إسرائيل: كل الطرق تؤدي إلى إنتخابات خامسة

استيقظت إسرائيل في صباح اليوم التالي لرابع انتخابات تشريعية في غضون عامين على حالة من عدم اليقين السياسي، حيث ما زالت تجهل من سيرأس الحكومة في المستقبل القريب. صحيح أن حزب «الليكود» بزعامة بنيامين نتنياهو قد احتل الصدارة، بحسب النتائج غير الرسمية، لكن لا تحالفه اليميني ولا كتلة أحزاب المعارضة يمتلكان طريقاً واضحاً لتشكيل ائتلاف حكومي يحظى بالغالبية في الكنيست.

بعد إغلاق صناديق التصويت، مساء أمس (الثلثاء)، توقعت استطلاعات الرأي الأولى بحذر فوز “الليكود” وحلفائه من المعسكر الديني – «شاس» و«الصهيونية الدينية» و«يهدوت هتوراه».
وفقًا لتلك التوقعات الأولية، كان بإمكان نتنياهو الاعتماد على 61 تفويضاً، ولكن شرط أن ينضم إليه حزب «يمينا» برئاسة وزير التعليم السابق ووزير الدفاع السابق نفتالي بينيت.
ولكن في غضون ساعات قليلة، جرى تعديل التوقعات. أعطى اثنان من استطلاعات الرأي الثلاثة التي أجرتها الإذاعات الإسرائيلية بعد اغلاق صناديق التصويت «الليكود» وكتلته اليمينية والدينية الأوسع نطاقاً 53 مقعداً في الكنيست – 60 مقعداً عند إضافة سبعة مقاعد قد يحصل عليها من مرشحين مستقلين – لكن ذلك يبقى أقل من المقاعد الـ61 المطلوبة لتشكيل غالبية في البرلمان المكون من 120 مقعداً.
المثير هنا أن الاستطلاع الثالث أعطى كتلة الأحزاب المناهضة لنتنياهو 61 مقعداً، ما قد يعيق طريق نتنياهو. لكن ذلك لا يعني أن المعسكر المعارض يمكن أن ينجح في تشكيل ائتلاف حكومي بديل، لا سيما أن الحديث هنا يدور عن أحزاب متباينة أيديولوجياً، وقد استبعد بعضها بالفعل إمكانية التعاون مع الآخرين من المعارضين لنتنياهو.
بحلول ظهر اليوم (الأربعاء)، حصلت كتلة نتنياهو على 52 تفويضاً:
«الليكود»: 30 مقعداً.
«شاس»: 9 مقاعد.
«يهدوت هتوراه»: 7 مقاعد.
«الصهيونية الدينية»:6 مقاعد.
الآن، حتى لو انضم «يمينا» إلى تحالف نتنياهو بسبعة مقاعد، فإن تشكيل غالبية برلمانية لا يزال أمراً غير مضمون.
لا بد من الإشارة في هذا السياق الى أن مصير الانتخابات الحالية تحدد بدرجة من خلال إقبال الناخبين.
في العموم، يمتلك «الليكود» والأحزاب الدينية جمهوراً ناخباً منظماً إلى حد ما، بينما لا تستطيع المعارضة تعبئة جمهورها. ولكن بعدما تجاوزت نسبة المشاركة في انتخابات العام الماضي 71٪، تبيّن الآن أنها الأدنى منذ 12 عاماً (67.2٪ فقط).

نظرياً، يمكن أن يراهن المعسكر المعارض على المقاعد الستة لـ«القائمة العربية المشتركة»، ولكن من الناحية العملية يستحيل تخيل حكومة في إسرائيل تضم حزباً عربياً. لذلك، يمكن الافتراض أن الاحتمال الوحيد لتشكيل الحكومة، سيتمثل في قبول نتنياهو لابتزاز بينيت

يبدو الأمر منطقياً، فقد سئم الإسرائيليون من الانتخابات المتكررة، ولكن من المحتمل، في ظل الوضع الحالي، الذهاب إلى صناديق الاقتراع للمرة الخامسة على التوالي.
يكافح السياسيون الإسرائيليون من أجل تشكيل حكومة مستقرة. لتحقيق ذلك، من المهم الحصول على غالبية برلمانية تتكون من 61 نائباً على الأقل.
ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، لم يتمكن أي حزب أو إئتلاف من تحقيق مثل هذه النتيجة، فبعد جولتين انتخابيتين متتاليتين في العام 2019، لم يتم تشكيل الحكومة مطلقاً. وبعد انتخابات 2020، تمكن نتنياهو من الاتفاق على ائتلاف مع منافسه الرئيسي، حزب «كاحول لافان» (أزرق أبيض) بزعامة بيني غانتس على تشكيل حكومة ائتلافية يتناوبان على رئاستها، وذلك لمنع تهديد انتخابات جديدة وسط جائحة فيروس «كورونا»، لكن بعد فشل الكنيست في الموافقة على الميزانية في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تم الإعلان عن موعد انتخابات جديدة (الجولة الرابعة).
اليوم، يتكرر سيناريو الجمود الحكومي، ومع ذلك فإن نتنياهو بدا مستعداً للبحث في مخرج للأزمة، اذ قال يوم أمس أنه «لا يمكننا جر إسرائيل إلى الانتخابات الخامسة، مهما حدث». ومع ذلك، فإن خطاب نتنياهو بات متأرجحاً بحسب «باروميتر» استطلاعات ما بعد الانتخابات، بين تأكيد انفتاحه على كل الخيارات التحالفية الممكنة، وبين التشديد على عزمه تشكيل «حكومة يمينية قوية ومستقرة».
بحسب صحيفة «هآرتس» فإن قراءة ما بين سطور خطاب نتنياهو تشي باستعداده لمد يده الى أي عضو في الكنيست لتشكيل «حكومة مستقرة».
غير أن الهدف الأكثر واقعية بالنسبة الى نتنياهو يتمثل في استمالة حزب «يمينا»، الذي تحول زعيمه نفتالي بينيت الى «صانع الملوك»، وهو لم يحرص على إبقاء خياراته محاطة بالغموض، إذ اكتفى في الليلة السابقة للانتخابات بالقول «سأفعل فقط ما هو جيد لدولة إسرائيل».
وخلال الحملة الانتخابية، دخل «يمينا» في اتفاق بشأن إعادة توزيع الأصوات مع منافسي نتنياهو – «يش عتيد» بزعامة يائير لابيد، و«اسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور ليبرمان، و«تكيفا حداش» بزعامة جدعون ساعر، من دون أن يعني ذلك الدخول في تحالف انتخابي، بسبب الخلافات الايديولوجية، وأيضاً الشخصية، داخل المعسكر المناوئ لـ«الليكود».
يضاف الى ما سبق أن المعسكر المعارض لا يمتلك التفويض الكامل لتشكيل ائتلاف حكومي، فأكبر أحزابه «يش عتيد» لم يحصل (بحسب النتيجة المعلنة حتى الآن) إلا على 17 مقعداً، في حين أن الاحزاب المعارضة مجتمعة لن تحصل على أكثر من 57 مقعداً.
نظرياً، يمكن أن يراهن المعسكر المعارض على المقاعد الستة لـ«القائمة العربية المشتركة»، ولكن من الناحية العملية يستحيل تخيل حكومة في إسرائيل تضم حزباً عربياً.
لذلك، يمكن الافتراض أن الاحتمال الوحيد لتشكيل الحكومة، سيتمثل في قبول نتنياهو لابتزاز بينيت، المعروف بانتهازيته السياسية، أو محاولة شراء انشقاقات من أحزاب أخرى في محاولة لقلب الموازين.
الآن، سيكون على عاتق الرئيس الاسرائيلي رؤوفين ريفلين دعوة الشخص الذي يعتقد أن لديه أفضل فرصة لتشكيل ائتلاف. في حين أن الرؤساء عادة ما يكلفون لهذه المهمة زعيم أكبر حزب – أي نتنياهو – فإن لا شيء يمنع اختيار شخص آخر، أي بينيت في الحالة الراهنة.
وأياً تكن الحال، فأن أية حكومة جديدة ستواجه على الفور تحديات كبيرة، بما في ذلك الاقتصاد المتضرر من جائحة «كورونا»، وتجاوز الخلافات بشأن الموازنة العامة، بجانب التحديات الإقليمية، لا سيما بعد وصول جو بايدن الى الحكم في الولايات المتحدة، واحتمال إعادة إحياء الاتفاق النووي مع ايران، علاوة على استنفاد نتنياهو معظم استعراضات «التطبيع» مع الدول العربية.

التفكك طال الصوت العربي، بإنقسام القائمة العربية المشتركة بعد إنسحاب القائمة الموحدة منها وإعطاء قيادتها إشارات إلى إحتمال أن تعطي صوتها للمرة الأولى إلى حكومة اليمين الإسرائيلي المتشدد

قد تؤدي النتيجة الموحلة إلى إطالة فترة عدم اليقين السياسي والاستقطاب الذي دفع إسرائيل إلى الترنح من انتخابات إلى أخرى، ما يعني أن الانتخابات الخامسة يمكن أن تكون خياراً محتملاً، سواء تم تشكيل ائتلاف حكومي هذه المرة أم لا.

إقرأ على موقع 180  تل أبيب وإغتيال فخري زاده: تغيير قواعد اللعبة

في المحصلة، تبدو الأزمة السياسية في إسرائيل مفتوحة على مصراعيها، ولا أولوية تتقدم على إستقطاب من مع نتنياهو ومن ضده. قد يغلّف البعض موقفه بالأيديولوجيا أو السياسة أو “الأخلاق”، لكن النتيجة واحدة. في خضم هذا المسار، تتفكك أحزاب وكتل تاريخية، لتعكس التحولات الإجتماعية والديموغرافية في مجتمع المهاجرين الآتين من مجتمعات متعددة. حتى أن هذا التفكك طال الصوت العربي، بإنقسام القائمة العربية المشتركة بعد إنسحاب القائمة الموحدة منها وإعطاء قيادتها إشارات إلى إحتمال أن تعطي صوتها للمرة الأولى إلى حكومة اليمين الإسرائيلي المتشدد.

خيار الإنتخابات الخامسة يبدو واقعياً، ذلك أن إسرائيل مأزومة حتى إشعار آخر، فهل سيكون لأزمتها الداخلية إرتدادات على طريقة تعاملها مع ملفات داخلية وفلسطينية والأهم ملفات تتصل بـ”التهديدات الإستراتيجية”، وفي طليعتها “التهديد الإيراني” ومعه تهديد “الأذرعة الإيرانية”، وأولها حزب الله في لبنان؟

Print Friendly, PDF & Email
وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  تل أبيب تحتفي بهوكستاين: الوقت ليس لصالح لبنان!