أربع عقد كبيرة تواجه مفاوضات فيينا.. النووية
Iranian Foreign Minister Mohammad Javad Zarif (C) arrives for the welcome ceremony of Venezuelan President Nicolas Maduro at the Saadabad Palace in Tehran on January 10, 2015. Maduro arrived in the Iranian capital the previous day for a 24-hour visit during which he will meet officials from fellow OPEC member Iran to discuss plunging oil prices, state television said. AFP PHOTO/ATTA KENARE (Photo credit should read ATTA KENARE/AFP via Getty Images)

عاد الحديث عن عقد مستعصية في مفاوضات فيينا تحول دون إنجاز تفاهم نووي بين إيران والولايات المتحدة. ما هي طبيعة العقد التي تعيق الإعلان عن إتفاق شامل من وجهة النظر الايرانية ولماذا تصر ايران على رفع العقوبات كاملة؟

يشرح الباحثان الإيرانيان مسعود براتي وحامد ترابي، وهما خبيران متخصصان في ملف العقوبات الإقتصادية الأميركية على ايران، في دراسة لهما، هذه العقد بشكل مفصل، إنطلاقاً من خشية إيرانية من إستعاضة أميركا عن العقوبات النووية التي سوف ترفعها بعقوبات أخرى تمنع ايران عملياً من الإستفادة من رفع العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها. ويمكن تلخيص المخاوف الايرانية بأربعة عناوين هي الآتية:

أولاً؛ العقوبات المعروفة باسم “العقوبات المصرفية الثانوية”:

“العقوبات المصرفية الثانوية” تساهم في الحد من إمكانية ايران على اجراء التبادلات المصرفية الخارجية واستثمار أموالها في الخارج، وفي حال الإبقاء عليها، لن تتمكن ايران من الإستفادة من ثمار الإتفاق المحتمل مع الغرب، فأي مؤسسة مصرفية أو مالية في العالم ستجري مبادلات مالية لصالح أشخاص أو مؤسسات إيرانية مدرجة في قائمة العقوبات المصرفية الأميركية ستُمنع من الوصول إلى السوق والنظام المالي الأميركي.

في إتفاق عام 2015، إكتفت الولايات المتحدة بحذف عدد كبير من المؤسسات والأفراد الايرانيين من قائمة “العقوبات المصرفية” وأبقت على ما يقارب 200 مؤسسة وشخصية ايرانية في تلك القائمة، قبل أن تبادر إلى توسيعها لاحقاً لتشمل عدداً من المؤسسات والشخصيات الايرانية بذرائع مختلفة من قبيل ملف الصواريخ الإيرانية ومكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان إلخ.. وأعلنت واشنطن، حينذاك، أن أي مؤسسة تجري عملية تبادل مالي مباشرة أو غير مباشرة مع هذه المؤسسات تُمنع من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. لذلك نرى أن المصارف الكبيرة تخشى من أن خرق نظام العقوبات المصرفية الثانوية الأميركية قد يُعرضها إلى عقوبات وغرامات مالية كبيرة تمنعها من الوصول إلى السوق والنظام المالي الأميركي، ولذلك ترفض التعامل مع البنوك الايرانية. كما أن أكبر البنوك العالمية بادرت إلى اتخاذ قرار بعدم فتح حسابات مصرفية للمواطنين الايرانيين بعد إتفاق العام 2015، ومن بينها HSBC، بنك كامرز، بنك داتش وبنك سوسيتي جنرال وبنك RBS وهذه كلها قالت بعد إتفاق عام 2015 أنها غير مستعدة لإجراء تبادلات تجارية مع ايران.

ما لم ترفع “العقوبات المصرفية الثانوية” كاملة وتلغى الشروط التي تقوض تبادلات البنوك الايرانية مع المؤسسات المالية الدولية، لن تتمكن إيران من استخدام أرصدتها المالية المجمدة في البنوك الخارجية، أي مكانك راوح!

إذا لم تسفر مفاوضات فيينا عن قرار أميركي برغع “العقوبات المصرفية الثانوية”، فإن ايران ستستمر بمواجهة مشاكل حقيقية على صعيد التبادلات المصرفية وفي الحصول على أموالها الموجودة في الخارج وبينها أموال النفط.

في المحصلة يمكن القول في هذه النقطة أنه ما لم ترفع “العقوبات المصرفية الثانوية” كاملة وتلغى الشروط التي تقوض تبادلات البنوك الايرانية مع المؤسسات المالية الدولية، لن تتمكن إيران من استخدام أرصدتها المالية المجمدة في البنوك الخارجية، أي مكانك راوح!

ثانياً؛ منع إستخدام الدولار في التبادل التجاري أو تحويله إلى عملة أجنبية أخرى:

أحد التحديات الجادة التي واجهتها ايران بعد الإتفاق النووي عام 2015، منع ايران من استخدام الدولار في التبادلات التجارية والمالية، وهذا القرار كان إتخذه الأميركيون اعتباراً من العام 2008 عندما مَنعوا ايران من استخدام الدولار في تبادلاتهم التجارية حتى ولو بشكل غير مباشر، وهذا الأمر استمر حتى بعد توقيع الإتفاق النووي عام 2015 وحرم ايران من الحصول على أموالها المجمدة في البنوك الخارجية، ذلك أن جميع عائدات ايران النفطية هي بالدولار ولكي تتمكن ايران من استثمار هذه الأموال في تبادلاتها التجارية كان لزاماً عليها تبديل الدولار إلى اليورو أو الريال العماني أو أي عملة أجنبية أخرى، وهذا الأمر أيضاً لم يكن متيسراً على اعتبار أن قانون العقوبات الأميركية يمنع ايران من استخدام الدولار في التبادل التجاري بشكل مباشر أو غير مباشر (تبديل الدولار إلى عملة أجنبية أخرى).

ثالثاً؛ قانون جاستا:

سنّ الكونغرس الأميركي “قانون جاستا” بعد عدة أشهر من وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في مطلع العام 2017، وصادق ترامب عليه في آب/ أغسطس من العام 2017. وحسب هذا القانون، تم فرض عقوبات على الحرس الثوري والمؤسسات التي قال الأميركيون إنها مرتبطة بمؤسسة الحرس (البنك المركزي الايراني، صندوق التنمية الوطني، بنك ملت، بنك سينا، بنك بارسيان وعدد كبير من المؤسسات الإقتصادية الايرانية)، وكانت النتيجة اتساع نطاق قائمة العقوبات الأميركية على ايران وهذه المرة تحت مسمى “الإرهاب”، حيث أن أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع الحرس الثوري يؤدي إلى إدراج البنك أو المؤسسة المعنية في قائمة العقوبات الأميركية.

هذه العقبة لا يمكن تجاوزها إلا من خلال حصول إيران على ضمانات معينة تلتزم بموجبها أميركا بثبات الإتفاق النووي المحتمل بما يضمن عدم خروج أميركا منه بشكل أحادي الجانب، كما حصل في عهد ترامب

والمفارقة اللافتة للإنتباه أن معظم هذه المؤسسات الايرانية كان قد تم حذفها من قائمة العقوبات الأميركية بفعل الإتفاق النووي عام 2015، لكن تم إدراجها مرة أخرى في قائمة العقوبات الأميركية بفعل “قانون جاستا” (2016)، وأي مؤسسة مصرفية أو مالية أجنبية تتعامل مع هذه المؤسسات كانت تتعرض للعقوبات الأميركية.

إقرأ على موقع 180  "جنرالات إسرائيل".. أفول الأدوار السياسية!

لذلك يمكن القول إنه من دون تقديم ضمانات لعدم إعادة وضع هذه المؤسسات على قائمة العقوبات الأميركية، لن تتمكن ايران من إجراء تبادلاتها المالية بالشكل المطلوب، لأن البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية سوف تخشى عدم تمديد الإعفاءات المؤقتة بعد إنتهاء فترة تعليق العقوبات (كان يجري تعليقها أحياناً لمدة 180 يوماً)، ولذلك كانت تتجنب إجراء صفقات طويلة الأمد مع ايران، ولذلك أيضاً يمكن القول إن هذا القانون هو أحد أهم العقبات التي تمنع ايران من حصد ثمار الإتفاق المحتمل مع الغرب.

رابعاً؛ تجربة خروج أميركا من الإتفاق النووي:

إذا إفترضنا أن العقبات السابقة غير موجودة كلها فإن تجربة خروج أميركا من الإتفاق النووي (2018) وإعادة فرض العقوبات بحد ذاتها كافية لتحول دون استفادة ايران من الإتفاق المحتمل مع الغرب، لأن البنوك والشركات العالمية تدرك أن أميركا يمكن أن تخرج مرة ثانية من الإتفاق النووي في أي وقت تشاء وبالتالي تعيد فرض العقوبات الإقتصادية على ايران، ما يعني أنها ليست مستعدة للمخاطرة وإبرام أي صفقات طويلة الأمد مع ايران.

الإتفاق النووي بحد ذاته لم يكن كافياً لإقناع البنوك والشركات العالمية بالتعامل مع ايران لأن هذه المؤسسات كانت تدرك أن أميركا يمكنها الخروج من الإتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على ايران، وهذه العقبة تعذر التوصل إلى حل لها في مفاوضات فيينا حتى الآن.. وإذا بقيت عالقة فإنها تحرم ايران من الحصول على استثمارات أجنبية طويلة الأمد.

هذه العقبة لا يمكن تجاوزها إلا من خلال حصول إيران على ضمانات معينة تلتزم بموجبها أميركا بثبات الإتفاق النووي المحتمل بما يضمن عدم خروج أميركا منه بشكل أحادي الجانب، كما حصل في عهد ترامب.

خلاصة:

ثمار الإتفاق النووي 2015 التي تطالب طهران بالحصول عليها هي في أن تتمكن ايران من إجراء تبادلاتها التجارية مع الخارج من دون أي قيود وأن تتمكن الشركات والمستثمرون الأجانب من الدخول إلى الأسواق الايرانية من دون أي قيود أو خشية من إمكانية عودة العقوبات وأن تتمكن طهران من إجراء تبادلاتها المالية بالدولار أو أي عملة أجنبية أخرى من دون أي قيود، ولذلك تصر إيران على ضرورة أن يضمن الإتفاق المحتمل في فيينا رفع كافة العقوبات وإلا فإن إقتصاد ايران سوف يبقى مجرد لعبة بيد أميركا.

Print Friendly, PDF & Email
طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  البابا في عراق على درب جلجلة أبدية