت طويل.

ولا ينحصر التأثير الاميركي على بلدان المنطقة بأهمية سياساتها ودبلوماسيتها وحروبها واستخباراتها وجيوشها ومساعداتها المادية والثقافية والعسكرية، وانما ايضا بتعدد منتوجاتها الاستهلاكية وشعاراتها ومواقفها وتصريحاتها ونموذجها الإستهلاكي وكل هذه تؤثر في حياة الشعوب يومياً.

تتشكل قوة ترامب من عناصر الحزب الجمهوري ومناصريه، سكان الريف الاميركي، الانجيليين الصهاينة، الطبقات الاجتماعية الدنيا من الاميركيين ذوي البشرة البيضاء وخاصة اولئك الذين لا يحملون شهادات جامعية، ومن الاميركيين ذوي الدخل العالي

لذلك من المهم والضروري ان يتابع الرأي العام اللبناني والعربي التطورات في القارة الاميركية وتحديداً الانتخابات الرئاسية. هناك عدة ملاحظات حول مجريات انتخابات العام 2020:

  1. اقترع الاميركيون في الوقت نفسه لكامل اعضاء مجلس النواب وثلث اعضاء مجلس الشيوخ الفدراليين، بالاضافة الى حكام ولايات ومجالس شيوخ ونواب محليين.
  2. هناك ثلاث وسائل للاقتراع وممارسة كل واحدة منها تختلف من ولاية الى اخرى، وفي هذه الدورة الانتخابية اقترع حوالي ٥٠ مليوناً في اليوم المقرر، أي ٣ تشرين الثاني/نوفمبر، واقترع ٣٥ مليوناً قبل الموعد المحدد لان صناديق الاقتراع بدأت باستقبال الناخبين قبل اسابيع من ذلك الموعد، كما اقترع حوالي ٦٥ مليوناً بواسطة البريد.
  3. تأخر اعلان النتائج في الولايات التي تفرض قوانينها بدء فرز الاقتراع البريدي في اليوم التالي للموعد المقرر (4 تشرين الثاني/نوفمبر). كذلك، أدّى وباء الكورونا الى زيادة عدد الناخبين بريدياً من بضعة ملايين في انتخابات سابقة الى ٦٥ مليون حالياً. ان النتائج التي ظهرت صباح الاربعاء الماضي عكست بمعظمها اصوات من اقترعوا في اليوم المقرر للإنتخابات. وأدى ذهاب الجمهوريين الى القضاء لمنع فرز بعض التصويت البريدي إلى حدوث تاخير جسيم في الفرز في الولايات المتارجحة وعددها ست ولايات.
  4. تتشكل قوة دونالد ترامب من عناصر الحزب الجمهوري ومناصريه، سكان الريف الاميركي، الانجيليين الصهاينة، الطبقات الاجتماعية الدنيا من الاميركيين ذوي البشرة البيضاء وخاصة اولئك الذين لا يحملون شهادات جامعية، ومن الاميركيين ذوي الدخل العالي. كذلك حصل على تأييد بعض الناخبين اللاتينيين ولا سيما في ولاية تكساس وهؤلاء لم يحصل الحزب الجمهوري على تأييدهم في الدورة السابقة.
  5. بالاضافة الى عناصر الحزب الديموقراطي وانصاره، يحظى جو بايدن بدعم من سكان المدن وضواحيها، الاميركيين الافارقة، حاملي الشهادات الجامعية من البيض، الاميركيين الاسيويين، واللاتينيين من اصول مكسيكية واميركا الوسطى (معظم اللاتينيين من اصول كوبية يوالون الحزب الجمهوري). كما ان معظم ابناء الطائفة اليهودية ينتمون الى الحزب الديموقراطي ويصوّتون له في الإنتخابات.

يعتبر بايدن ان القضاء على وباء الكورونا يعيد النمو الاقتصادي الذي بدأ في العام الثاني لولاية باراك اوباما الاولى والذي تبع الانهيار الاقتصادي الكبير في العام الاخير من رئاسة جورج بوش الابن الثانية

أما الملاحظات حول النتائج، فيمكن إيجازها بالآتي:

أولاً، برغم ان معظم الاميركيين اعتبروا ان الديموقراطية الأميركية ما زالت حية، والتدخل الخارجي فشل، والعملية الانتخابية كانت نزيهة، الا ان اميركا تبقى منقسمة عامودياً. الأميركيون محاصرون بسوء التفاهم في ما بينهم. باتوا لا يفهمون بعضهم البعض. سيستمر دونالد ترامب في يومياتهم، خاصة وانه نجح في زيادة مؤيديه في هذه الدورة، عما كانوا عليه منذ اربع سنوات. بالمقابل، فشل الحزب الديموقراطي في تحقيق فوز ساحق. ان سقوط دونالد ترامب ومغادرته البيت الابيض، بعد عشرة أسابيع لن يعزله عن الساحة السياسية الاميركية. ان النتائج عكست سياسته الفوضوية في ادارة اميركا وسيبقى، ان أراد، زعيماً مطلقاً للحزب الجمهوري في السنوات الاربع المقبلة. ظهرت قوة ترامب في الولاء الشبه الكامل لمرشحي الحزب الجمهوري بسبب سيطرته الحازمة والحاسمة على قاعدة الحزب، ولذلك سيصعب على اي طامح جمهوري للرئاسة ان ينجح من دون موافقة ترامب.

ثانياً، أظهرت الاستطلاعات والتقييمات الاولية ان بايدن فشل في استرجاع الكثير من القواعد العمالية التي كانت تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، واستعاض عن ذلك بالدعم القوي من نساء ضواحي المدن حملة الشهادات الجامعية اللواتي انتخب معظمهن ترامب في الدورة السابقة.

ثالثاً، تبقى السيطرة على وباء الكورونا الهدف الاول لادارة الرئيس المنتخب جو بايدن وقد بدأ بوضع خطة لاحتوائه قبل اعلانه رئيساً منتخباً. سيستمع بايدن الى العلماء والاختصاصيين لكن القرار النهائي يقع على عاتقه، وسيتحمل نتائجه خاصة وان فشل ترامب في ادارة ازمة الوباء كان السبب الاول في نجاح الديموقراطيين. لكن، يعتقد الكثير من المراقبين والمحللين ان ترامب سيستمر في دعوة انصاره لعدم استعمال الكمامات والتظاهر ضد اغلاق اميركا حتى لو كانت المدة قصيرة.

رابعاً، يعتبر بايدن ان القضاء على وباء الكورونا يعيد النمو الاقتصادي الذي بدأ في العام الثاني لولاية باراك اوباما الاولى والذي تبع الانهيار الاقتصادي الكبير في العام الاخير من رئاسة جورج بوش الابن الثانية. كذلك، اعلن بايدن انه سيرفع الضرائب على الشركات الكبرى وذوي الدخل الذي يزيد عن النصف مليون دولار.

خامساً، لن يكون الكونغرس موالياً لبايدن اذ ان الحزب الديموقراطي، برغم محافظته على الأكثرية في مجلس النواب، إلا انه خسر ما يزيد عن عشرين مقعداً. اما مجلس الشيوخ، فلن يكتمل عدده قبل كانون الثاني/يناير القادم اذ ان ولاية جورجيا فشلت في انتخاب شيخين لان نجاح كل واحد منهما يتطلب فوز المرشح باكثر من ٥٠ في المئة من عدد المقترعين. للذك، يعتمد نجاح بايدن على قدرته على اقناع الجمهوريين في مجلس الشيوخ بالتعاون مع ادارته.

سادساً، سيركز بايدن على معالجة القضايا الداخلية الشائكة والمتشابكة ومنها تخفيف التشنج والانقسامات بين فئات الشعب التي بدأت مع ولاية دونالد ترامب. اما اولوياته الخارجية فستركز على اعادة العلاقات الطبيعية مع اوروبا ومعالجة المشاكل التجارية مع الصين، واعادة دعم وتثبيت المؤسسات والاتفاقات الدولية.

سابعاً، الأكيد أن الشرق الاوسط لن يكون من ضمن اولوياته لانه ليس هناك من خطر على ما تعتبرها اميركا منظومة مصالحها في المنطقة.

عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
online free course