ساحات سليماني.. ما قبله ليست كما بعده

حتى نهاية الألفية الثانية، كان إسم القيادي الإيراني قاسم سليماني ما يزال مغموراً، وصورته غائبة. لم يكن أحد يعرفه، خصوصا أجهزة مخابرات الدول التي كانت في صراع مع إيران، والبداية بالحرب العراقية - الإيرانية، ثم بالمقاومة العراقية ضد الوجود الأميركي.

تصاعدت المقاومة ضد الجيش الأميركيين بقوة بعد اجتياحه العراق في العام 2003، ولم يكن يُعرف مصدر المقاومة، ومن يقف وراءها، وإن كان مصدرها واحد، أم تضافر أكثر من متضرر من الوجود العسكري الأميركي في العراق. ففي تلك الاثناء، كان الأميركي سيد العالم الأوحد عقب سقوط الاتحاد السوفياتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وفي خططه مشاريع كثيرة منها تقسيم العالم العربي إلى دويلات طائفية، في إطار ما أسموه “الشرق الأوسط الجديد”، و”مشروع الفوضى الخلاقة” الذي استهدف تفتيت المنطقة، والانتقال منها نحو الشرق الأقصى لمواجهة تنامي وتطور الصين، الدولة المهددة للسيطرة الأميركية على العالم، مما كان يفترض عبور العراق، فإيران، فأفغانستان، فالصين، مع التهديد الدائم لسوريا ولبنان- المقاومة.

 كانت السيطرة الأميركية على أفغانستان قد أنجزت، وتحقق سقوط العراق في حرب العراق الثانية، وباتت إيران مطوقة من الشرق (أفغانستان) والغرب (العراق). لم يكن أمام بقية الدول المهددة، افتراضاً، من خيار. القوى العسكرية متفاوتة بشكل هائل بين الدولة الأقوى عالميا، وبقية الدول والساحات. لكن ذلك لم يكن ليمنع المجابهة بالطرق غير المباشرة، وبأساليب جرى اختبارها في مدارس الثورات العالمية، كفييتنام، وكمبوديا، وكوبا وسواها.

انتهت حرب العراق الثانية بسيطرة اميركية تامة، وظن العالم أن الأوضاع استتبت للأميركي، لكن إنبرت له مقاومة بسرعة وزخم ودينامية كانوا كفيلين بمنع الأميركي من إلتقاط أنفاسه. راحت هذه المقاومة تتطور، تنمو، تتعمم، تتسع وتتفاقم تأثيراتها لسنوات متواصلة إلى أن أعلن الأميركي قراره بالانسحاب من العراق، وبالتالي سقوط كل مشاريعه التفتيتية، وانتهى عصر الشرق الأوسط الجديد قبل أن يبدأ..

قيل الكثير في تلك المقاومة، وسرت الكثير من التكهنات في ماهيتها، ومن يساهم بتأجيجها، وكان من البديهي أن تكون كل الدول المستهدفة بالخطط الأميركية معنية بالمواجهة، بدءا بلبنان، فسوريا، فالعراق، فإيران، وصولا إلى الصين دون إعفاء روسيا من الاستهداف.

في هذه الفترة من التطورات، بدأ يبرز اسم جديد على ساحة الشرق الأوسط. تقول مقدمة لمحمد علي صمدي، في كتاب “ذكريات وخواطر” لقاسم سليماني، الصادر عن “مركز المعارف للترجمة”: “قلّما سمع أحد السياسيّين أو العسكريّين الغربيّين باسم “قاسم سليماني” حتى نهاية العقد (القرن) التاسع (عشر) الميلادي، ولكن مع بداية الحرب في سوريا وطول أمدها، ومع المواجهات في العراق، أضحت شهرة هذا القائد عالميّة”.

 وتردف المقدمة للصمدي: “في منطق رعاة البقر، ليس له (سليماني) تعريف، وكأنه قد جاء من عالم آخر. هو رعب محض، وكابوس يجب أن يخرج لقتاله “باتمان” و”سوبرمان” و”سبايدرمان”، وهؤلاء ليسوا سوى شخصيات خياليّة. ومن هنا يتّخذ مستقبل التاريخ مسارًا مختلفًا بعيدًا عن كلّ الحسابات، مستقبلًا ستكون فيه الصلاة والعبودية لله أكثر استراتيجياته العسكرية أصالة”.

ليس من الغرابة القول إن الساحات ما قبل الثاني من كانون الثاني/يناير 2020 هي غيرها ما بعد اغتياله، وقد تستغرق العملية الكثير من الوقت لسد الفراغ الذي خلّفه برحيله، وللعودة بالساحة إلى الدينامية السابقة التي كان قاسم سليماني يشغلها، ويفعلها

ويقول جون ماغواير الضابط السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية في العراق: “إنّه (سليماني) أقوى مسؤول سرّي في الشرق الأوسط، ولا أحد يعرفه”، مضيفا أن “الغربيين باتوا الآن في مواجهة مع كابوس مختلف عن التخيّلات الهوليوودية، كابوس مكروه لهم ولا سبيل أمامهم سوى تقديره”.

ولو أجرينا مقارنة قبيل رحيل سليماني وبعده، فقد شهدنا حركة ناشطة، ودينامية واسعة، وتناميا بأبعاد متعددة، إن في العراق، سوريا، لبنان، أم فلسطين، وهي الساحات التي أكثر ما نشط فيها هذا الرجل، وفعّلها، وطوّرها حتى باتت تقض مضاجع الصهاينة، واسيادهم الامبرياليين. أما بعد رحيله، فقد لوحظ نوع من التباطؤ في دينامية الجبهة المقاومة. ولا يعني ذلك أن التاريخ يتوقف عند تجربة فردية واحدة، ففي التجارب الكبرى، هناك قادة مجلّون، لكن هناك بدائل لهم في غيابهم، وهم كثر.

تطرح هذه الملاحظات علينا تساؤلات كثيرة، وفي صلبها الإشكاليات في تاريخ الحروب والثورات، عن دور الشخص – الفرد في تحقيق النصر والإنجاز. دور القائد الفرد. فكثيراً ما نجد أن ثورة أو حركة أو سلطة فقدت قوتها بغياب رئيسها، او قائدها، أو اعتراها ارتباك واضح. وفي هذا الإطار، يدور جدل على دور الشخص، وأهميته في أن يكون حافزا واستمرارية لمسار هو خطه، برغم وجود الكثير من المعاونين له.

تغني تجربة قاسم سليماني هذا الجدل، لتؤكد أن القائد الفرد، الذي مضت عليه سنوات من الاختبار، والتجربة، والممارسة، وقد بلغت الخمس وثلاثين سنة، لها تأثير خاص ومميز، فقد بات بعد كل هذه الخبرات والتجارب، صاحب حنكة، ودراية، وتحسس لأدق المواقف، وبأقصى سرعة. صارت المعضلات أمورا بسيطة، وحلولها بمثابة البداهة. بعد كل تلك الخبرة والتجارب، صارت القيادة فنا، وشخصية، وعقلا، وإيمانا، جرى اكتسابها وبناؤها لحظة بلحظة، وشكل تراكمها في القائد الفرد ميزة، وقدرة غير عادية، لا يمتلكها شخص آخر، من الذين يقاربون القائد في علومهم، ومعارفهم، لكنهم لم يختبروا ما اختبره، وقد لا تكون لديهم النزعة عينها، وحب العمل، والتفاني في سبيله، فذلك يحتاج لخصوصيات تجارب، وخصوصية شخصية.

إقرأ على موقع 180  ما بعد لقاء البابا والبطاركة.. طي خطاب الحياد والتدويل!

من هنا، يمكن التجرؤ على القول أن شخصية القائد المختبر لها تأثير واضح في مسار الصراع والمواجهة، وهو يستطيع بناء ما لا يستطيع خلفه القيام به بالسرعة عينها، واختيار الموقف السليم عينه، لذلك، ليس من الغرابة القول إن الساحات ما قبل الثاني من كانون الثاني/يناير 2020 هي غيرها ما بعد اغتياله، وقد تستغرق العملية الكثير من الوقت لسد الفراغ الذي خلّفه برحيله، وللعودة بالساحة إلى الدينامية السابقة التي كان قاسم سليماني يشغلها، ويفعلها.

Print Friendly, PDF & Email
سمير الحسن

كاتب وباحث لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  داعش من زوال خلافته إلى إستراتيجية العودة