المغرب: “التطبيع” يكشف سرّ منابر سياسية وإعلامية ورياضية
Rabat, MOROCCO: Some of 5,000 people protest in the capital Rabat 08 July 2006 in solidarity with Palestinians in a rally organized by the National Action Group for Iraq and Palestine as well as the Moroccan Support Association for the Palestinain People's Struggle. Senegal and Morocco demanded 07 July 2006 a halt to attacks on Palestinians, 30 of whom were killed over a 24-hour period in a major Israeli military offensive in the Gaza Strip. Senegalese Prime Minister Macky Sall and his visiting Moroccan counterpart, Driss Jettou, said in a statement they "condemned the escalation of violence and demanded an end to attacks on the Palestinian people". AFP PHOTO / ABDELHAK SENNA (Photo credit should read ABDELHAK SENNA/AFP via Getty Images)

طيلة العقود التي مضت، ظلّ التطبيع الذي وقّعته كل مصر والأردن مع إسرائيل شأناً، يخص السلطة الحاكمة، وأمراً مرفوضاً شعبياً، بل لطالما اعتبر التطبيع وصمة عار تطال مرتكبه والمقترب منه.

ما يجري الآن في الإمارات، التي وقّعت إتفاق تطبيع مع إسرائيل في 15 أيلول/ سبتمبر الماضي، يكاد لا يُصدّق. طغت المظاهر الاحتفالية من قبل ثلة من الإماراتيين ممن بدوا وكأنهم اكتشفوا أن إسرائيل ليست عدواً، وربما اقتبسوا من القرآن الآية: “فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”. هكذا تحوّلت إسرائيل مرتبة تسبق الإخوة الأشقاء. فالتطبيع الإماراتي – الإسرائيلي يمشي بخطى واثقة وسريعة. حتى أن الإذاعة العبرية وصفت ذلك بـ”الأمر غير تقليدي”، وثمة صحافية إماراتية إنضمت في الساعات الأخيرة إلى أسرة صحيفة “يسرائيل هيوم” المحسوبة على بنيامين نتنياهو. الشيء نفسه يحدث في البحرين، فيما نصحت صحيفة “هآرتس” المسؤولين الإسرائيليين بعدم المبالغة في مظاهر الإحتفاء بإتفاق التطبيع مع السودان، إذ يمكن أن تشكل هذه الاحتفالات “عاملاً مغذياً للأوساط الشعبية السودانية الرافضة للتطبيع في سعيها لإسقاط الإتفاق”.

الحالة المغربية

لكن ماذا يحدث الآن في المغرب الذي وقّع قبل شهر إتفاق سلام مع الدولة العبرية؟

يمكن القول إن المغرب يجمع ما بين الحالتين الخليجية والسودانية. فالسلطات الأمنية المغربية تعمل بمختلف الأساليب على خنق وقمع المظاهرات الرافضة للتطبيع، والمنظمات المدنية والشعبية تعمل على تنظيم الشارع ضد خطوات التطبيع، وهو نفس ما يتوجس من تداعياته الإسرائيليون في السودان.

في بداية الأمر، ركز الإعلام الرسمي المغربي على إعتراف دونالد ترامب بمغربية الصحراء، والتهوين من التطبيع مع إسرائيل. مع التعتيم بشكل كامل على نشاطات مناهضي التطبيع الذين رفعت في وجوههم إتهامات التخوين، وعبارة: “تازة قبل غزة” (تازة مدينة صغيرة شمال فاس).

وبرغم منع السلطات الأمنية للتظاهر ضد التطبيع، فقد قام معارضوه بتنظيم ندوات ولقاءات رقمية. وخرجت تظاهرات تلقائية من وسط الأحياء الشعبية في أكثر من مدينة مغربية. وتداولت مواقع التواصل الإجتماعي على نطاق واسع “هاشتاغاً” بعنوان “مغاربة ضد التطبيع”، و”فلسطين أمانة والتطبيع خيانة”.

بالموازاة، تزعم إسلاميون من “جماعة العدل والإحسان” المحظورة بعض المظاهرات التلقائية الرافضة للتطبيع مع “أعداء الأمة”، من أمام المساجد بعد أداء الصلاة، وجاهروا بالعداء لإسرائيل، هاتفين “فلسطين إسلامية”.

إفتنان بالقتلة!

في الجهة المقابلة، انتشرت على “الفيس بوك” تدوينات ترحب بالتطبيع، لا يميز أصحابها ما بين اليهودية كديانة والصهيونية كسياسية مغتصبة ومنبوذة. تدوينات مليئة بالشتائم والكلمات النابية. وظهرت صفحات خاصة مثل :”الصداقة المغربية الإسرائيلية”، و”الجالية المغربية في إسرائيل”، انضافت إلى صفحات إسرائيلية سابقة تحظى “باهتمام وإعجاب عدد متزايد من المغاربة”، وفق أفيخاي أدرعي، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي في الإعلام العـربي.

حملات التضليل لإظهار الشعب المغربي كله كمؤيد للتطبيع مع إسرائيل، تجلت أيضاً في بعض المنابر التي انكشف سرها، وتأكد لمن كان بحاجة لتأكيد أنها مطبوعات موجهة وممولة من أجهزة الاستخبارات، مثل جريدة “الأحداث المغربية”

وتم توجيه الناس لإظهار مشاعر الافتنان والإعجاب بدونالد ترامب، كما بضابط إسرائيلي كبير متهم بقتل مئات الأطفال الفلسطينيين. ونقلت بعض التدوينات الفيسبوكية أن مئير بن شبات “كان في منتهى الروعة وهو يسلم على الملك”، حين خاطبه بالعامية: “الله يبارك في عمر سيدي”، ولا بأس إذا نطق حرف السين شين، فتلك لكنة يهودية أشبه بلكنة مناطق مغربية. ولم يتردد أمازيغي متطرف في مهاجمة الثقافة واللغة العربية، وكتب: “الذي جرى داخل القصر الملكي تم بلغة غير اللغة العربية “المليئة بالحشو وبالعبارات المفخفخة والثقيلة الممجوجة”، حسب ظنه. وكتب آخر أن “مغربي أمازيغي سوسي مسلم (سعد الدين العثماني) وقع مع مغربي أمازيغي سوسي يهودي (مئير بن شبات) وهذا كل ما في القصة.

اتجهت معظم سهام الانتقادات إلى سعد الدين العثماني بصفته رئيس الحكومة، مع التركيز على انتمائه الإسلامي، وبكونه من وقّع على التطبيع، مع السخرية من خطابه أمام أعضاء حزبه في الصيف الأخير، لما أكد على “أن المغرب يرفض أي تطبيع مع “الكيان الصهيوني”؛ وتم الإستهزاء أكثر بسلفه عبد الإله بنكيران الذي خرج يدعو إلى الالتزام بما يقرره الملك وتوافق عليه الدولة. وأجمع الساخرون على أن “المعاش الشهري الممنوح من الملك، هو الذي يخاطبكم”، إذ يستفيد رئيس الحكومة السابق من أعلى راتب تقاعدي لوزير في المملكة، وربما خارجها أيضا، (تسعة آلاف دولار شهرياً)، فيما طالب أحد نواب حزب “الأصالة والمعاصرة” المعروف بـ”حزب القصر”، العربي المحيرشي بمعاقبة المناهضين للتطبيع وشكك في وطنيتهم.

حملات تضليل

حملات التضليل لإظهار الشعب المغربي كله كمؤيد للتطبيع مع إسرائيل، تجلت أيضاً في بعض المنابر التي انكشف سرها، وتأكد لمن كان بحاجة لتأكيد أنها مطبوعات موجهة وممولة من أجهزة الاستخبارات، مثل جريدة “الأحداث المغربية”، التي أصبح صاحبها أول مغربي يوقع أول شراكة للتعاون بين الإعلام المغربي والإسرائيلي، (مجموعة “لوبسيرفاتور دو ماروك” ومجموعة “جيروزاليم بوست”). وكانت النقابة الوطنية للصحافة قد أصدرت بياناً يرفض التعامل مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، وهو البيان الذي انبرى بعض الصحفيين للتنديد به، وفي مقدمة هؤلاء صحفيون يعملون بمجموعة “لوبسيرفاتور دو ماروك”.

إقرأ على موقع 180  الصدر من "شلع قلع" إلى التهديد بإسقاط علاوي

مونديال مغربي بصافرة إسرائيلية

أيضا أعلن فوزي لقجع رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم، وهو من قياديي “حزب الأصالة والمعاصرة”، عن قرب تنظيم مباراة في كرة القدم بين المنتخبين المغربي والإسرائيلي. وسبق للقجع زيارة إسرائيل بغية توقيع اتفاق بين جامعة كرة القدم المغربية ونظيرتها في إسرائيل من أجل الحصول على دعم إسرائيلي للملف المغربي المرشح وقتذاك لاحتضان نهائيات مونديال 2026. إلا أن أوامر عاجلة ألغت المبادرة.

أما رجل الأعمال هشام آيت منا الذي يعد من قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة الدار البيضاء الكبرى، ورئيس فريق شباب المحمدية، فقد رحب بإجراء مباراة ودية بين فريقه وأحد الأندية الإسرائيلية وآخر من فلسطين، معرباً عن نيته زيارة إسرائيل.

كل هذا يمكن اعتباره استمرارا لما كان قبل التطبيع، فقد ربطت إسرائيل والمغرب علاقات اقتصادية وأمنية استخباراتية، وارتفعت وتيرة التبادل التجاري والسياحي والثقافي بدءاً من استقبال الحسن الثاني لرئيس وزراء إسرائيل شمعون بيريز عام 1986.

المسيرات التضامنية والمساندة للكفاح الفلسطيني كانت دائما توصف بالمليونية في شوارع الرباط والدار البيضاء

التوجس من الردة

يوماً بعد يوم، سرعان ما بدأ “الوهج” يخفت، لما تبين أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وغيرها من القوى العظمى في العالم تتحفظ على “تغريدة ترامب” التي يعترف فيها بمغربية الصحراء، وأن المغرب ربما ذهب ضحية ضغوط الرئيس المتهور. وتوجس آخرون من تراجع الرئيس الأمريكي جو بايدن عن “اعتراف سلفه ترامب”. ألم يتراجع ترامب نفسه عن قرارات اتخذها باراك أوباما، وفي مقدمتها الاتفاق النووي مع إيران. ويأتي الجواب سريعا، بأن الرئيس بايدن أكثر صهيونية من ترامب، ولن يتخذ أية مبادرة تضر بإسرائيل.

ثم تحولت الآلة الإعلامية التي تقوم بالتسويق للتطبيع، إلى الحديث بأن المغرب ليس في عداد المطبعين، بل إن ما جرى هو استئناف للعلاقات الدبلوماسية، في معرض التذكير بمكتب الاتصال الإسرائيلي الذي افتتح بالرباط سنة 1994، إثر مفاوضات أوسلو، وقد أغلق عام 2000 بعد المجازر الإسرائيلية في غزة.

وتم التأكيد على أن المغرب رفض التوقيع على المعاهدة المسماة بـ”اتفاق أبراهام” الذي وقعت عليه الامارات والبحرين والسودان، وأن الملك محمد السادس الذي يشغل رئاسة لجنة القدس، صرح أنه لن يتخلى عن الفلسطينيين، في اتصاله الهاتفي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكد له أن المغرب ملتزم بحل الدولتين.

 الرافد اليهودي

موقف الملك محمد السادس قابلته حملة منظمة في الإعلام ومنصات التواصل على الفلسطينيين أنفسهم، فهم “جاحدون”، “ألم يستقبل عرفات وخلفه أبو مازن زعيم الانفصاليين محمد عبد العزيز؟ “ألم يرفع سفير فلسطين في الجزائر علم الجمهورية الصحراوية”؟ “ألم تخرج المسؤولة الفلسطينية حنان عشراوي لتهاجم المغرب وتقول باحتلاله للصحراء”؟.

قبل إعلان تطبيع علاقاته مع إسرائيل، أطلق المغرب إصلاحاً وصفه البعض بأنه “تسونامي”، يتمثل في إدراج تاريخ الجالية اليهودية وثقافتها قريباً في المناهج الدراسية في البلاد، حيث يشكل الإسلام دين الدولة. وأعلنت وزارة التربية المغربية أن أولى الحصص الدراسية ستعطى اعتباراً من الموسم الدراسي المقبل في السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية.

وقال سيرج بيريغو رئيس الجالية اليهودية في المغرب في الدار البيضاء، إن إدراج ذلك “هو الأول في العالم العربي. هو بمنزلة تسونامي”. وللتذكير ينص الدستور المغربي الذي تم الاستفتاء عليه سنة 2012، على ان “الرافد اليهودي” من المكونات والروافد للثقافة المغربية.

فلسطين قضية مغربية

لم يتأخر المغاربة عن دعم ومساندة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ففي كل المواجهات الفلسطينية مع الاحتلال، هناك شهداء مغاربة، منذ حرب 1948 مرورا بكل المعارك والحروب والعمليات الفدائية.

والمسيرات التضامنية والمساندة للكفاح الفلسطيني كانت دائما توصف بالمليونية في شوارع الرباط والدار البيضاء. كما أن الأحزاب الوطنية المغربية ظلت دائماً ترفع شعار القضية الفلسطينية قضية وطنية، ومساندة المغاربة لها غير مشروطة.

يعلق أحد أعضاء لجنة مساندة الشعب الفلسطيني بالدار البيضاء قائلاً: “قد تستطيع الأنظمة المهزومة توقيع اتفاقيات تطبيع مع العدوّ، لكنها لن تستطيع تغيير الرأي العام الشعبي المقاوم. إن قوى الشعب المغربي الحية والمناضلة تجمع على رفض تطبيع النظام المغربي للعلاقات مع إسرائيل”.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  هل تسعى إسرائيل لتأسيس منتدى ثلاثي مع الأردن ومصر؟