نعم، نُهاجر ولا نلتفت إلى الوراء

وأنا أهم بمغادرة بيروت بعد قضاء فترة إجازة قصيرة فيها، إستذكرت حديثي مع أخي المقيم في كندا عن الهجرة وضياع الهوية.

هجرتنا في الألفية الثانية أصعب وأقسى ممن هاجروا إبّان الحرب الأهلية. هؤلاء أجبروا على الرحيل بسبب الحرب وبشاعتها. لم يكن لجيل الحرب الأهلية، الجيل الذي أدمن مشاهد القتل وحواجز المعابر وخطوط التماس والميليشيات والخطف على الهوية، سوى خيار الرحيل وعدم الإلتفات إلى الوراء.

أما نحن، جيل ما بعد الحرب والإزدهار، فقد عشنا فترة أقل ما يقال عنها أنها جميلة في مدينة كانت تشبهنا، وكنا نرى في مخزونها الثقافي المتنوع جزءاً منا. نحن جيل بيروت الحياة والسهر والجامعات وزحمة السواح والإنفتاح والعمل السياسي والفن. جيل آمَن بلبنان وبإمكانية العيش هنا. آمَن بالتغيير والتحول التدريجي نحو الدولة المدنية الديموقراطية الليبرالية العادلة.. إلى أن وقعت الواقعة. وانقلبت المدينة إلى عذاب وسراب. أصبحنا منبوذين فيها لا نشعر بالأمان. هناك في شوارعها الضيقة المتسخة دائماً، ظُلمنا، ربما بسبب أحلامنا التي كانت على ما يبدو أكبر منها. لأننا تمنينا لبيروت أجمل مستقبل، لأننا لم نؤمن بالسلاح، وإقتنعنا بمقولة سلاحنا القلم، فخسرنا ليس فقط المستقبل والأحلام والعائلة والأصحاب والمدينة، وإنما الوطن.

في بيروت، ظُلمنا لأننا رأينا فيها صورة أحلامنا. أقنعتنا أنها قادرة على التحول الإيجابي والإنفتاح كباقي مدن العالم. لكن فجأة طردتنا، رُغماً عنا. أجبرتنا على الرحيل. تغيّرت هويتها. انحرف مخزونها الثقافي. غرقت في أزماتها اللامتناهية. أصبحت لا تشبهنا، ولا تشبه أحلامنا. إستنزفت قدراتنا وآمالنا. أخذت منا أجمل ما فينا وما عندنا. زرعت فينا الرعب والقلق والخوف من المجهول الذي يحوم في كل جنباتها. على أرصفتها. جدرانها. وجوه أهلها.  دفعتنا مكرهين إلى الهجرة.

كانت المفاضلة صعبة جداً وقاسية. بين مستقبل مرعب في لبنان وبلا أدنى أمل بالتغيير والخروج من الأزمة الإقتصادية؛ بين خطاب عودة الحرب الأهلية؛ بين القلق الدائم من حرب إسرائيلية. بين هذه كلها وبين الهجرة، حتماً كانت الهجرة ملاذنا الأول والأخير.

مع مرور الوقت، لم يبق لنا في بلدنا سوى الأهل وبعض الأصحاب والذكريات. صرنا نشعر أن من نحبهم ونقلق عليهم، للأسف تتقلص فرص نجاتهم وهجرتهم مع مرور الزمن. هؤلاء ربما خدعوا أو إنخدعوا. ربما آمنوا بالمدينة وبالتغيير. ربما أحبوا مدينتهم أكثر منا.. ربما الكثير الكثير ولكن؛

لأننا نحب أهلنا وأصحابنا، صرنا نصارحهم بأعلى صوتنا: مستقبل قاتم ينتظركم. أنتم أسرى وشبه عاجزين عن التغيير وعن الهجرة والرحيل. إذا قررتم البقاء هنا، عليكم أن تتأقلموا مع لبنان الخراب، إلى أن تقع الواقعة الكبرى، وعندها ستبحثون عن قوارب نجاة تُقلّكم إلى أقرب جزيرة، فلا تجدونها.

أما الآخرون السجّانون، فأقول لهم: نِعْمَ هذا البلد عليكم. نِعْمَ هذه الطبقة السياسية الفاسدة والنظام الطائفي الكريه.. هؤلاء لهم اليد الطولى في ما وصلنا إليه من إنحدار ثقافي وأخلاقي. هؤلاء يتحملون فشل أحلامنا بالتغيير والعيش الكريم في وطن حاضن للجميع، على عكس الوطن الحالي الذي يعكس صورتهم الطائفية والمذهبية. هؤلاء أسرى فكر وأيديولوجيات طائفية فاسدة. هؤلاء لا يشعرون بالسجن الكبير الذي نحن فيه. هؤلاء لم يختبروا معنى الحرية ولا يريدون أن يختبروا حريتهم. هؤلاء هم عماد أزمات لبنان السابقة منها والحالية، ومنطلقها الأساس هذه الطائفية السياسية، الأمنية، الإقتصادية، الإجتماعية وقبل كل شيء الثقافية.

القارئ لتاريخ المتغيرات من زمن إمارة جبل لبنان مروراً بدولة لبنان الكبير وصولاً إلى يومنا هذا، يدرك أن التغيير إما يُفرض فرضاً من الخارج وإما من قبل الزعامات المتناحرة لتثبيت وجودها ونفوذها ونظامها الطائفي

للأسف، وأنا لست بمُستسلمٍ هنا، ولكن علينا الإعتراف أن ثقافتهم إنتصرت وليس لنا خيار سوى الهجرة. نعم، علينا الإعتراف مرغمين بإنتصارهم. إنتصار يطوي حقبة من تاريخ لبنان، كما إنتهت سابقاتها. حقبة ينتهي معها لبنان الماضي الجميل. لبنان السياسة والأمن والإقتصاد والفن والثقافة وحتى الجغرافيا. لم يبق من لبنان الذي عرفناه سوى بعض القصص الجميلة، التاريخ المُركب والأغاني السوريالية عن لبنان الخيال والأحلام. هذه الأزمة الوطنية العميقة أنهكت كل مقومات العيش المشترك وكل ركائز الدولة وحكم القانون وحتى الكيان، وفتحت الباب أمام المجهول، حتى صرنا نستحق فعلاً لا قولاً “لبنان دولة فاشلة”.

لم تكن الحقب السابقة بالسوء الذي عرفناه مقارنة بأيامنا هذه، وأما الحقبة القادمة، وعلى ما يبدو، ستكون. أسوأ ومخيفة بمنطقها الميليشيوي الديكتاتوري. معظم عناصر التغيير الإيجابي البنّاء والقادر على إنتاج نموذج الدولة والمجتمع الحديث غير متوفرة لأسباب عديدة:

أولاً، قوة النظام الطائفي بأحزابه وقواه. نظام هو الحاضن للدولة والمُسيطر عليها وعلى مؤسساتها وليس العكس؛

ثانياً، هجرة الأدمغة والكفاءات وأصحاب الفكر الحر التغييري ومعظمهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى القادرة على إنتاج فكر حداثي تقدمي حيث تبحث هذه الطبقة عن أمان لم تعد تجده في لبنان. من بقي قسراً ليس قادراً على الإنتاج بسبب الضغط الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والديني قبل السياسي والأمني؛

ثالثاً، إنحسار النتاج الفكري والثقافي التغييري لمصلحة النتاج المرتبط بالنظام الطائفي الحاكم ورموزه؛

إقرأ على موقع 180  جنيف بايدن وبوتين في مرآة جنيف ريغان وغورباتشوف

رابعاً، غياب الأرضية الشعبية الحاضنة للتغيير. فنحن إعتدنا منذ ما قبل لبنان الكبير على نظام الزعامات المبني على حماية الطائفة وليس القانون أو الدولة أو النظام. فالقارئ لتاريخ المتغيرات من زمن إمارة جبل لبنان مروراً بدولة لبنان الكبير وصولاً إلى يومنا هذا، يدرك أن التغيير إما يُفرض فرضاً من الخارج وإما من قبل الزعامات المتناحرة لتثبيت وجودها ونفوذها وتأبيد نظامها الطائفي. لذلك، تعمد هذه الزعامات، برغم كل خلافاتها الطائفية والمناطقية، إلى حماية بعضها البعض عند إستشعار أي خطر يُهدد بسقوط أحدها، تماماً كلعبة الدومينو، وهذا ما حصل بعد إنتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

الأفدح، أن هذا النظام الطائفي ليس عاجزاً فقط عن إيجاد الحلول، بل صار ولاّدة أزمات دائمة. نظامنا الطائفي مشوّه وغريب، بلا ضوابط ولا حتى قاعدة علمية. إنه غريب عن علم السياسة وحتى علم المنطق. ثمة فدرالية طائفية (من خلال ما يُعرف بنظام المحاصصة) موجودة في مؤسسات الدولة وليس في التقسيم الجغرافي. وهذا ما أجبر جمهوراً غير حزبي وغير طائفي على الكفر ببلده وصولاً إلى الهجرة والرحيل الصعب، لكأن هذا النظام بطبيعته وتركيبته وتكوينه يلفظ الغرباء عنه.. وللأسف نحن منهم.

لذا، لا بد من الوقوف على دعوة بعض القوى الحزبية الطائفية التقليدية إلى إنتاج صيغة سياسية جديدة. لكل مكون هنا، بأبعاده الدولية والاقليمية والطائفية وحتى التاريخية أجندته وحساباته. وغالباً ما ارتبط تغيير الصيغة والدستور بالحرب والإغتيالات والعنف، بحيث تختلف حدّته باختلاف المطالب واللحظات السياسية وكل المحطات التاريخية من العام 1958 إلى يومنا هذا شاهدة على ذلك.

هل يقبل هؤلاء بالتنازل عن المناصفة مثلاً لمصلحة المواطنة الشاملة؟ بمعنى آخر، هل هم على إستعداد للتخلي عن أي منصب سياسي أو عسكري أو أمني أو إداري لمصلحة الآخر.. أياً كان الآخر لبنانياً؟

هذه القوى التقليدية تنادي بـ”التغيير الجذري”. شعارٌ برّاقٌ جداً لكن الحقيقة أنه لا يتعدى حدود التذاكي الذي يصل إلى حد الإستغباء، فالدعوات إلى هكذا نمط من التغيير يتطلب في علم المنطق – ولا أقول علم السياسة – قواعد خاصة ومنهجيات وضمانات وقبل كل شيء رجال دولة قادرين على تحمل مسؤولية الإنتقال من نظام إلى آخر. وهذا ليس موجوداً في واقعنا الحالي. من هنا تُطرح بعض الأسئلة البسيطة ـ وأنا هنا لا أنتقد المطالبة بالتغيير بل بالعكس أنا من المنادين بالدولة المدنية الديموقراطية الليبرالية العادلة ـ برسم الجهات الحزبية الطائفية المطالبة بهذا النوع من “التغيير”:

أولاً، كيف لهذه الأحزاب والبنى الطائفية أن تُطالب بإنهاء النظام الطائفي وهي التي قادت وما زالت تقود صراعات سياسية وعسكرية من أجل تثبيت مواقعها ومناطق نفوذها الجغرافي والإقتصادي والسياسي والعسكري والأمني، أي في سياقات طائفية ولأهداف طائفية؟

ثانياً، كيف يمكن أن تُطالب أحزاب مبنية على أيديولوجيات حزبية مناطقيه ضيقة أو مشاريع سياسية طائفية أو توجهات طائفية ومذهبية بالإنتقال إلى نظام مدني بالكامل؟

ثالثاً، كيف لهذه القوى أن تطالب بالدولة المدنية وعند أي إستحقاق تختبىء في متاريسها الطائفية؟

رابعاً، هل يقبل هؤلاء بالتنازل عن المناصفة مثلاً لمصلحة المواطنة الشاملة؟ بمعنى آخر، هل هم على إستعداد للتخلي عن أي منصب سياسي أو عسكري أو أمني أو إداري لمصلحة الآخر.. أياً كان الآخر لبنانياً؟

خامساً، هل هناك رجال دولة من الطراز الأول يملكون رؤية تحمي هذه الخيارات وقادرة على استيعاب هذا الإنتقال بسلاسة ومن دون أية مضاعفات تهدد السلم الأهلي الهش أصلاً؟

من أدنى المسلمات، أن الديمقراطية والتعددية وتقبل الآخر في صُلب النظام المدني سلوكاً وممارسة. هذه خيارات طوعية لا تُفرض بالقوة أو بالحرب أو بالسلاح، وأي تغيير أكان سياسياً أم بنيوياً في المجتمع أو حتى أي عقد إجتماعي جديد، يجب أن يترافق مع ورشة فكرية وثقافية وعلمية من قبل الأيديولوجيين والفلاسفة والكتاب وأصحاب الفكر المتنور التغييري وكل قادر على المساهمة في هكذا مهمة وطنية حقيقية. الأهم أن هذا التغيير يحتاج إلى عقود من الزمن لكي يكون بناءً ومستداماً، فالإنتاج الثقافي هو الذي يعكس التغيير وليس العكس.

مع هذا الواقع المتردي وضوضاء الفوضى، لا يمكننا سوى تشبيه حالتنا اليوم في لبنان بما كان يحصل أيام الإستقلال وما بعده حيث كانت تنطلق المظاهرات في شوارع بيروت حيث يصدح من يمشي في المقدمة بشعار “فليسقط وعد بلفور”، ويُردّد من يسير في نهاية التظاهرة “فليسقط واحد من فوق”.. وهذا ما حصل فعلاً!

(*) أستاذ جامعي لبناني مقيم في الخارج

Print Friendly, PDF & Email
هاني عانوتي

باحث، أستاذ جامعي لبناني

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  فضيحة الفيول المغشوش.. سوناطراك تسلم "العقد الماسي"