توثيق التفاصيل الفلسطينية.. “خزائن” و”رابر” وإعلام بديل
ROME, ITALY - JUNE 05: Palestinian girl in front of a portrait of Arafat takes part in the demonstration in solidarity with the Palestinian people with the slogan 'No to the occupation, free Palestine and Jerusalem as capital' called by Palestinian communities and associations in Italy on June 5, 2021 in Rome, Italy. (Photo by Simona Granati - Corbis/Corbis via Getty Images)

يحاول الإحتلال طمس العناوين الفلسطينية الكبيرة، لكنه يعجز عن إمتلاك التفاصيل الصغيرة. عرّفتنا المواجهات الأخيرة على أسماء أحياء وقرى وعلى وجوه ناشطين لم نكن نردّدها قبلاً: الشيخ جرّاح، أم الفحم، اللد، منى الكرد، طارق البكري، لتصبح مواكبة نشاطهم والتنقل معهم بين القنابل والمعابر، جزءاً من يوميات المنصات الالكترونية.

يتصدّر حي الشيخ جراح في القدس المشهد الفلسطيني. هو عنوان التصدي للتهجير القسري لسكان الأرض من قبل المستوطنين. في داخل الحي نفسه يوجد مشروع يواجه بأسلوب مختلف. إنه “خزائن” لتوثيق الذاكرة  الفلسطينية.

خزائن” هي أرشيف مجتمعي يوثق الحياة اليومية، “يسعى لحفظ المنشورات اليومية وإتاحتها، من وثائق، ملصقات، مطويات، اعلانات وكل قصاصة ورق احتفظ بها”، بهذه الكلمات يعرّف المشروع عن نفسه. ليس توثيقاً للماضي فحسب، وإنما “آلاف المنشورات تضيع يومياً وستكون ضرورية للأجيال القادمة ولباحثي المستقبل لدراسة وفهم التفاعلات الاجتماعية في بلادنا”.

يوضح فادي عاصلة، مؤسس أرشيف “خزائن”، والمتطوع حالياً كمستشار أكاديمي للمشروع، أن الفلسطينيين كانوا مهنيين جداً “ففي إطار التوثيق الأرشيفي، يمكن الجزم أن الملفات الفلسطينية المحفوظة في الأرشيف الإسرائيلي، والتي تم إختلاسها خلال نكبة العام 1948، تدل بوضوخ على حس أرشيفي عالٍ لدى الفلسطينيين”.

تَنبّه الإحتلال إلى أهمية محاصرة أي مبادرة تهدف لحفظ الذاكرة الفلسطينية، ويقول مؤسس “خزائن” إن الإحتلال “يعمل ضمن أذرع وتدخلات مختلفة، سواء في المؤسسات التعليمية أو في الحيزات الاجتماعية والثقافية والسياسية. يعمل مباشرة على تحريفها والسيطرة عليها بحيث يتحول الإحتلال إلى الراعي المباشر للذاكرة الفلسطينية، وثمة عشرات المؤسسات الإسرائيلية التي تعمل اليوم لرعاية نشاطات مرتبطة بالذاكرة أو بالثقافة الفلسطينية”.

يشير فادي عاصلة، إلى أن الضغوط التي يتعرض لها العاملون في الذاكرة الفلسطينية هدفها استيعابهم والحد من استقلاليتهم، من خلال تجفيف وخنق مصادر التمويل والتبرعات التي تصل إلى المؤسسات الفلسطينية ودفعها إلى أحضان الصناديق “الإسرائيلية” بهدف دمج المؤسسات الفلسطينية ضمنها، لحرف خطابها والسيطرة عليها.

خلال السنوات الأخيرة، استطاع الإحتلال التأثير على سياسات الاتحاد الأوروبي وعلى العديد من صناديق التمويل التي باتت تفرض شروطاً وأجندات لا تقبلها المؤسسات الفلسطينية، مما قلّل فرص الاستفادة من التمويل ووضع المؤسسات الفلسطينية ـ وبالذات في القدس ـ “في حالة مالية قاسية، فالكثير من المؤسسات أغلقت أبوابها، ومن لم يغلق أبوابه اضطر إلى تقليص مساحات العمل”، يقول عاصلة، ويشير إلى أن “خزائن”، وكجزء من هذه الحالة، رفضت الانخراط في العديد من مشاريع التمويل، وبالتالي، إعتمدت في 80 % من نشاطاتها على المتطوعين.

“مواقع التواصل الاجتماعي فرضت نفسها على الاعلام من دون أي حواجز” يقول يوسف حسني، مضيفاً أن التفاصيل تختفي أحياناً وراء الضوء، فوراء الشهداء والجرحى، قصص وحكايات لأمهات واطفال خسروا ذويهم مما سينعكس على حياتهم

نحو شمال غرب القدس، وتحديداً إلى مدينة اللد، يحدثنا مغني “الراب” تامر نفار عبر تطبيق “زوم”، من داخل سيارته. حوار من “نافذة افتراضية” إلى نافذة تظهر من خلالها بعض ملامح المدينة وهو يتجول في شوارعها. الفن جزء من عملية التوثيق ونقل صورة الواقع، وخاصة بأسلوب غناء مختلف عن الغناء التقليدي، وهو من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي لنقل الصوت الفلسطيني ورسالته.

يتحدث تامر نفار عن الاحداث الاخيرة قائلاً “المواجهات الأخيرة في فلسطين ليست مفاجأة. هي نتيجة تراكم من العمل بعيداً عن الإعلام”، ويأخذ على الإعلام العربي غيابه عن الشارع الفلسطيني، ويقول “أعمالي الغنائية تشكل نموذجاً، فقد سافرت إلى العديد من الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية، وشاركت مع أهم مغني الراب في العالم. الغرب يعرفني، بينما وسائل الاعلام العربية لا تعطي أهمية كبيرة لنا والحجة الدائمة هي الجنسية الإسرائيلية”، يتابع قائلاً “هل سمعتم باسم غير الفنان الفلسطيني محمد عساف خلال السنوات الاخيرة، كم عدد اسماء الكتاب والصحفيين من الداخل الفلسطيني الذي يعرفهم العرب، والآن مع التطبيع سوف يزداد تهميشنا أكثر فأكثر”.

يتخوف “الرابر” الفلسطيني من المرحلة اللاحقة. يعتبر أنه لو وصلنا إلى تحرير كل فلسطين، ماذا نملك للمستقبل؟ في الداخل ليس هناك عمل منظم، “لا نملك نقابات تدافع عنا أو مؤسسات، الجهود كلها فردية”. يصف الواقع قائلاً “لدينا نسبة جريمة مرتفعة، وهو ما يدفعني للتفكير بأن ما نحتاج للعمل عليه في المرحلة الحالية هو التفكير بالاشياء البسيطة، لا الاحلام الكبيرة، مجرد أن نساهم ببناء النقابات والمؤسسات، أنا كفرد يمكنني التأثير ضمن الدائرة الصغيرة”.

قصف الأبراج في غزة كان دلالة واضحة على رغبة الإحتلال بتدمير أي أداة لنقل صورة غزة. هذا ما يردده الصحافي الفلسطيني يوسف حسني المختص بالاعلام البديل. لا يكتفي الإحتلال بتدمير المكاتب الصحفية، “هو يقتل الصحفيين مثل ما حدث في مسيرات العودة بمقتل الصحفي ياسر مرتجى وأحمد ابو حسنين، وفي الضفة الغربية باستهداف الصحافيين بالرصاص المباشر ومنع وصولهم إلى تغطية الاحداث وصولاً إلى إستهداف الزميلة جيفارا البديري مؤخراً”. يعتبر يوسف حسني أن الاعلام البديل فرض على العالم كله مشاهدة جرائم الإحتلال من خلال التجربة الفريدة من نوعها للصحافيين الشباب والعديد من الناشطين الشبابين المؤثرين.

إقرأ على موقع 180  هَرِمنا.. في إنتظار جيل عربي أكثر حكمة

كسر الفلسطينيون نمطية الصورة. مزجوا بين الاعلام التقليدي والفضاء الرقمي واستفادوا من اللغة الاجنبية وليس فقط اللغة العربية، “الإعلام الدولي ما زال مقصراً وينحاز إلى الرواية الإسرائيلية، والفلسطيني ما زال في مرحلة التحرر، مواقع التواصل الاجتماعي فرضت نفسها على الاعلام دون أي حواجز” يقول يوسف حسني، مضيفاً أن التفاصيل تختفي أحياناً وراء الضوء، فوراء الشهداء والجرحى، قصص وحكايات لأمهات واطفال خسروا ذويهم مما سينعكس على حياتهم.

يتمنى الناشطون ألا تكون فلسطين مجرد “ترند”، ينتهي في وقت قصير، ولا تضيع المكتسبات في خضم الأخطاء وصراعات الفصائل، إنما المطلوب هو الاستمرار بالعمل ورفع الصوت، خاصة أن الإحتلال سيزداد وحشية بأضعاف ما سبق، فلا قبضته الحديدية قتلت الذاكرة في الجيل الجديد، ولا القبة الحديدية أعطته ثقة بأمنه واستقراره.

Print Friendly, PDF & Email
وسام عبدالله

كاتب وصحافي، سوريا

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  النظام العربي الرسمي يراقب المشهد اللبناني.. وينتظر