نصيبي من النكبة.. حكايتي مع فلسطين

"نصيبي من النكبة" عنوان مداخلة ألقيتها في احتفالية نظمها مركز كامبردج لدراسات فلسطين لمناسبة يوم النكبة (15 أيار/ مايو 2021) عبر تطبيق زوم، وتحدث فيها عدد كبير من فلسطينيي الداخل والشتات. وهذا أبرز ما تضمنته مداخلتي:

“في وعيي المبكر كانت فلسطين حاضرة كما كسرة الخبز في عيشنا اليومي في إحدى مناطق لبنان.. وفي وعيي السياسي تجذّرت فلسطين كما لو أنني من أهل الشتات الفلسطيني. وكذلك كان حال ممن هم حولي، من أهل وبيئة احتضنت القضية جيلاً بعد جيل.

وسنة بعد سنة، كانت قضية فلسطين ماثلة في يومي، وحكايات الطرد والتشريد من جهة، والإصرار على حق العودة من جهة ثانية شكّلا متن  الحكاية وأصلها في لغتي وذاكرتي.. حتى أنني وفي جموحي العاطفي في تبني هذه القضية كنت اعتقد أن المطالبة بحق عودة الفلسطينيين الذين في لبنان إنما هو مؤامرة عليهم!

في المسألة الشخصية، لي بين الأهل ممن كانوا مُبَلسمين لجراحات الشعب الفلسطيني يوم نكبة العام 48 وعلى أرض فلسطين، وأعني المرحوم خالي شقيق والدتي الدكتور عبد الكريم سكرية وكان في سنته الثالثة في كلية الطب في جامعة دمشق. تطوع مع جيش الإنقاذ، وحمل الجرحى وداوى النفوس. وفي المواقف السياسية كان لوالدي المرحوم محمد اسماعيل سكرية ومذ كان طالباً في دمشق في الثلاثينات من القرن الماضي مشاركات في تظاهرات لا بل في تنظيمها لأجل فلسطين والتوعية على الخطر الصهيوني المبكر، وما تلا تلك السنوات من مواقف في السياسة والنضال، ومحاولة دخوله البرلمان اللبناني العام 1960 مُرشّحاً من حكومة الوحدة العربية بزعامة جمال عبد الناصر، وأيضاً في انتماءات شباب من أقاربي وقد سارعوا إلى الغور للمشاركة في مسيرة أول الرصاص في العام 65، وإلى تلقي التدريب بأشكاله، وإلى ما كنت أسمعه من الأهل عن جمعٍ للتبرعات من حليّ النساء، ومن الملبس إلى غوث اللاجئين.

***

في طفولتي كانت فرحة الأعياد لا تكتمل لأن ما كنا نحصل عليه من بضعة نقود كمعايدة ما يلبث أن كانوا يستردونه منا بعد لحظات قليلة، لأن المرحوم خالي شقيق والدتي الحاج فاضل سكرية كان يجمع التبرعات للعمل الفدائي، وكان علينا أن نساهم بتلك المبالغ الضئيلة جداً.

كانت فلسطين نذراً، يكبر حمله، وتثقل موازينه، وتزداد ألغازه، فالتآمر على فلسطين وعلى شعبها كان يطول، ومعه تطول عذابات درب جلجلتها.

وعلى وقع كل ذلك، كنت أختزن في ذاكرتي وفي الروح قضية انتماء، سنة إثر سنة.. فكانت آذاننا تلتصق بجهاز الراديو لسماع أخبار العمليات الاستشهادية، وكان لخطف الطائرات النبأ الذي أجج العاطفة والبكاء والحلم بأن أكون ليلى خالد أو تيريز هلسة أو كالفدائيات اللواتي دخلن بيوتنا ودفاتري المدرسية بصورهن التي قصصتها من الصحف اللبنانية التي كان يقرأها والدي يومياً وكذلك من المجلات المصرية الاسبوعية.. وكانت أناشيد الثورة محط الكلام والتنافس بمن يحفظ ويردد بيني وبين أترابي.. إلى أن حظيت من قريبي الفدائي بشعار العاصفة وكان أبرز الأوسمة والكنوز.

لا أدري لماذا كانت دموعي تترافق مع كل خبر يخص فلسطين، سواء كانت عملية بطولية نفذها فدائيون، أو اعتداء اسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ولا سيما على مخيمات الفلسطينيين في لبنان.. اغتالوا غسان كنفاني على أرض لبنان، واغتالوا القادة الفلسطينيون الثلاثة الشاعر كمال ناصر وابو يوسف النجار وكمال عدوان على أرض العاصمة بيروت. وألهبت هذه الاغتيالات قلوب وعقول المد المؤيد لمسيرة الثورة الفلسطينية. واذكر ذاك المانشيت لصحيفة النهار البيروتية صبيحة اليوم الثاني لتشييع القادة وفيه عن أعداد المشيعين في تلك الجنازة: كانوا ربع مليون.. بمعنى تصاعد أعداد المؤيدين لتلك الثورة. لم أفهم معنى ذاك المانشيت في العام 1973، لكنني بدأت أفهم أن الشعب الفلسطيني في مخيمات اللجوء في لبنان هم الهدف من اسرائيل وحلفائها في الداخل، وطبعاً الكثير من عسس المخبرين لديها، وربما تكون قصة اعتقال المطران المقاوم رحمه الله ايلاريون كبوجي مثال على تلك الاختراقات.

***

حلّت الحرب في لبنان في العام 75، وكان قبلها تكثيف للاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، ومنها تدمير ثلاث عشرة طائرة مدنية على أرض مطاره في بيروت، ناهيك عن مجزرة بلدة حولا الجنوبية التي نفذها الجيش الاسرائيلي العام 48 بحق مدنيين لبنانيين عزّل، وفاق عددهم المائة شهيد.

اجتاحت اسرائيل جنوب لبنان تحت مسمى عملية الليطاني في العام 1978 وكان أحد أشقائي النائب الحالي في البرلمان اللبناني ضابطاً في الجيش اللبناني في جنوب لبنان يومها فلم يتردد في قتال جنود العدو ومواجهتهم والتصدي لهم، في حين كان شقيقي الآخر بصفته طبيباً يداوي في بيروت وصول جرحى الاجتياح، والثالث في كلية الطب في تولوز في فرنسا يجمع التبرعات وينظم التظاهرات، وكان الرابع وهو الأصغر سناً وصغيراً بالعمر يحمل رشاشاً في إحدى مواقع المواجهة على الشاطئ اللبناني.

لقد كانت الخطط والمخططات لإرباك العمل الفلسطيني على الساحة اللبنانية وتكبيله، وإلهائه عن الهدف الأسمى وهو تحرير فلسطين، تمهيداً لإخراجه من لبنان هو ما حصل في العام 1982 إثر اجتياح اسرائيل للبنان واحتلاله العاصمة بيروت.. إضافة إلى سعي اسرائيل إلى تحطيم النموذج اللبناني في تنوعه الذي يتناقض مع يهودية كيانها، وفي تدميره لدوره الاقتصادي ودور مرافئه وانفتاحه، وهو ما قامت به اسرائيل سراً وعلانية على باقي اقتصادات ومجتمعات الدول العربية القريبة والبعيدة.

***

في أواخر العام 1981، أنهيت سنتي الجامعية الأولى في كلية الاعلام – فرع الصحافة في الجامعة اللبنانية، وبدأت عملي في مجلة أسبوعية، ولكنه كان كالعمل اليومي لكثافة ما كان يغلي ويجري على الساحة اللبنانية وتحديداً في العاصمة بيروت وفي جنوب لبنان.. وقد شكلت قضية فلسطين وما تزال موضوعي الأساس، والأثير إلى عقلي ووعيي ومواقفي وعاطفتي لقناعتي الثابتة أن نصيبي من الخطر الصهيوني شمل ويشمل الجميع بمن فيهم المتصالحون والمطبعون معه.

إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط غير صالح للسكن.. لأسباب مناخية!

كانت غارات الطائرات الاسرائيلية تكاد تكون شبه يومية على مخيمات اللجوء الفلسطيني في جنوب لبنان وبيروت في محلة الفاكهاني، وكنت أذهب إلى أماكن وقوع الغارات وأكتب، وأبكي وأنا أكتب.. وفي اجتياح العام 1982 بقيت في بيروت مع أسرة المجلة التي كنت أعمل فيها.. كتبت، ووصفت، وأجريت حوارات سياسية مع مسؤولين فلسطينيين ولبنانيين.. وشاهدت بأم عيني وللمرة الأولى دخول دبابات الميركافا إلى شوارع العاصمة، وكانت تطحن حديد السيارات وحجارة الأرصفة وأحواض الزهور حيث كانت تمر.. وأصابتني مجزرة صبرا وشاتيلا في صميم روحي، فبدأت بعد وقوعها بأقل من شهرين وفي ظل قانون حالة الطوارئ الممنوع بموجبه أي حديث عن تلك المجزرة الرهيبة، عملت  بتكليف من المؤرخة الفلسطينية الدكتورة بيان نويهض الحوت على تسجيل المقابلات والحصول على شهادات عناصر فرق الدفاع المدني وقد قاربوا الأحد عشر فريقاً يومها حول ما رأوه من فظائع، وقد وردت هذه المقابلات طي صفحات كتاب موسوعي لنويهض الحوت بعنوان “صبرا وشاتيلا –أيلول/ سبتمبر 1982” والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.. لكنني قرأت أيضاً بيان انسحابهم من العاصمة بيروت وفيها يطلبون عدم التعرض لهم.. كان ذلك بعد عملية الويمبي الشهيرة ضد جنودهم.. وواكبت تغطية وكتابة انسحاب قواته من منطقة الجبل تاركة الفتنة التي خططت لها خلف انسحابها.. وواكبت تغطية وكتابة انسحاب اسرائيل الأول من مدينة صيدا بوابة جنوب لبنان العام 85.. وايضاً عند انسحابها الثاني من مدينة صور وجوارها الى حيث أنشأت ما سمي بالشريط الحدودي الذي اقْتُلِعَت منه اسرائيل وعملائها العام 2000.

***

ولأن تصفية قضية فلسطين وشعبها كانت دائماً هدف اسرائيل وعقيدتها الصهيونية ورعاتها وأزلامها وداعميها، فإن الساحة اللبنانية لم تكن تهدأ، وكانت فصول حلقات التصفية  تتوالى، فكان ما يعرف بحروب المخيمات منتصف ثمانينيات القرن الفائت، والتي أوجعتني وأوجعتنا في صميم العقل والقلب. وأوقعتني في حيرة التساؤل، وأعادتني طفلة تبكي من خوفها على أهل اللجوء المُحاصرين.. لكنني كتبت، ولم أتردد في تحميل اسرائيل وزر هذه الحروب العبثية على المحرومين من أرضهم والمحرومين في ارضهم.

انقضت تلك المرحلة، وأطلت حروب مدينة طرابلس في شمال لبنان المُلتبسة والغامضة عندي إلى اليوم، ودارت يومها بين جماعة ابو عمار ومن هم ضده، وقد تسنى لي تغطية أحداث تلك المدينة وبشكل اسبوعي برغم مخاطر المرور على حواجز حلفاء اسرئيل من الميليشيات اللبنانية.. وتسنى لي يومها اجراء مقابلة مع الرئيس الشهيد ابو عمار، ومع الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد). وإلى أحداث طرابلس كانت اسرائيل ترسّخ احتلالها عبر ميليشيات وعملاء لها في جنوب لبنان وجزء من بقاعه الغربي.

إلى تلك المنطقتين كان لي ذهاب وإياب ومخاطر وكتابات وكلها منشورة في صفحات المطبوعات التي عملت فيها، من دخولي إلى منازل عملاء اسرائيل لإجراء مقابلات معهم أدين فيها  عمالتهم، وفي توثيقي لاعتداءات اسرائيل على القرى والأهالي والمخيمات، وفي توثيق صمودهم، وإجراء المقابلات مع رموزهم من القادة، ومع الأسرى المحررين من معتقل أنصار إلى إلى.. إلى الأمل الذي أطل علينا من داخل فلسطين في تلك الانتفاضة المجيدة أعوام 87 و88 و89 التي أحيت العزيمة وأعادت فلسطين وقضية شعبها إلى الواجهة العالمية.

***

إنطوت الحرب في لبنان العام 1989، وبدأت مرحلة جديدة مع اتفاق الطائف ومرحلة جديدة من السلم الأهلي.. لكن، لم يكن الأمر كذلك على الصعيد الفلسطيني، فكانت وعود مؤتمر مدريد العام 1991، فتم تكليفي وكنت أعمل في صحيفة السفير اللبنانية بمتابعة اجتماعات وزراء خارجية دول الطوق العرب المنبثق عن مؤتمر مدريد، وكانوا يتشكلون من الوفود اللبنانية والسورية والاردنية والفلسطينية (عن منظمة التحرير الفلسطينية) والوفد المصري كمراقب.

اجتمعوا إثنتا عشر مرة في عواصم بيروت ودمشق وعمان والقاهرة.. وانتزعتُ في احداها في مؤتمر بيروت ورقة غزة –أريحا أولاً ونشرتها، والتي سبقت اتفاق اوسلو المخفي عن هؤلاء المجتمعين.

لن أطيل أكثر، وعندي الكثير مما كتبت وواكبت، والمقابلات التي أجريتها مع جورج حبش وقد أبكيته في إحداها وكان ذلك في حزيران/ يونيو 1992.. وكذلك مقابلاتي مع  فتحي الشقاقي ونايف حواتمة وأحمد جبريل وفاروق القدومي وشفيق الحوت وصائب عريقات وفيصل الحسيني وعبد العزيز الرنتيسي في مرج الزهور بعد إبعاد اسرائيل أربعمائة مناضل فلسطيني الى تلك المنطقة في البقاع الغربي من لبنان في شتاء العام 1992.. والعديد سواهم.

إنطوت مرحلة وعود مؤتمر مدريد للسلام بخيبات وخيبات.. لكن على أرض جنوب لبنان وبقاعه الغربي إنطلقت العام 82 مقاومة كسرت أسطورة الجيش الذي كان لا يقهر، وأجبرته على الانسحاب من لبنان العام 2000، ولي عن هذه المرحلة الكثير الكثير مما كتبت وقابلت من قادة شهداء وقادة أطال الله في أعمارهم كي يتحقق معهم ومع شعب فلسطين العظيم تحرير فلسطين من بحرها إلى النهر كما أؤمن، ويؤمن كل الشرفاء. تحية إلى فلسطين في هذه اللحظة التاريخية.

Print Friendly, PDF & Email
منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  الأميركيون ونصرالله: رسائل، مفاوضات، ترجمات!