أربع ساعات هزّت أميركا

أربع ساعات كانت كافية لتهز الولايات المتحدة. لم يكن هجوماً من الخارج، لا 11 أيلول ولا بيرل هاربور، ولا استنفار نووياً مقابل استنفار نووي روسي، كما حدث إبان أزمة كوبا في أوائل ستينيات القرن الماضي، أو كما حدث في الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973. بل إن وقائع ليل الأربعاء المدلهم قد لا تكون أقل خطورة، وستبقى عالقة في أذهان الأميركيين، مثلها مثل أحداث تاريخية مرّوا بها من قبل.
كثيرون في الولايات المتحدة والعالم لا يزالون تحت تأثير صدمة كيف وصل الأمر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب حدّ تحريض أتباعه على منع الكونغرس من المصادقة على تصويت المجمع الإنتخابي على إنتخاب الديموقراطي جو بايدن رئيساً في اقتراع الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. فكان الاقتحام الأول للكونغرس منذ اقتحمه الجنود البريطانيون عام 1814.
وأبعد من مشهد الاقتحام وسقوط خمسة قتلى نتيجة لذلك، فإن الذي حدث قد أيقظ الأميركيين على حقيقة مرة، هي ذلك الإنقسام الحاد في ما بينهم. وتالياً، خرجت أميركا عن العرف الذي تعمل به منذ تأسيسها من حيث تناوب السلطة بسلاسة، وفي أقصى الحالات، إبداء تذمر من نتائج الانتخابات، لكن مع القبول بها. ومنذ قيام جون أدامز قبل 220 سنة بتسليم السلطة لخلفه، لم يصدف أن رئيساً آخر أقدم على رفض الاعتراف بنتائج الانتخابات أو التشبث بالمنصب والادعاء بتزوير الانتخابات، من دون تقديم دليل مقنع، أو اللجوء إلى تجييش أنصاره للحؤول دون أخذ العملية الانتخابية مجراها الدستوري. أما ترامب فدخل التاريخ من باب الإستثناء.
ويبقى السؤال، كيف توّفرت الأسباب والظروف التي جعلت ترامب يتحدى النظام الأميركي ويتمرد إلى الحدود التي لم تراود مخيلة أكثر المتوجسين من السلوك غير المتوقع الذي اتسم به الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة؟
المشكلة تكمن في أميركا نفسها وليس في ترامب. لو لم تكن الولايات المتحدة تعاني أمراضاً داخلية، لما تمكن ترامب من الوصول إلى الرئاسة أولاً، ولما كان تمكن من الهيمنة على الحزب الجمهوري، الذي صار ألعوبة في يده، ولما تمكن من حصد 75 مليون صوت. أي أكثر مما حصل عليه مرشح رئاسي أميركي- باستثناء بايدن – على الإطلاق.
المشكلة تكمن في أميركا نفسها وليس في ترامب. لو لم تكن الولايات المتحدة تعاني أمراضاً داخلية، لما تمكن ترامب من الوصول إلى الرئاسة أولاً، ولما كان تمكن من الهيمنة على الحزب الجمهوري، الذي صار ألعوبة في يده، ولما تمكن من حصد 75 مليون صوت
ترامب هو من عوارض المرض الذي تعانيه أميركا وليس المرض نفسه. بعد أيام ينصرف ترامب، لكن من يستطيع أن يعيد لحمة بلدٍ منقسم على هذا النحو الحاد.
التيارات الفوضوية، التي استعرضت قوتها في أروقة الكونغرس لمدة أربع ساعات، لن تختفي بكبسة زر أو بمجرد تسلم بايدن الرئاسة ودعوته إلى الوحدة. وميليشيات اليمين المتشدد والمؤمنون بتفوق العنصر الابيض، والمؤمنون بنظرية المؤامرة وبأن الديموقراطيين سيجعلون الولايات المتحدة بلداً اشتراكياً، والمعارضون لأي إصلاح في أجهزة الشرطة التي تفرط في استخدام العنف ضد السود، والمناصرون للكونفيديرالية وتماثيل جنرالاتها، والخائفون من طغيان الملونين على البيض بعد بضعة عقود، والرافضون لاستقبال رعايا من دول مسلمة، والداعون إلى بناء الجدار مع المكسيك لمنع تدفق المهاجرين من أميركا اللاتينية، والمناهضون للدولة الكبيرة ولزيادة الضرائب أو التهاون في مسألة الإجهاض، هؤلاء هم من انتخب ترامب عام 2016 و2020.. وطلائع هؤلاء هي من اقتحمت الكونغرس.
ربما كان جيب بوش شقيق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش محقاً في وصف ترامب عام 2016، بأنه مرشح الفوضويين وليس مرشح الحزب الجمهوري. وفعلاً تبين أن ترامب تمكن بواسطة قاعدته الفوضوية من إحكام قبضته على الحزب الجمهوري. مرشحون جمهوريون كثيرون لعضوية الكونغرس كانوا يخشون أن يكلّفهم غضبه مقاعدهم. وحتى ليلة اقتحام الكونغرس، كان ثمة سناتورات ونواب جمهوريين يؤيدون اعتراضات ترامب على نتائج الإنتخابات، على رغم عدم توافر الدليل. وبدأت تظهر بين الجمهوريين شخصيات على يمين ترامب بقيادة السناتور جوش هولي، الذي لم يثنه اقتحام الكونغرس عن التمسك بإعتراضه على النتائج، بينما جعلت الصدمة، جمهوريين آخرين مقربين من ترامب مثل ميتش ماكونيل وليندزي غراهام، ينأون بأنفسهم عنه، ويدعون إلى طي صفحة الإنتخابات.
بعد هذه الظواهر المرضية التي تعانيها أميركا، يصير السؤال المركزي، هل إقتحام الكونغرس هو نهاية أمر ما أم بداية لأمر ما؟ وكما كل الأحداث التاريخية التي تشكل مفصلاً بين مرحلة ومرحلة، فإن أميركا التي تجمعت فيها عوامل الانقسام طوال العقود الماضية، ربما تكون قد بلغت درجة الغليان.
ترامب اليوم أكبر من الحزب الجمهوري. ولن يكون بالهين إستعادة الحزب لتقاليده وانتشال قاعدته من التهاوي أكثر في هوة التشدد، مما سيؤول إلى مزيد من الإحتقان في المجتمع، وبروز ظواهر ترامبية في المستقبل.
أميركا مهددة اليوم بعدم الإستقرار من الداخل وديموقراطيتها على محك الاختبار، وإن كان من المبكر إطلاق حكم نهائي كيف سيكون عليه المشهد في اليوم التالي، أو التكهن بحرب أهلية. لكن لا أحد في إمكانه الإنكار أن الإنقسام السائد حالياً في الولايات المتحدة، لا يدل على أن الأميركيين هم في حرب أهلية خفية منذ زمن!
في أول تعليق لبايدن على اقتحام الكونغرس، أقر بأن الديموقراطية الأميركية “هشة”. بدا هنا وكأنه يجيب على عالم الإجتماع الفرنسي اليكسيس دي توكيفيل الذي قال مرة إن الديموقراطية الأميركية أكثر إستدامة من الديموقراطية الأوروبية.
هل كان دي توكيفيل على خطأ؟
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free