ساسة لبنان يحتقرون فقراءه أيما احتقار!

يُمعن ساسة لبنان وزعماء طوائفه في محاولات شراء الوقت قبل الارتطام الكبير. كانوا يشترون السنوات هروباً من الاصلاحات المقرة نسبياً منذ مؤتمرات باريس لدعم لبنان قبل 20 سنة، والآن يشترون الأشهر انتظاراً للانتخابات النيابية بعد أقل من سنة على أمل تجديد الثقة بهم.. ومن بعدهم الطوفان.

بعدما بدّد 65 ملياراً من الأموال التي اودعتها المصارف لديه، ها هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة اليوم برعاية حماته السياسيين يتمسك بـ 15 ملياراً مانعاً المساس بما يسميه “الاحتياطي الالزامي”، رامياً بكرة النار في وجه حكومة حسان دياب المستقيلة لتتدبر أمرها في الغاء وترشيد دعم عدد من السلع الأساسية مثل الدواء والغذاء والوقود، غير عابئ بارتفاع الأسعار اضعافاً مضاعفة في وقت قياسي يجرف ما تبقى من قدرة شرائية زهيدة لدى شرائح واسعة من المواطنين .

في الأثناء، يتمادى الساسة في ممارسة ألاعيبهم الشعبوية المفضلة في بيع الناس وعوداً عرقوبية لا تغني ولا تسمن من جوع بات ربيب 500 ألف أسرة وعلى أبواب 500 ألف أخرى. فمن أين يأتون بكل هذا الخبث السياسي المحتقر للفقراء؟

فن تبديد المليارات

في بداية الازمة كان لدى مصرف لبنان نحو 33 مليار دولار من العملات الأجنبية. تسرب منها تباعاً في 21 شهراً نحو 9 الى 10 مليارات للدعم، علما بأن البنك الدولي كان قدّر الكلفة السنوية بنحو 3.4 مليارات فقط سنوياً اذا ذهب الدعم الى مستحقيه دون غيرهم من الميسورين ومن دون تهريب. أما الباقي، اي نحو 7 الى 8 مليارات فخرجت من البلاد في وقت حال فيه نفس الساسة دون اقرار قانون ضبط التحويلات (كابيتال كونترول). فبعد تهدئة شارع انتفاضة 17 تشرين/اكتوبر 2019 برشوة الدعم وأساليب أخرى، وتمكين نافذين من تهريب ملياراتهم، وحماية المصرفيين من ضرورة تحمل مسؤولياتهم، عاد سلامة وحماته الى استحقاق رفع الدعم بحجة حماية اموال المودعين.

لا رأي لمن لا يطاع

كان حسان دياب يريد ازاحة سلامة ففشل مسعاه “الساذج” فشلاً ذريعاً، ثم سقطت خطته “الناقصة” للانقاذ المالي بضربة سهلة قاضية تلقاها من لجنة المال والموازنة بقيادة النائب ابراهيم كنعان ممثل الاوليغارشية الكليبتوقراطية بامتياز في لبنان. وفي الحلقات الأخيرة من مسلسل فشل حكومته، أراد دياب عدم المساس بالدعم، رحمةً بالفقراء كما يقول، فاسقط ما بيده أيضاً، لا بل هو صفر اليدين أمام تعنت سلامة ومسايرة الطبقة السياسية، على تناقضاتها، له.

لقد وضعوا نحو 800 الف مودع في مواجهة 3 الى 4 ملايين فقير ومرشح للإفقار. إذ ليس صدفة اعلان بدء السماح بسحب 400 دولار نقداً بالعملة الأميركية إلى جانب قيمة مماثلة بالعملة الوطنية على سعر 12 الف ليرة للدولار

ففي لبنان لا رأي لمن لا يطاع، إذ على الحكومة القبول بخفض دعم الدواء بنسبة 50 في المائة تقريباً، وتقديم طلب اقتراض من مصرف لبنان لقاء النصف الآخر.. وعليها التحضير لالغاء الدعم تدريجياً عن المحروقات وتكبد عناء تجديد طلب الاقتراض من مصرف لبنان لتأمين وقود الكهرباء من دون ضمان الحصول على المال اللازم في الوقت المناسب.

اذهب انت وربك.. وقاتلا!

ولزيادة النكد، على حسان دياب الآن تنفيذ قانون أقره مجلس النواب بشأن بطاقة تمويلية بقيمة 566 مليون دولار تخصص لنحو 500 الف اسرة فقيرة بمبلغ 93 دولاراً للأسرة، على ان يفتش عن قروض اضافية (من البنك الدولي ربما) وقالوا له: “اذهب انت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون”، شاهرين سيف ضرورة العودة الى مجلس النواب لاقرار اي قرض جديد، ومحذرين من مجرد التفكير المنفرد باستخدام مبلغ 900 مليون دولار قد يحصل عليها لبنان من صندوق النقد الدولي في ايلول/ سبتمبر المقبل. كل ذلك بتوافق نادر بين مختلف الكتل السياسية تنفيذاً لأوامر رياض سلامة فقط لا غير.

وما سبق ليس الا ذر رماد في عيون فقراء لبنان. لأن بشارة البطاقة التمويلية خادعة في الشكل ومريبة في المضمون، ودونها محاذير.

مودع  مقابل فقير

لقد وضعوا نحو 800 الف مودع في مواجهة 3 الى 4 ملايين فقير ومرشح للإفقار. إذ ليس صدفة اعلان بدء السماح بسحب 400 دولار نقداً بالعملة الأميركية إلى جانب قيمة مماثلة بالعملة الوطنية على سعر 12 الف ليرة للدولار. ولإبراء ذممهم المثقوبة تجاه المودعين يرفعون بوجه المجتمع بأسره سلاح الغاء الدعم بدلاً من اصلاح عيوبه وتوجيه منفعته حصراً الى الفقراء المعدمين. سوّقوا حجة عدم المساس بالاحتياطي الالزامي لتمرير أسوأ ما يمكن أن يحصل منذ اندلاع الأزمة، أي الإفقار الممنهج لشرائح إضافية من المجتمع.

بطاقة تخديرية

ففي الوقت الذي ينفذ رياض سلامة تهديداته القاسية ويقفل حنفيات الدولارات المدعومة تدريجياً، مرّر الطابة الى السياسيين، وبتواطؤ منهم معه، ليمارسوا لعبتهم المفضلة باطلاق الوعود المخدرة. فالقانون الذي أُقر لصرف 566 مليوناً للفقراء لا يقل في وهمه وهماً عن وعود سداد الودائع لأصحابها على “داير مليم” من دون ذكر مدى استدامة مصادر الدولارات ولا ضمان المدى الزمني لرد الودائع الصغيرة والمتوسطة الى اصحابها، ولا العبء بالآثار الجانبية لذلك مثل سعر صرف الدولار المتفاقم في السوق الموازية. اما طبع الليرة فيسابق الريح بزيادة الكتلة النقدية المتداولة 600 في المائة في أقل من سنتين تخللهما هبوط في قيمة العملة بنسبة 90 في المائة تذهب حصراً من قيمة رواتب صغار الكسبة بالليرة.

مجلس الشعبويات الفارغة

وقال مجلس النواب للحكومة المستقيلة ان عليها البحث مع البنك الدولي عن قروض تغطي قيمة البطاقة التمويلية، وان عليها العودة اليه لاقرار اي قرض جديد. لكن النواب اغفلوا انهم هم انفسهم عرقلوا نسبياً صرف قرض للأكثر فقراً قيمته 246 مليوناً من البنك الدولي بعدما ادخلوا تعديلات شعبوية على شروطه، وبعدما حاول مصرف لبنان الحصول على دولارات القرض ليقوم هو بالصرف “على كيفه”. ويراوح ذلك القرض في اللامكان واللازمان منذ 6 اشهر على الأقل في ظل تخبط وزارة الشؤون الاجتماعية في كيفية انجاز قوائم المستفيدين منه.

الفقر إزداد حتماً ووصل وفقاً لمعظم التقديرات الأولية الى ما بين 70 و75 في المائة من السكان أي نحو 3.7 ملايين نسمة في 900 الف الى مليون أسرة

ولم يحدد القانون الجديد المعايير المطلوبة ليستطيع الفقيرالحقيقي من الافادة من البطاقة تاركاً ذلك لحكومة فاشلة مهيضة الجناح تتخبط منذ أشهر في قرض لا تعرف كيف تصرفه ومتى؟ فاذا بها الآن أمام جهد مضاعف مطلوب منها لشمول 500 الف اسرة اضافية بمال “موهوم” لا تعرف كيف توفره بعدما شطب مجلس النواب من مشروع القانون عبارة تسمح بالاقتراض من مصرف لبنان!

إقرأ على موقع 180  هل يُصبح حسان دياب رئيساً للجمهورية؟

البنك الدولي بخدمة الزعيم

ويمني “الزعماء” انفسهم بأن البنك الدولي سيمنح لبنان قروضاً اضافية (غب الطلب!) لمواجهة تمويل البطاقة من دون مصارحة الناس بطول روتين التفاوض والشروط والاقرار والتنفيذ والمراقبة وفق معايير دولية هي اليوم اكثر صرامة من ذي قبل بسبب اتهامات الفساد التي توصم ساسة لبنان وقادته وتلوكها ألسن من حول العالم أجمع، وتنبث بها شفاه القاصي والداني من دون أن يرف لزعماء لبنان اي جفن، كأن المعني بالاتهامات “راجح”، شخصية الأزعر الوهمية التي اخترعها الرحابنة ذات يوم من ايام لبنان الخوالي.

والانكى أنهم يقترحون تحويل قرض من البنك الدولي مخصص للنقل الى رصيد البطاقة التمويلية، متجاوزين حقيقة أن ذلك القرض يراوح مكانه منذ العام 2016 ويريدون، بشطبة قلم، “تشريج” البطاقة بقيمته كأن “البنك الدولي يشتغل عندهم”، برغم علمهم أن البنك ـ كما صندوق النقد ـ يرفض أصل البطاقة التمويلية ويفضل أن يندرج ما يمكن أن يقدمه مستقبلاً في خانة برامج الدعم الإجتماعي، ووفق آليات مختلفة.

الفقر المتدحرج سريعاً

 في موازاة تلك الألاعيب والوعود الخلبية، يسابق الفقر الريح. ففي تقرير لمنظمة “الأسكوا” صادر قبل أكثر من سنة وردّ ان اللبنانيين الذين وقعوا بين الفقر والفقر المدقع وصلت نسبتهم الى 55 في المائة من اجمالي السكان، اي نحو 2.7 مليون نسمة. في ذلك الحين كان سعر صرف الدولار بين 4 و5 آلاف ليرة، بينما هو اليوم بين 17 و18 الف ليرة، ما يعني أن الفقر إزداد حتماً ووصل وفقاً لمعظم التقديرات الأولية الى ما بين 70 و75 في المائة من السكان، أي نحو 3.7 ملايين نسمة في 900 الف الى مليون أسرة. بينما حسابات الحكومة ومجلس النواب تتحدث عن 750 الف أسرة فقط يتوزع سداد رمق عوزها بين قرض البنك الدولي للأكثر فقراً وقرض مماثل من الاتحاد الاوروبي بالاضافة الى البطاقة التمويلية الجديدة.

واذا سلّمنا جدلاً ان البطاقة العتيدة ستجد من يمولها، سيبقى 150 الى 250 الف اسرة فقيرة بلا اي معيل اليوم، وخصوصاً غداً مع تدهور سعر صرف الليرة باتجاهات سحيقة جديدة، لا سيما وان 75 في المائة من الموظفين والمتقاعدين تراوح رواتبهم بين الحد الادنى للأجور و3 ملايين ليرة شهريا (بين 43 و171 دولاراً باسعار الدولار الأسود اليوم) . فما يعتقده الساسة صحيح في هذه المرحلة  يتجاوزه الزمن غداً بسرعة قياسية في موازاة ترشيد دعم المحروقات ثم الغائه بعد الغاء دعم السلة الغذائية وترشيد دعم الدواء. واذا صحّ تهديد وعد الغاء دعم البنزين والمازوت بعد 3 اشهر، فان الطامة اكبر لا محالة. فسيكون أمام الأسرة دفع 2.2 مليون ليرة لهذا البند فقط على اعتبار ان معدل استهلاك البنزين 5.3 صفائح للأسرة شهرياً، والمازوت 6.3 صفائح بالاضافة الى قارورتي غاز، بينما لا تتجاوز قيمة البطاقة التي قد يحصلون عليها مبلغ 1.6 مليون ليرة فقط.

موعدنا الانتخابات المقبلة

ما سبق يدفع السياسيين الى التيقن بأن الفرصة لم، ولن، تفلت من ايديهم عشية الانتخابات النيابية. سيتركون الاستحقاقات تتأجل عدة اشهر بحيث يجعلون الناس ترضى قبل نهاية العام بأي شيء مهما كان ضحلاً حد الإذلال. فكما قبلوا حجز ودائعهم وتقتير سحبها بالفتات المضمحل، وتعايشوا مع فقدان ليرتهم 90 في المائة من قيمتها، وقبلوا الغاء دعم السلة الغذائية، ورفع اسعار المحروقات والوقوف في طوابيرها ساعات وساعات، وتعودوا على نقص الدواء وحليب الاطفال وزيادة تقنين الكهرباء. فانهم سيقبلون في نهاية المطاف ببطاقة 93 دولاراً حامدين شاكرين سائرين صاغرين الى صناديق الاقتراع لمنح اصواتهم لمن منّ عليهم بتلك البطاقة الوضيعة التي لا تغني ولا تسمن من جوع لكنها مباركة كل البركة من صدقات الزعيم المفدى.

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  رحلة النفط اللبناني من 1920 إلى 2020