إيتان لفرقة القناصة في مرفأ بيروت: لا إذن بإغتيال عرفات! (46)

يتناول الكاتب "الإسرائيلي" رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه "انهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية" كيفية إخفاق وزير الدفاع ارييل شارون ورئيس اركانه رافاييل ايتان في إغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيروت صيف عام 1982.

لم يجد الصقران السياسيان أرييل شارون ورافاييل إيتان سوى ممارسة المزيد من الضغط على سلاح الجو وفريق عملية “السمكة المالحة” للنيل من ياسر عرفات أثناء الحصار الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية في صيف العام 1982. وينقل رونين بيرغمان عن احد قادة سلاح الجو العميد ديفيد ايفري قوله “منذ بداية حصار بيروت احتل موضوع قتل عرفات أهمية قصوى، وكأنه بات أمراً شخصياً بالنسبة إلى شارون، فبين الحين والآخر كان جماعة “الموساد” و”أمان” يظهرون في “مركز كناري”، وهو مقر قيادي لسلاح الجو في احد المخابىء تحت الأرض في تل ابيب ويقولون لنا ان عرفات هنا او هناك، وعلى الفور، نتلقى أوامر شارون او ايتان بقصف الموقع في الحال”.

ويضيف ديفيد ايفري “كنت أؤمن ان ما نقوم به هو عمل فوضوي قد يُعرض المدنيين للخطر، فلم أُرد ان اعطي امراً بقصف موقع ما من دون الحصول على امر خطي من قيادة عمليات هيئة الأركان.. ولكن الكثير من الأوامر لم تصل وكانت تضيع او تختفي في مكان ما على الطريق الينا”.

وينقل بيرغمان عن قائد عملية “السمكة المالحة” اوزي دايان قوله “لقد نجا عرفات بفضل امرين، الأول، حظه غير المحدود، والثاني انا، علما انني كنت مقتنعاً ان عرفات هدفٌ مشروعٌ، إلا أنني أيضاً كنت اعتبر ان ضرب الهدف لا يمكن تبريره عبر استخدام اي وسيلة، فقد كنت أرى ان وجود عرفات بين جمع كبير من المدنيين الذين سيقتلون.. كان يحول بيني وبين إعطاء الامر بقصف ذلك المكان، فيستدعيني ايتان وينفجر صارخاً في وجهي: علمت انه كانت لديك معلومات كذا وكذا عن ذلك المكان، فلماذا لا أرى الطائرات في السماء؟ كنت اجيبه لان الامر مستحيل مع وجود هذا العدد من الناس، فيرد “انا اتحمل المسؤولية”، لكني لم اكن مستعداً لهكذا امر ولم اكن لأرتضي ان يُعلمني رافاييل إيتان اخلاقيات الحرب”.

في الرابع من أغسطس/آب 1982، استدعى رافاييل ايتان قائد عمليات سلاح الجو افييم سيللا الى مكتبه، فقد كانت تربط الرجلان علاقة وطيدة وكان سيللا يشكل نقطة ضعف لايتان لانه كان يرى فيه ضابطاً واعداً بامكانه ان يصبح قائداً لسلاح الجو. عندما وصل سيللا الى مكتب ايتان، اخبره الأخير انه في اليوم التالي لن يكون في “مقر كناري” بل سيذهب في رحلة، فأجابه سيللا “كتلك الرحلة الأخيرة التي ذهبنا فيها معا؟”، في إشارة الى الرحلة التي قاما بها الى بيروت في شهر مايو/أيار تحضيراً لغزو لبنان واغتيال عرفات، فاجابه ايتان “شيء يشبهها، من فوق (الجو)، لاقيني غداً صباحاً في قاعدة هاتزور الجوية – في الجنوب – ستطير من هناك وانا سأتولى معك الملاحة ونظام القصف، سنقصف بيروت والهدف هو مبنى من المفترض ان يكون عرفات متواجداً فيه بحسب معلومات جماعة عملية السمكة المالحة”.

بدل ان يبدو عرفات كارهابي متعطش للدماء اصبح الان قائداً مطارداً لامة من النازحين المرتعدين من الة الحرب “الإسرائيلية”، وهكذا يكون شارون قد حقق تماماً عكس ما كان يريد

كان أفييم سيللا يعرف ان ايتان يملك رخصة قيادة للطائرات الخفيفة فقط، لذلك ظنّ أنه لم يسمع جيداً ما كان يقوله له. يقول سيللا “لم يكن الامر منطقياً، لقد صدمت فعلاً، فلو أخبرني احد ما ان رئيس اركان الجيش الذي لم يكن فعلاً من سلاح الجو يريد اصطحاب رئيس عمليات سلاح الجو في رحلة قصيرة من اجل متعة قصف بيروت في سياق الحرب الدائرة لما صدقت الامر”. ولكن ايتان كان مهووساً بقتل عرفات، فالتقى الرجلان في اليوم التالي في قاعدة هاتزور وكانا في واحدة من اربع طائرات في مهمة لقصف حي سكني في منطقة الصنائع في بيروت الغربية حيث كان من المفترض ان يعقد عرفات اجتماعاً هناك.

يقول سيللا إن أداء ايتان في الجو “كان متوسط المستوى وشعر بالغثيان فاضطررت ان اتولى قيادة الطائرة بنفسي، فيما تولى هو العمل على نظام التذخير الذي يعتبر بمقاييس اليوم بدائياً جداً. نفذنا جولتي قصف على الهدف وقمنا بعدها بجولة أخرى فوق الهدف للتأكد من تدميره. كان ايتان سعيداً للغاية”.

ولكن مرة أخرى نجا عرفات بأعجوبة، فقد دمرت الغارات جزءاً من المبنى قبل وقت قليل من وصول عرفات اليه. عاد سيللا من قاعدة هاتزور الى تل ابيب لادارة العمليات الجوية فيما استقل ايتان طائرة مروحية وتوجه بها الى بيروت، وينقل بيرغمان عن سيللا قوله “في المساء، رأيت ايتان على التلفزيون يتحدث في مقابلة عند أطراف بيروت ويقول ان إسرائيل تمتنع عن قصف اهداف محاطة بالمدنيين وهو تماماً ما كان يفعله هو شخصياً في صبيحة اليوم نفسه”.

يتابع الكاتب ان المشكلة في عملية “السمكة المالحة” ان العالم برمته كان يراقب، ومع كل محاولة اغتيال فاشلة، كانت “إسرائيل” تبدو اكثر فاكثر قوة عسكرية تنتهك بلداً ذات سيادة بحثاً عن قتل رجل واحد، وبدل ان يبدو عرفات كارهابي متعطش للدماء اصبح الان قائداً مطارداً لامة من النازحين المرتعدين من الة الحرب “الإسرائيلية”، وهكذا يكون شارون قد حقق تماماً عكس ما كان يريد. فقد اصبح هدفه الرئيسي محط تعاطف من كل انحاء الكوكب، وغرق غزوه اكثر واكثر في مستنقع مغامرة عسكرية غير محسوبة جيدا، فكان لا بد من كسر صورة “شبه الانتصار”.

إقرأ على موقع 180  لبنانيون يعترفون بمرارة: نستحق هذا البؤس!

في الأول من أغسطس/اب 1982، بدأ الجيش “الإسرائيلي” يبذل ضغطاً هائلاً على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت (وفق عملية حملت اسم كينغ كونغ) وإقتضت قصفاً بلا إنقطاع طوال 72 ساعة بهدف اقناع عرفات بالانسحاب من لبنان. نفذ سلاح الجو اكثر من مئة طلعة جوية على مدى عشر ساعات وتواصل بعدها القصف العنيف من الجو والبر والبحر ليصل الى ذروته في 12 أغسطس/اب الذي اصبح يعرف حينها بـ”الخميس الأسود” لما تسبب به من دمار هائل. واخيراً فعل القصف فعله، وفي 13 أغسطس/اب وبوساطة أمريكية وافق عرفات على الخروج مع قواته من بيروت، وغادر حينها اوزي دايان المدينة بمشاعر متضاربة، تاركاً عملية “السمكة المالحة” في عهدة آخرين، وينقل عنه الكاتب قوله “لم امض بقية حياتي في الحزن لعدم تنفيذ المهمة ولكني فكرت ولا أزال افكر انه كان امراً مؤسفاً اننا لم نستطيع تحقيق المهمة، وفي المقابل، فان الحرب برمتها كانت امراً محبطاً من الزاوية الإنسانية، لقد كنا نرى السكان اللبنانيين حولنا مع الفقر والدمار الذي تسبب به القتال وجرت بيننا نحن القوى المقاتلة نقاشات محمومة، وقد كنت اعرف رفاق سلاح لي كانوا يؤمنون فعلاً ان على احد ما قتل شارون، هؤلاء كانوا يأملون ان يقوم احد ما باغتياله من اجل انقاذ دولة إسرائيل. لقد دعمت فكرة الحرب من بدايتها ولكن رأيت انها باتت امام حائط مسدود وانها لن تؤدي الى اية نتيجة فيما كان شارون وايتان يخدعون الجميع، فشعرت براحة بالغة عند مغادرتي بيروت”.

فجأة رأينا الكوفية الشهيرة على رأس المطلوب رقم واحد وهو يخرج من احدى السيارات. كان يقف وسط حشد من الناس وكأنه وسط سرب من النحل.. كان من السهل جداً قتله فقد كنا على بعد 180 متراً منه، في هذا المدى ومع البنادق القناصة التي كانت بحوزة فريقنا كان من الصعب جداً ان نخطىء في إصابة الهدف

في 21 أغسطس/اب، غادرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية بيروت بحراً، وكانت علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة الامريكية في غاية التوتر على خلفية غزو لبنان وحصار بيروت، وكان رئيس الوزراء مناحيم بيغن حريصا على تهدئة الأمور، لذلك عند توقيع الاتفاق لاخلاء بيروت وعد بيغن الوسيط الأميركي فيليب حبيب بانه لن يلحق أي اذى بالقوى المغادرة بيروت، وكان الحفاظ على تنفيذ هذا الوعد في غاية الأهمية لبيغن فاصدر تعليمات صارمة لشارون لالغاء اية خطط تهدف الى تحقيق اية اهداف في مرمى عرفات.

في تلك الاثناء، كان فريق عملية “السمكة المالحة” لا يزال في بيروت، وفي 30 أغسطس/ اب اتخذ الفريق مع ضباط من “الموساد” و”الشين بيت” مواقع لهم على سطح شركة كهرباء لبنان المطلة على مرفأ بيروت، وينقل هنا الكاتب عن احد ضباط “الشين بيت” قوله “من مسافة ما رأينا موكباً كبيراً من السيارات، وفجأة رأينا الكوفية الشهيرة على رأس المطلوب رقم واحد وهو يخرج من احدى السيارات. كان يقف وسط حشد من الناس وكأنه وسط سرب من النحل”، وينقل الكاتب عن الجنرال المتقاعد موشيه يعالون قوله عن تلك اللحظة “كان من السهل جداً قتله فقد كنا على بعد 180 متراً منه، في هذا المدى ومع البنادق القناصة التي كانت بحوزة فريقنا كان من الصعب جداً ان نخطىء في إصابة الهدف”. ويقول اخرون كانوا من ضمن الفريق نفسه ان عرفات كان في مناظير خمسة قناصة على الأقل في الوقت نفسه. وكان احد الضباط على جهاز الاتصال مع رئيس الأركان ايتان نفسه في مخبأه في تل ابيب يفيده بالتطورات حول متى يكون عرفات في مرمى النيران، فينقل الكاتب عنه قوله انه ابلغ ايتان قائلاً “يمكننا ان نفعلها الان، فهو في مرمى النظر لدينا الان، هل لدينا الاذن؟” فتأخر ايتان بالرد ليعيد الضابط القول “انه يشارف على الدخول خلال عشر ثوان، تسع ثوان، ارجوك اعطنا الاذن، ثماني، سبع..” وأخيراً أجاب ايتان بصوت متحشرج خائب الرجاء “كلا، اكرر كلا. لا اذن لديكم للتنفيذ”.

يتابع بيرغمان قائلاً انه بعد اربع وعشرين ساعة، اعطى بيغن لفيليب حبيب صورة لعرفات في تقاطع المنظار لبندقية القناص ليبرهن له انه بالرغم من الفرصة التي كانت متاحة فان “إسرائيل” بقيت عند كلمتها، في ذلك الوقت كان عرفات قد اصبح في العاصمة اليونانية أثينا في طريقه الى المحطة الأخيرة في تونس وتحول الهدف الذي اعلنه بيغن للرئيس الأميركي ريغان من “إبادة هتلر في مخبأه” الى مراقبة “هتلر يحظى بالانتقال جواً من برلين”!

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  باراك على رأس أكبر "فرقة إعدام" في بيروت..ماذا حصل في فردان؟ (28)