لا الصاروخ ولا القنبلة.. إنها المفاتيح يا عزيزي جو!

دخل الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن البيت الأبيض، وارثاً واقعاً سياسياً بالغ التعقيد في الشرق الأوسط. خريطة سياسية تبدّلت فيها الأدوار والمواقع. في صورة أشبه برجل ورث ملكية عقار من دون أن يملك مفتاحه.

كان العام 2003 بمثابة ليلة القبض الأمريكي على العراق. من عند هذا التاريخ يبدأ كل حديث عن واقع الشرق الأوسط، لما له من تأثير إستراتيجي على البنيان السياسي الإقليمي في منطقة مركزية على كوكب الأرض. مركزية تفرض نفسها على جدول أعمال كل الدول.

لعل أكثر من جسد مركزية الشرق الأوسط في خريطة العالم هي وزارة الدفاع الأمريكية. فقد أعاد البنتاغون هيكلة إنتشار قواته العسكرية عالمياً وفقا لخريطة سياسية دولية جديدة. لنعد إلى الوراء أكثر من عقد من الزمن. إلى ما قبل 2003. مع إنهيار الاتحاد السوفياتي (1991)، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ولادة نظام دولي جديد تربّعت فيه واشنطن على عرش الرئاسة العالمية. وقتذاك، تشكلت أربع قيادات عسكرية أمريكية موزعة حسب الموقع الجغرافي. العالم العربي كان جزءاً من القيادة المركزية الوسطى التي لها من إسمها كل نصيب.

أنيطت بهذه القيادة العسكرية (الوسطى) إدارة توازنات الشرق الأوسط السياسية والأمنية، وفق بنيان سياسي إقليمي متكامل العناصر الإنشائية، شيّدته السياقات الإستراتيجية للنظام الدولي الجديد. البنيان السياسي، كما الإنشائي، يتكون عادة من سقف وأعمدة. كان السقف السياسي في منطقة الشرق الأوسط، يستند إلى خمسة أعمدة: اتفاق كامب دافيد للسلام بين إسرائيل ومصر (1978)؛ اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (1993)؛ اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل (1994)؛ اتفاق الوفاق الوطني المعروف باتفاق الطائف لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، أو تكريس الوصاية السورية (1989). أما العامود الأكثر مركزية لناحية الوزن، فيتمثل بسياسة الاحتواء المزدوج من قبل واشنطن لكل من العراق وإيران، وهي عبارة عن مزيج من الإغراءات والعقوبات الاقتصادية لكلا البلدين.

هذا البناء، أو البنيان، شكّلته السياقات الاستراتيجية وليس العكس. مثلاً، كان يحق لدولة الإحتلال الإسرائيلي “إصابة” أحد هذه “الأعمدة الخمسة”، ولو كان ذلك يشكل مخالفة للقوانين الدولية وذلك بداعي محاربة الإرهاب أو الدفاع الإستباقي عن “أمن دولة إسرائيل”، كما حصل مع لبنان في حربي العامين 1993 (تصفية الحساب) و1996 (عناقيد الغضب) أو حصار رام الله حتى رحيل ياسر عرفات (2002ـ 2004). غير أن سقف هذه العمليات العسكرية لم يصل حد تعريض البناء للإنهيار. أيضا انفلاش الحريرية السياسية بقيادة الرئيس الشهيد رفيق الحريري خارج حدود انطاكيا وسائر المشرق جاء من خلال البنيان (وظيفة) وليس من خارجه. أي أن إستقرار لبنان السياسي والأمني والنقدي كان مرتبطاً ارتباطاً مباشراً باستقرار البنيان الأمني والنقدي للإقليم (الشرق الأوسط).

وعلى سيرة لبنان، يُروى أن رفيق الحريري أوفد باسل فليحان في مطلع الألفية الجديدة إلى الولايات المتحدة وطلب منه أن يستعين بـ”صديق أمريكي”. هذا الصديق كان من “القادرين” على وضع قصاصة صغيرة على مكتب الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض تتضمن إقتراحاً بأن تبادر الولايات المتحدة إلى الطلب من إحدى دول الخليج العربي وضع وديعة في مصرف لبنان المركزي بقيمة مليار دولار، لأن هناك خشية (أمريكية) من أن يؤدي إنهيار الوضع النقدي والمالي في لبنان إلى إنهيارات متتالية تصيب عددا من حلفاء أمريكا في المنطقة وأولهم مصر.. وهكذا كان. حضرت الوديعة الخليجية إلى لبنان في اليوم التالي!

المقصود أن البناء السياسي للمنطقة كان يمثل شراكة دولية وإقليمية متداخلة. كل طرف يملك أسهماً في العقار، بحسب موقعه وبما لا يهدد السقف للانهيار. أما لجنة البناية، فكانت تجتمع متفقة تحت سقف سياسي ترسمه وتحدده واشنطن التي تملك مفاتيح البوابة الرئيسية للمبنى.

أصبحت إيران تملك الـ”ماستر كي ـ master key” لمعظم ملفات الإقليم. بحكم الأمر الواقع، لم يعد مُمكناً الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط من دون الحديث عن دور إيران الإقليمي، نفوذاً وأذرعة. لا يمكن الكلام عن البناء السياسي للمنطقة وإستقرارها من دون الكلام عن سياسة أمريكا في المنطقة. سياسة كانت السبب في ما وصلت إليه أمور المنطقة

حصل التغيير الجذري بعد أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية دولة جوار لكل دول الشرق الأوسط (العقار) باحتلالها للعراق. فحين قررت قوات العم سام النزول إلى البر العراقي (2003)، مدفوعة بأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر (2001) إنهار أول الأعمدة: الإحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية في شؤون الإقليم. توالت عملية هدم الأعمدة مع قيام إسرائيل بعمليات عسكرية متكررة في قطاع غزة والضفة الغربية ليسقط مشروع السلام الفلسطيني الإسرائيلي.

ذروة هدم الأعمدة، كانت في شاطىء النورماندي. يوم إحتفل الفرنسيون بالذكرى الـ 75 لإنزال قوات الحلفاء في الساحل الفرنسي الشمالي قبالة المملكة المتحدة. إتفق، وقتذاك، جورج بوش الإبن وجاك شيراك على صدور القرار الأممي الذي حمل الرقم 1559 المتعلق بلبنان. المضمون الإستراتيجي للقرار هو نعي إتفاق الطائف، من دون تحديد موعد دفنه (حتى الآن) وإنهاء التفويض الدولي لسوريا بإدارة الشأن اللبناني (حقبة الوصاية). المثير للإنتباه أن اتفاق كامب دافيد ظل صامداً بالرغم من كل ذلك، كما أعلن الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي (مرشح الإخوان المسلمين) في خطابه الى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بادئاً بتحيته الشهيرة “عزيزي شيمون بيريز”!

إقرأ على موقع 180  تقرير "الإستشاري": أزمة لبنان تتدحرج.. والعراق الأكثر توتراً

وما يسري على كامب ديفيد ينطبق على وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، وإن كان القاسم المشترك بين هذين “السلامين” برودة لم ينته مفعولها حتى يومنا هذا.

طيلة الأعوام الماضية، حاولت واشنطن صنع سقف سياسي جديد للمنطقة. إنهمكت كمقاول في عملية البناء المكلفة والمستنزفة للطاقة. دخلت في مستنقع القضايا المحلية (مثل حقوق الإنسان والأقليات) بحثاً عن أعمدة لبناء سياسي جديد. ما لم تحسبه الإدارات الأمريكية المتعاقبة أنها ألغت أدواراً فعالة لحلفائها في الإقليم، مقابل السماح لإيران بالتسلل إلى المنطقة من البوابة الشرقية (العراقية). راحت طهران تجمع المفاتيح الواحد تلو الآخر، بينما كانت واشنطن تلملم “ورشتها” من المنطقة وتحدد سقوفاً لها وظيفتها مقدار فائدتها في خدمة بنيان أكثر أهمية ومركزية بدأت ترتسم ملامح أعمدته في شرق آسيا في مواجهة التنين الصيني الزاحف نحو المنطقة وكل العالم.

زدْ على ذلك، ثمة ضجر أمريكي من الإستنزاف الاستراتيجي لطاقاتها طيلة تلك السنوات. هذا الأمر عبّر عنه “الإستبملشمنت” الأمريكي بصوت عالٍ منذ أن قررت الولايات المتحدة سحب قواتها العسكرية من أفغانستان والعراق ومن كل منطقة الشرق الأوسط. ضجر سمح للرئيس الديموقراطي باراك أوباما بتوقيع الإتفاق النووي الإيراني ظناً منه أن الاتفاق يفتح أبواباً مغلقة. تحديداً، يتيح التصدي لـ”الخطر الصيني” من الهضبة الأسيوية (إيران).

هذا الإتفاق أحدث فراغاً في المنطقة.. ووجد دونالد ترامب نفسه، لحظة وصوله إلى البيت الأبيض، قبل أربع سنوات، مدير ورشة بناء وليس صاحب عقار، كما يجب أن يكون. أي في موقع إدارة الأزمات وليس معالجتها، مما دفعه الى إلغاء الإتفاق النووي، غير أن المعضلة التي واجهها ليست سهلة: المفاتيح باتت خارجة عن نطاق إرادته وإدارته.

عملياً، أصبحت إيران تملك الـ”ماستر كي ـ master key” لمعظم ملفات الإقليم. بحكم الأمر الواقع، لم يعد مُمكناً الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط من دون الحديث عن دور إيران الإقليمي، نفوذاً وأذرعة. لا يمكن الكلام عن البناء السياسي للمنطقة وإستقرارها من دون الكلام عن سياسة أمريكا في المنطقة. سياسة كانت السبب في ما وصلت إليه أمور المنطقة. هذا هو الواقع أمام الرئيس جوزيف بايدن. المفاتيح مقابل المبنى. حرب باردة مشتعلة بين طهران وواشنطن. لا بد من الإستثمار بالهضبة الأسيوية. لا القنبلة النووية ولا الصواريخ البالستية. إنها المفاتيح.. يا عزيزي جو.

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  مصارف لبنان تفرّق دم المُودع القتيل بين القبائل