خلطة السياسة والأدب.. في زمن الخيبة

لا بأس من بعض الأدب. وهو عموماً، أي الأدب، يكثر في أزمنة الخيبة، تماماً كما تكثر المواعظ الدينية.

قد يكون من الضرورة في مكان ما أن نهرب بين الحين والآخر من السياسة إلى الفنّ. ومن السياسيين إلى الأدباء، ومن الخطابيين إلى الشعراء. لكننا هنا، في عالم العرب، حيث السياسة، كالدين، داخلةٌ في أدنى تفاصيل حياتنا اليوميّة، بما فيها تفاصيل الأدب والشعر، فإذا ما استقلنا منها، قيل إننا جبناء، أو خونة، أو كفرة ربّما!

والشعر مثلاً إذا ما كان شعراً سياسياً، لاقى من الرّواج وكثرة التدوال ما لم تلقَهُ أشعار الحبّ التي تبحث عنها النساء غالباً كنوعٍ من الأنس والسلوى. وقد يبدو من اللطيف بحقّ، أن نجد الأدب عنصراً من عناصر السياسية، أو أن نجد من السياسيين من يمتلك ثقافة شعرية وأدبيّة وازنة.

لبنانياً مثلاً، يُعرف النائب جان عبيد بثقافته الشعرية الكبيرة. يُقال أنه يحفظ أكثر من 1500 بيت شعرٍ للمتنبّي، وأن الأخير يشكّل عماد ثقافته العامّة. ثقافته الأدبية هذه تحمله لأن يكون ناقداً أدبياً معتبراً. يذكر ذلك من جالسه من المهتمين بالشعر والأدب. يسري ذلك على ترسانته الإسلامية. هو المتوغل في القرآن وسيرة النبي والأئمة. حافظ أقوال وحكم الإمام علي والمتبحر بالتفسير أكثر من المسلمين أنفسهم.

الوزير السابق عدنان السيد حسين مثالٌ آخر. كان مولعاً بالشعر الزجليّ، وحافظاً للشاعر الزجليّ أسعد سعيد. يكفي أن تورد اسم الأخير حتى يبدأ بالاسترسال وترديد ما حفظه. في ذلك شيءٌ من الشغف. وهو كان من المساهمين في كتاب “بيدر عمر” الذي خُصّص عن أسعد سعيد نفسه. كما أنه عندما كان رئيساً للجامعة اللبنانية، ساهم في  عملٍ جمع خلاصة الزجليات لأهم شعراء الزجل اللبنانيّ.

الوزير السابق رشيد درباس. المحامي اللامع والخطيب المفوه. لم تنجُ جلسة لمجلس الوزراء من تدبيج قصائد مدح وهجاء لم تستثن رئيسا أو وزيراً، حتى صار كثيرون يسألونه عن حصاده الشعري قبل حصاده السياسي المتواري دائما!

ذات مرّة قرأ جودت نور الدين قصيدةً لشاعر لم يفهم المراد في أحد أبياتها، فلمّا عاد وسأل الشاعر عن معنى القصيدة، أجابه بأنه هو نفسه لا يعرف المعنى، وأنها أبياتٌ خطرت في باله فكتبها!

وهكذا، قد نجد أمثال هذه النماذج هنا وهناك. وعلى هذا المنوال أيضاً، كثيراً ما تصاغ العلاقة بين السياسة والأدب، ذلك أن الأدب بطبيعته ورسالته قد يعين السياسيّ في مواضع عديدة، والعكس صحيح. حتى أن الكثير من الأدباء طمحوا لمناصب سياسية، والمتنبي نفسه مثال صارخ، أو أنهم نالوها فعلاً. عمر أبو ريشه كان سفيراً لسوريا في الهند والنمسا والولايات المتحدة والأرجنتين. نزار قباني كان سفيراً لسوريا في أسبانيا. بدوي الجبل كان حزبياً وسياسياً. سفير سوريا الحالي في لبنان علي عبد الكريم علي هو شاعر قبل أن يكون دبلوماسيا، وهذا سر تلك الجلسات التي كانت تضمه وباقة من المثقفين أمثال الراحل جوزف حرب وطلال سلمان وجان عبيد وغيرهم قبل سنوات قليلة..

على أنّ ما كان يعدُّ تزاوجاً فطرياً بين السياسة والأدب سابقاً، بات في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة مستغربة بعض الشيء، لا سيما وأنّ هذه الوسائل أصبحت منصاتٍ تساهم في نقد وأحياناً في قلب الكثير من المعايير، بما فيها المعايير السياسية والأدبية نفسها. لك مثلاً أن تقرأ التعليقات على أي مقطعٍ شعريٍّ أو نثريّ لأحدهم، لتعرف أن هذا الفضاء يفتح مجالاً للتفكير بالأشياء من جديد في صميمها لكثرة التناقض الذي تحمله ردود الأفعال أحياناً، لا سيما وأن الأدب هو أكثر مجالٍ يتّسع لهذه التناقضات، لأنه الأكثر قدرةً على الهروب من القواعد. وهو قد يمَكِّن الشاعر أو الأديب من اختلاق “قاعدة” ربما! يذكر السفير اللبناني جودت نور الدين مثلاً أن أحد الشعراء كان مسؤولاً عن صفحة أدبية وثقافية في إحدى الصحف اللبنانية العريقة. ذات مرّة قرأ نور الدين قصيدةً لهذا الشاعر لم يفهم المراد في أحد أبياتها، فلمّا عاد وسأل الشاعر عن معنى القصيدة، أجابه بأنه هو نفسه لا يعرف المعنى، وأنها أبياتٌ خطرت في باله فكتبها!

قد يسمي البعض هذا المثال نوعاً من الفوضى. لكنّ البعض قد يرى فيه جمالاً.

هل يمكن إسقاط هذا المثال على تغريدات وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال الحالية الوزير حمد حسن؟

عموماً، في الحديث عن العلاقة بين الأدب والسياسة، قد يمكن تسمية الوزير حمد حسن بالظاهرة. تغريداته “الأدبية” منذ أن اعتلى منصب الوزارة أخذت حيّزاً كبيراً من النقاش والتداول على الفضاء الخاص بتويتر. بعض التعليقات كانت مادحة، وبعضها مستغربة، وبعضها ساخرة. لكنّ أحداً لا ينكر أنه كان علامةً فارقة كسياسيٍّ يستخدم الأدب في تغريداته، لا سيما وأن الأدب الذي كان يستخدمه هو أدبٌ من نوع خاص. رموزه أحياناً كانت أقرب للطلاسم.. وأحياناً كانت تُقلب كطرفة، لتبعث بعض الأجواء المرحة وسط كآبة الأجواء في هذه البلاد. هكذا كان وقع تغريدته وهو يشكر الطاقم الطبي لمستشفى السان جورج بعد شفائه من فايروس كورونا. ماذا تضمنت تغريدته:

إقرأ على موقع 180  من الشيخ بيار إلى السيد نصرالله

“‏هي مخيلة شريط الأنين، همسات تراتيل مناجاة صلوات من أحباء أعزة غيارى يبادلونك معنويات نحن بعدنا بحاجة إلك، مش ممكن تتركنا ونحن ناطرينك؛ فريق طبي مهني ملائكي أتحفوني لياقة ولباقة فن التضحية الآملة الآمنة

شكراً م. السان جورج وعلى كل من لاقكم الدرب أحسنتم صناعة الطب ومداراة الألم”.

ستبقى التعليقات على هذه التغريدة مفتوحة، وقد يبدو هذا لطيفاً، فلا بأس من” تغيير الجو”، ولو من هذا الباب. شكرا حمد حسن!

Print Friendly, PDF & Email
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لبنان يتدحرج.. إنفجار إجتماعي، فوضى ومؤتمر تأسيسي!