أيهما أفعل.. حرب واشنطن ضد حزب الله أم السياسيين؟

Avatar18022/11/2020
 في مقال نشره في موقع "ميدل إيست آي" (Middle East Eye) الإخباري البريطاني، بعنوان حرب الولايات المتحدة المالية الطويلة على حزب الله ولبنان، قال الصحافي والكاتب بول كوكرين إن أثر العقوبات ضد سياسيين لبنانيين سيكون أكبر بكثير من أثر العقوبات ضد حزب الله. ماذا تضمنت مقالة كوكرين المترجمة من الإنكليزية إلى العربية؟

“على مدى العقدين الماضيين، كان لبنان تحت رقابة دقيقة من وزارة الخزانة الأميركية بسبب عمليات غسل أموال محتملة أو تمويل جماعات صنفتها الولايات المتحدة إرهابية. أدت التحركات الأميركية إلى إغلاق مصرفين (البنك اللبناني الكندي وجمال ترست بنك) ومنع استخدام وسائل لتحويل الأموال ودفعها مثل “بيبال” وإلى إحداث صداع للبنانيين العاديين الذين يريدون تحويل الأموال، وإلى المزيد من الضغوط على المصارف اللبنانية للإلتزام بالمعايير (المصرفية) الدولية. وكان سبب تركيز الولايات المتحدة على القطاع المالي اللبناني واضحا، كما يقول وسام فتوح الأمين العام لاتحاد المصارف العربية لنشرة “موني لوندرينغ بوليتين” الإنكليزية “ظل لبنان في دائرة الضوء لأن حزب الله في لبنان”.

أصدرت الولايات المتحدة هذا الشهر (تشرين الثاني/نوفمبر) مزيدا من العقوبات على حزب الله الذي تعتبره منظمة إرهابية واستهدفت عددا من عناصره والشركات التي يُزعم أنها مرتبطة به. وقد استهدفت وزارة الخزانة الأميركية التي ظلت تركز على الحد من نشاطات حزب الله المالية، للمرة الأولى وزير الخارجية السابق ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بتهم فساد (قانون ماغنيتسكي). وتم النظر للخطوة الأميركية بأنها بسبب علاقات باسيل وتفاهمه مع حزب الله.

تأتي هذه الخطوة في ظل استخدام مفرط للعقوبات من قبل إدارة دونالد ترامب الذي وعد بعقوبات جديدة على إيران حتى مغادرته البيت الأبيض في نهاية كانون الثاني/يناير 2021 وأيضاً عقوبات على فنزويلا والصين وكوريا الشمالية.

ولدى الولايات المتحدة تشريعان يستهدفان حزب الله هما قانون الحد من التمويل الدولي لحزب الله (HIFPA1) الصادر عام 2015 وقانون الحد من التمويل الدولي لحزب الله المعدل (HIFPA2) الصادر في 2018. وتم تقديم مقترح قانون جديد في أيلول/سبتمبر (2020) وهو “منع حزب الله من غسل الأموال” ويهدف “لمنع الجماعة التي تدعمها إيران من غسل الأموال حول العالم، وخاصة في لبنان وأميركا اللاتينية”.

ويأتي القانون الجديد برغم البعد الدولي للقانونين السابقين والشكوك التي تحوم حول تورط حزب الله في تهريب المخدرات في أميركا الجنوبية. وقال المحامي علي زبيب من مكتب زبيب وشركائه في بيروت “لا أعتقد أن HIFPA 1  وHIFPA 2 نجحا. لم يقدما إلا عقوبات اقتصادية جديدة وأساليب خانقة”.

وأضاف أن “HIPFA 2 زاد من دائرة العقوبات في ما يتعلق باستهداف حزب الله وأي شخص يدعمه عن معرفة وبدون معرفة”. وقال “بعد خمسة أعوام أثبت حزب الله قدرته على بناء قنوات مصرفية ومالية موازية لأنه خارج النظام المصرفي اللبناني”.

ومنذ ظهوره في عام 1982، كان حزب الله هدفا للولايات المتحدة. وجاءت العقوبات الأخيرة التي استهدفت عضوين في المجلس المركزي للحزب، في الوقت الذي “تحيي فيه الولايات المتحدة الذكرى 37 لهجوم حزب الله على ثكنات المارينز في بيروت”، كما قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.

بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 تم استخدام قوانين مكافحة غسل الأموال ومحاربة تمويل الإرهاب بشكل واسع من قبل الولايات المتحدة في ظاهرة أطلق عليها “الحرب المالية”. وتم توسيع صلاحية القانونيين هذه بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر حيث وضعت وحدة المهام الخاصة المالية في منظمة الإقتصاد والتعاون والتنمية المعايير التي يجب على المؤسسات المالية اتباعها أو التعرض للمنع من استخدام النظام المصرفي الدولي. وقال توم كيتينغ، مدير دراسات الجريمة المالية والامن في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا إن “وحدة المهام الخاصة المالية هي أقوى منظمة لم يسمع بها أحد من قبل”.

وفي عام 2011 استخدمت الولايات المتحدة قانون مكافحة غسيل الأموال لاستهداف البنك اللبناني الكندي باعتباره “مصرفا يثير القلق من ناحية غسل الأموال” وبزعم أنه سهل عمليات تمويل حزب الله. وأجبر المصرف على إغلاق أبوابه وإبرام تسوية مع المحكمة في أميركا بـ102 مليون دولار مع أنه لم يتم الكشف علنا عم عمليات غسل أموال لحزب الله.

وقال مصرفي لبناني إن إغلاق البنك اللبناني الكندي أدى إلى حالة من الخوف بين المصارف اللبنانية لئلا تتكرر حالات توجه فيها اتهامات بغسل أموال. وعلى خلاف المصارف التي استهدفتها الخزانة الأميركية واتهمتها بخرق قانوني مكافحة غسل الاموال ومحاربة تمويل الإرهاب، مثل مصرف “إتش أس بي سي” الذي اتهم بغسيل الأموال لعصابات/ كارتل المخدرات المكسيكية والبنك العربي الذي اتهم بتمويل حركة “حماس” الفلسطينية لم تكن المصارف اللبنانية قادرة على دفع الغرامات واستئناف عملها من جديد.

وقال المصرفي اللبناني إن المصارف اللبنانية كانت تحت رقابة شديدة إلى درجة أنها أرسلت المدراء ومعظمهم مسيحيون ممن يعملون في مكافحة غسل الاموال وتمويل الإرهاب إلى المصارف الأميركية المعنية والخزانة الأميركية لتبديد أي انطباع عن تعاطف مع الشيعة أو حزب الله.

ومن بين 60 مصرفا لبنانيا، هناك أربعة يملكها شيعة. والبقية مملوكة من السنة والمسيحيين وعدد قليل مرتبط بالدروز. ويشير جوزف ضاهر، الأستاذ الجامعي المحاضر في لوزان بسويسرا ومؤلف كتاب “حزب الله: الإقتصاد السياسي لحزب الله” إن البرجوازية الشيعية “لم تكن حاضرة تاريخياً في صلب النظام المصرفي”، وأضاف أن “البرجوازية الشيعية أصبحت قوية منذ تسعينيات القرن الماضي في معظم القطاعات إلا قطاع المصارف”. وقال “علينا أن نأخذ بالإعتبار أن كل المصارف فيها مساهمون أجانب مهمون وخاصة من دول الخليج”.

وفي العام الماضي، اختفى مصرف “جمال ترست بنك” من القطاع المصرفي بعد اتهامات مشابهة للمصرف اللبناني الكندي وعقوبات أميركية بزعم تمويله حزب الله.

وجاء إغلاق المصرف بعد دعوى قضائية ضد 11 مصرفا لبنانيا بمن فيها جمال تراست بنك تقدمت بها بداية 2019 الشركة القانونية الأميركية “أوسين” والتي تمثل 350 عائلة على علاقة بألف جندي أميركي قتلوا وجرحوا بسبب القنابل في العراق والتي “صممها حزب الله وصنعتها إيران”. ولم تنته القضية حتى الآن.

ويقول مصرفي لبناني يعمل مع واحد من المصارف المذكورة في الدعوى “قد تكون مثل حالة البنك العربي قبل عدة سنوات (تم تدفيعه غرامة)”. ويضيف “لسنا قلقين لأن حزب الله خارج القطاع المالي والدعاوى القضائية أقل تعقيدا من البنك العربي حيث لديه حضور في الولايات المتحدة أما المصارف اللبنانية فلا”. وترك التركيز الأميركي على حزب الله أثره على شيعة لبنان. فبعد صدور قانون HIFPA1 في عام 2015 قدمت الحكومة الأميركية للمصارف اللبنانية أسماء 99 شخصا طلبت إغلاق حساباتهم، فردت هذه بإغلاق الاف الحسابات لتظهر التزامها بالإملاءات الأميركية.

أما قانون HIFPA 2 فقد تسبب بقضايا على مستوى سيادي، حيث لم تكن الحكومة قادرة على دفع رواتب نواب حزب الله في البرلمان اللبناني بالدولار، وكان الحل هو الدفع بالليرة اللبنانية. وفكرت المصارف الصغيرة بالتوقف عن التعامل بالدولار ولكن مصرف لبنان المركزي عارض الفكرة.

وفي الوقت الذي تم فيه الضغط على حزب الله ماليا، لم يواجه رئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل نبيه بري نفس المشكلة. وفكرت إدارة ترامب في 2019 باتخاذ إجراءات ضده والحلقة القريبة منه بسبب علاقاتهم مع حزب الله، لكن لم يحدث شيئاً من هذا القبيل.

ويتساءل المصرفي نفسه عن سبب تجاوز واشنطن حركة أمل التي لعبت حتى 2005 دور المعبر عن حزب الله في البرلمان وقاتلت معه في حرب 2006. ويرى المحللون انه تمت معاملة حركة امل كفرع غير إرهابي من حزب الله يمكن للديبلوماسيين الأميركيين التحدث معه. وهو نفس موقف بريطانيا حتى شباط/ فبراير 2019 عندما فرقت بين الجناحين العسكري والسياسي لحزب الله.

وقد اعترف الأمين العام لحزب الله (السيد) حسن نصرالله بأثر العقوبات الأميركية لكنه اعتبرها هجوما على كل الشيعة في لبنان. وفي الوقت نفسه حاولت الأحزاب السياسية والمصارف لوم حزب الله على المراقبة الأميركية للنظام المصرفي وبالتالي مشاكل البلاد المالية والإقتصادية. ويعلق جوزف ضاهر “بسبب عدم الإستقرار في المنطقة والحرب في سوريا، حمل الناس حزب الله المسؤولية. وهذه مشكلة لكنها ليست صحيحة بالمطلق. وثانيا، فهذا يقوي رواية حزب الله أن الجميع ضده”.

وتحمل حزب الله مسؤولية الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان منذ 2019 مع أنه لا يتعامل مع النظام المالي ولم يكن في الحكومة عندما انهارت قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار ولم يكن مشتركا في قرارات مصرف لبنان التي قادت إلى الأزمة الحالية.

ويقول  جوزف ضاهر “تحميل حزب الله مسؤولية الأزمة المالية لا معنى له، هو ليس من ضمن اللاعبين الرئيسيين في الأزمة منذ التسعينيات”. ويضيف “لكن حزب الله له حصة من المسؤولية منذ 2005 (عندما انضم للحكومة) لأنه لم يتحدى هذه السياسات بل وشارك فيها. وكان حزب الله يدافع عن النظام الطائفي النيوليبرالي”.

ويقول هانيس بومان، المحاضر في جامعة ليفربول في بريطانيا ومؤلف كتاب “المواطن الحريري: السياسة النيوليبرالية في لبنان” إن صعود عائلة الحريري ارتبط بحصتها في أكبر مصرف في البلاد وهو بنك ميد (بنك البحر المتوسط). وتساءل “هل حزب الله مسؤول عن الإنهيار المالي؟ بطريقة غير مباشرة”؟

ويرى بول مرقص مؤسس مكاتب “جاستس بيروت كونسلت لو” “لا يمكنك القول أن العقوبات ستترك أثرا على التجارة أو القطاع المصرفي، وعلى الأقل ليس كما كان في السابق لأن التجارة متراجعة بسبب احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019 ووباء كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب/اغسطس واقتصاد البلاد والقطاع المصرفي منهاران.

ومع بداية استهداف الساسة اللبنانيين، كما حدث مع جبران باسيل، فهذا قد يترك أثره أكثر من العقوبات على حزب الله.

ويقول بول مرقص “يجب عمل هذا لأن لديك الكثير من الأشخاص المكشوفين سياسيا ممن غسلوا الأموال، وبخاصة في ما يتعلق بالفساد ويجب معاقبتهم دوليا”، و”لا يمكن الحديث عن الفساد في لبنان خلال الثلاث سنوات الماضية من دون أن يكون هناك أناس فاسدون، هذا الأمر مستحيل”.

(*) نص “ميدل إيست آي” بالإنكليزية

Avatar

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course