في وداع وسام متّى.. رحيل بلا تذكرة!

غادرنا البوسطجي وسام متّى باكراً جداً، من دون عبارة أو إشارة. فقط هكذا، غادر وكفى.. على طريقته، وهو العبثي الأول بإمتياز!

شاءَ وسام أن يترك الباب خلفهُ مفتوحاً على الكثير من الأسئلة التي اعتاد طرحها، كلما تأهّب المؤمنون إلى استحضار اليقين في مواجهة الشك. وكما قالت الشاعرة الروسيّة المفضلة عنده أنّا أخماتوفا (1889-1966): “مثلما ينضجُ المستقبل في الماضي/ يتعفن الماضي في المستقبل، إنّه مهرجانٌ كئيب من الأوراق اليابسة”. بدا وسام مولعاً بقراءة هذا المهرجان البائس، ميّالاً إلى نوعٍ من اليأس الذي يصعب رصدهُ بأدوات الحاضر البسيطة. ومهجوساً بالاستغناء عن الثقة التي يدلقها البعض في صدامهم مع الواقع، وأقرب ما يكون إلى حالة مكينة من التحرّي المزمن خلف كل شاردةٍ مكتفية بوفائها المزعج للاختصار. كأنّه إذ ذاك؛ لا يجدّف حتى يبلغ الضفة، وإنّما لكي يعاند الريح ويستحوذ على السبيل.

***

رحل وسام متّى زميلنا في “180 بوست”، حاملاً معهُ لبنانهُ الذي لم يُولد بعد، آخذاً إلى جانبه أحلامهُ بأشياء كثيرة لم تعد الدنيا تسنحُ بها بعدما ضاقَ سبيل العيش على المُتعبين، وباتَ التمسك بأملٍ هشّ لا يرقبُ فيّنا ضعفاً أو مذلة درب المتألّمين إلى يأسٍ متوقّع. هكذا خلّف وسام لبنانهُ من دون أن يمنح لأبناء وطنهِ لبنانهُ الخاص الذي ينحتهُ على مهلٍ؛ بأنامل فنانٍ شغوفٍ بما لا يحدث عادةً إلا لكي يتلاشى تالياً ويتذرّر سريعاً بعد رحيل الدهشة. ذلك الـ”لبنان” الذي يخلوّ من فاسدين ووصولييّن وانتهازييّن.. وحقيرين أيضاً.
لم يكن الزميل حسين أيوب يتأخّر في إخباري بتطوّرات الوضع الصحي لوسام، بعد أن دخل المشفى متأثراً بنزيف مخاتلٍ في قشرة الدماغ. في بادئ الأمر بدا أنّ وسام قد قاومَ كثيراً واجتازَ تلة الخطر بأناةٍ وصبر، ولم يتبقَ لهُ سوى القليل من العناية الطبيّة وتحمّل هسّهسات المباضعِ في الغرف المجاورة، وقرقعة الأحذية في الردهة النحيفة جهة الباب الموارب، ويخرج بعدها إلى لبنانه الخاص، المختلف كثيراً عن لبنان غيره العمومي. ذاك الذي باتَ تحت أقلام الكثيرين؛ عنواناً غامضاً بلا أسارير واضحة ومعنىً وافراً لتشظّيّ الهويّات الصغرى، وتحوّل الكيانات الأصغر إلى دولٍ ضيقة بتخومٍ كثيرة وحدود عديدة.
لم تمهل المستشفى وسام طويلاً، بلّ إنّها مثل كل شيّء باردٍ ومهذار في الدنيا، تعتقل الكثير كما تُفرج عن الكثير. يخرج من غرفها الناس لكي يعودوا إلى أهلهم، ويتحرّر من برّاداتها آخرون لكي يرحلوا عن غيرهم. إنّها أشبهُ بكائنٍ إسمنتيّ طليق الجهات، تفوّق على الجماد فقط، لكي يثبتَ نجاعته في المنح ويؤكد مقدرته على المنع!

***

لوسام أحلامٌ كثيرة. يافعة ومُسنّة، طويلة وقصيرة، مديدة ومقتضبة. كان لزمانهِ حياةً تتلوّها حياة. لم يكن يتردّد في التعبير عن يأسه بالسخريّة وعن فرحهِ بالتسلية. وعندما لا يجدُ سبيلاً للتّفكّه حالَ انحسار البدائل؛ لم يكن يتوانى عن جعل نفسه موضوعاً لغيره. كأنّه بذلك، يطمس الحدود بينهُ وبين من يقابلهُ. فيشعر من بقي ممّن يتحمّلون التسالي، بأنّ عليه أن يشاطره في لعبة التشفّي في القلق بالضحك والتكنّي بالخيال محل الحقيقة والتوسّل بالابتسام درءاً للتجهّم والامتعاض.

يرحل وسام تاركاً وراءه، مشاريع لا تنتهي دائماً بما يحبّ. لم يشف َخلالها من احتجاب “السفير”. فالصباحات الكثيرة التي تتمدّد في شوارع بيروت، باردةٌ ومعتدلة، تسكنُ المعنى الذي يتناهى إلى ذهنه قبل أن يعتقلهُ في جملٍ حصينة. تماماً، كما تسكن ليالي بيروت في قلمهِ، قبل أن يرصدها محرّر حصيف ويلتقطها قارئ لبيب.
يستحيل الوطن في عُرف وسام إلى أرضٍ نحلم بها، ولأجلها ندبّج القصائد من دون هوادة، يتمثل في ذلك بما كان يعتقده الفيلسوف الهندي سانت دنيانيشوار: “إنّ هذا الكون هو موطني وكل العالم هو بيتي”.
هكذا من دون مقامٍ ولا أرض ولا عالم، كما كنت دوماً حرّاً وعابراً ومتعجّلاً. على أن يكون وداعك مفاجئاً كقصيدة تهبّ على شاعر يائسٍ من ذبول القريحة أو وحيّ يتجلّى في غيمة قصيّة أمام نبيّ معذّب..
تصبح الكلمات في حقك قليلةٌ حتى لو كثرتْ، والعبارات أمام رحيلك مثل ثريد الفقراء، ضئيلٌ، لكنّه يتثنّى على الجانبين كأنّه لا يريد أن ينتهي.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  10 ملاحظات على "الحياد الناشط": الراعي وعقدة التاريخ!
ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  حتى يكون المواطن شريكاً في القرار البيئي