فلْتبلَعْكم الأرض.. أمس قبل اليوم!
A masked Lebanese protester takes part in a rally in downtown Beirut on October 20, 2019, on the fourth day of demonstrations against tax increases and official corruption. - Thousands continued to rally despite calls for calm from politicians and dozens of arrests. The demonstrators are demanding a sweeping overhaul of Lebanon's political system, citing grievances ranging from austerity measures to poor infrastructure. (Photo by Patrick BAZ / AFP) (Photo by PATRICK BAZ/AFP via Getty Images)

شهد يوم "عيد الأمّ" الأحد الفائت، ظاهرة غير مسبوقة في لبنان. إذْ ضجّت دروب السماء بدعاءاتٍ صريحة للأمّهات الثكالى. تضرّعن إلى الله ليُنزِل الموت والهلاك بحُكّام البلاد. ليلعن البطون التي حملتهم وأنجبتهم. كراهية ما بعدها كراهية تتفشّى بين اللبنانيّين. لكن هناك ما هو أفظع.

فمَن كان بين المحتجّين في الشوارع، ذهب بعيداً أكثر. “ما في حلْ إلاّ بالاغتيالات..! ما حدن رح يخلّصنا من هالزعران إلاّ الموت”! هكذا، صرخ أحدهم بوضوحٍ شديد أمام الكاميرا. أيّده آخر وآخر وآخر. لم يخافوا من عواقب تهمة الحضّ على القتل. هذا أمرٌ غير مسبوق في بلدنا. لم تقتصر الحلول المنشودة للخلاص، على المواطنين العاديّين. قالها قبلهم، وبالفم الملآن، أحد الصحافيّين الخارجين من الحضن العونيّ: “لا حلّ في الوقت الحاضر، إلاّ بموت أحد المسؤولين الثلاثة: ميشال عون أو جبران باسيل أو سعد الحريري”. صُعِق المذيع، ليقهقه بعد ذلك بضحكته المعروفة! “أُف أُف أُف.. أيُعقَل يا رجل؟!”، سأله متعجِّباً وساخراً. فأكّد له بـ”نعم”، ذلك المحلّل السياسي المشهور بذكوريّته وقلّة أخلاقه حيال معارضي “التيّار الوطني الحرّ”.

كلّ هذه التوطئة للقول إنّ الكره المنتشر في حنايا الوطن، بات أمراً مقلقاً ومؤلماً، في آن. كره بين اللبنانيّين، عامودي وأفقي. لقد تخطّينا، بأشواط، ما يُسمّى في مجتمعاتٍ أخرى “خطاب الكراهية”. أصبحت المشاعر المتبادلة، بيننا وبين أركان السلطة تحديداً، أعمق بكثير من الكراهية. صار لنا معهم ومع أتباعهم ثارات ورغبة جامحة بالانتقام. صرنا نغتبط إذا أصابهم مرض. نفرح إذا حلّ بهم مكروه! نتمنّى أن تنهال عليهم المصائب كالمطر. نحلم أن يتلذّذ جلاّدون ساديّون بتعذيبهم. نلعن القدر الذي ساقهم إلينا وساقنا إليهم. لماذا كلّ هذا الحقد؟ لأنّهم أمسوا “العدوّ” المباشر لنا. هم ليسوا خصومنا بالتأكيد. هم أعداؤنا، بصريح العبارة. ذلّونا أكثر من العسكر الفرنسي والسوري. لقد اغتصبوا كراماتنا وأراضينا وممتلكاتنا ومدّخراتنا. فعلوا ما لم يفعله الصهاينة. عجز اللسان عن توصيفهم! عجزنا عن إيجاد تعبير يلائم ارتكاباتهم! ونسأل أنفسنا ونتساءل جهاراً: أيّ صنفٍ من الكائنات البشريّة هُم؟

الكلام الذي نخشى أن نقوله، هو غالباً الكلام الذي ينبغي أن يُقال بالفعل. قلنا عنهم لصوصاً وقتلة وعصابات ومافياويّين وعملاء. لكن لم تُشفِ كلّ تلك التوصيفات غليلنا. بقيت بعيدة عن الواقع. فاللصوص والقتلة والعصابات والمافياويّون، لا يمارسون أفعالهم الشنيعة والإجراميّة علناً. بل، يحاولون التستّر عليها. بينما سياسيّونا وحُكّامنا، ينادون بما تقترف أيديهم على رؤوس الأشهاد. والتساؤل يصبح مشروعاً: هل، غير رابين وشامير وبيريز وباراك ونتنياهو..، تجاسر على المجاهرة بأفعاله العدوانيّة تجاهنا؟ كلا. هدّدوا بإعادة لبنان إلى العصر الحجري، لكن حُكّامنا أعادوه. منطقيّاً إذاً، أركان الطبقة الحاكمة في لبنان ينفّذون المخطّط الإسرائيلي. فهل يمكن وصفهم بغير أعداء الشعب اللبناني؟

“أعداء الشعب”، التعبير الذي نفض عنه الغبار الرئيس الأميركي ذو النزعة الهستيريّة دونالد ترامب. قالها في وصفه لوسائل الإعلام الأميركيّة المناهضة له. يومها غرّد الصحافي الأميركي كارل بيرستين أحد بطلَيّ “الواشنطن بوست” اللذيْن كشفا “فضيحة ووترغيت”. فاعتبر أنّ “كذب الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون على الشعب هو دائماً وأبداً أخطر عدوّ للشعب. لكنّ هجوم ترامب على الإعلام أخطر من هجوم نيكسون (الذي أسقطته الفضيحة)”. وفي 2020، كتبت صحيفة “ديلي ميل” البريطانيّة في صفحتها الأولى عن ثلاثة قضاة بريطانيين وصفتهم بـ”أعداء الشعب”. كونهم أصدروا حكماً يتعلّق بإجراءات مغادرة الاتحاد الأوروبي “البريكست”.

أتتذكّرون تلك الرواية عن يوم القبض على تشي غيفارا؟ فبعدما طوّقت فرقة من العسكر مخبأه الأخير في جبال بوليفيا، “بفضل” وشاية راعي أغنام، سأله قائد المجموعة المهاجِمة: “لماذا وشَيْت برجلٍ قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟”. فأجابه الراعي: “كانت معاركه مع الجنود تروِّع أغنامي”!

إلى متى يعود وصف “عدوّ الشعب”؟

ظهر المصطلح في العصر الروماني (مع نيرون حارق روما). لكنّه بات مصطلحاً ثابتاً في قاموس “الطغاة القدامى”، ويشير إلى كلّ مَن يعارض الطبقة الحاكمة. أي، بمجرّد أن يُشهِر سياسي أو مثقّف أو فنّان معارضته (أو من دون إشهارها حتّى) يتحوّل إلى “عدوّ” يعمل ضدّ المجتمع كلّه. وهذا التصنيف كان يعني المقدّمة للقضاء عليه. كان كفيلاً بتلفيق تهمة له، تقوده إلى السجن أو الأشغال الشاقة أو الموت السريع. لكن مصطلح “عدوّ الشعب”، أخذ مسارات معاكسة. بحيث يتنازل الطغاة، أحياناً، عن مهمّة الانتقام الشخصي من “أعداء الشعب”. يتركونهم لأتباعهم وعبيدهم، كي يجترحوا فيهم عمليّات القمع والقتل ومشتقّاتهما. وهكذا يسلّطون الشعب على الشعب. برزت هذه الظاهرة، بخاصّة، خلال الثورات العربيّة.

البداية كانت في مصر، عندما ثار الشعب لإسقاط نظام حسني مبارك. ورغم الاحتجاجات الواسعة جدّاً، إلاّ أنّه كان لمبارك مؤيّدون يرفضون إسقاطه (وخصوصاً المنتمين إلى الحزب الحاكم). سمّاهم الثوار، حينها، “الفلول” وكانت مهمّتهم التخريب على الثورة. ومَن منّا ينسى “الشبّيحة” في سوريا، ممّن قمعوا وقتلوا المتظاهرين. ونظّموا، أيّام الاحتجاجات الأولى، في دمشق والمدن السوريّة الرئيسيّة مسيرات، رفعت لافتات تحمل عبارة “منحبّك” موجّهة إلى الرئيس بشار الأسد. وتحوّلت العبارة لاحقاً إلى “منحبّكجي”، لتعني الممالئين والمدافعين عن النظام.

إقرأ على موقع 180  المثقف المناضل لا يمكن إلاّ أن يكونَ مُشاغباً

“شبّيحة” سوريا كان اسمهم في اليمن “العفاشيّين”. وفي ليبيا نادوهم بـ”كتائب القذافي”، الجهة الوحيدة التي وقفت في صفّ العقيد. ومع اتّساع الانتفاضة العراقيّة ضدّ المسؤولين الفاسدين والميليشيّات التابعة لإيران، ظهر مصطلح “ذيول” الذي أطلقه العراقيّون على الموالين للسلطة والدافعين باتّجاه بقاء الأمور على حالها. يقول إبن خلدون “لو خيّروني بين زوال الطغاة وزوال العبيد، لاخترت بدون تردّد زوال العبيد. لأنّ العبيد يصنعون الطغاة”. ماذا عن عبيد طغاتنا وشبّيحتنا وفلولنا وعفاشيّينا في لبنان؟

إذا كان لكلّ بلد عربي (أو غير عربي) نظام برأس واحد يحكمه، ففي لبنان ثعبان بستّة رؤوس يلتفّ على خناقه. وكلّ رأس ينفث سمومه في اتّجاه مختلف. أي أصبحنا مطوَّقين من جميع الجهات. صحيحٌ أنّ الموالين لهم تفنّنوا أيّام الانتفاضة في قمع المحتجّين، إلاّ أنّ كلّ فصيل كان يقمع على طريقته. فلبنان، يا أصدقاء، استثناء. حتّى في القمع. نظامه لا يشبه أيّ نظام في العالم. وربّما يتفرّد بخصوصيّة. فسلطته هي مَن صنّعت الشعب، وليس هو مَن صنعها. هذه الخصوصيّة هي مقتلنا. إذْ، لولا أكباش الطوائف وعبيد الزعماء الطوائفيّين المنتشرين بين صفوف الشعب، لما كان إسقاط نظامنا، على الأرجح، مستحيلاً. فليس سهلاً أن تكون مكشوفاً لعملاء الأعداء! عميل العدوّ يؤذي أكثر من العدوّ نفسه. يكون ملكيّاً أكثر من الملك، كما يقول مثل شعبي. فهو يقيم بين الناس متلبّساً. ويعيش معهم. ويعرف من أين تؤكَل كتفه. يُتقِن الأذيّة. فهو يبحث جاهداً عن أذيّتهم. إذْ إنّ سلامتهم تعني عدم سلامته. ونجاحهم يعني فشله وخسارة مكتسباته ومصالحه. وبعد؟

يقول شكسبير “إعطِ الحُكم لكلب، وسترى البعض يتملّق ويخضع له”. فالكثير من اللبنانيّين، ممّن يتمسّكون بهذا الزعيم أو ذاك، يدركون جيّداً أنّ زعماءهم لم يعودوا صالحين. لا للحُكم، ولا لإدارة أمور البلد. يختبرون، يوميّاً، ما تُحدِثه سياساتهم من خراب وانحلال. لكن لو لم يكونوا كما هم، لما كانوا هم هنا. تفاهة وغطرسة زعمائهم، هما مصدر نعمتهم. أتتذكّرون تلك الرواية عن يوم القبض على تشي غيفارا؟ فبعدما طوّقت فرقة من العسكر مخبأه الأخير في جبال بوليفيا، “بفضل” وشاية راعي أغنام، سأله قائد المجموعة المهاجِمة: “لماذا وشَيْت برجلٍ قضى حياته في الدفاع عنكم وعن حقوقكم؟”. فأجابه الراعي: “كانت معاركه مع الجنود تروِّع أغنامي”!

وما أكثر الرعيان البوليفيّين عندنا. فهل ينسى بعض المقاومين كيف ساقهم المحتلّ الإسرائيلي وعملاؤه بعد وشاية من أهل البيوت التي كانوا يلتجئون إليها؟ وهل ينسى بعض الثوار كيف سحلهم ونكّل بهم عملاء “أعداء الشعب” مخافة أن تتسبّب الثورة بـ”قطع” رزقهم من الفتات الذي يُرمى لهم في جحورهم؟

كلمة أخيرة. يقول الكاتب التشيكي ميلان كونديرا: “ينصبون للناس أفخاخاً ليستعبدوهم. ويستغلّونهم لنصب أفخاخ للآخرين. وهكذا دواليك، حتّى يجعلوا شعباً بأكمله منظّمة هائلة من المُخبرين”. إقتضى التذكير.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "رعد موسكو" و"سعد روما".. ولبنان المُهدد!