وسام المسحور بالصحافة.. المعجون بالإبداع

لا أصدق أنك رحلت تاركاً إيانا نضرب كفاً بكف. لا ندري كيف حدث ولا نستوعب ما جرى. لم أتخيل يوماً أن أكتب لأرثيك، وبكل صراحة لا أدري هل أرثيك أم أرثي حالنا برحيلك، برغم علمي يقيناً بأنك الآن تنظر إلينا من فوق وتقول بلهجتك المصرية المختلطة باللهجة اللبنانية "عملتها فيكم يا كاوركات".

كان وسام ـ لكل من عرفه ـ ضوءاً في نهاية كل نفق، وومضة أمل وسعادة في كل وقت وحين، فهو الصحافي الذي لا يشق له غبار، ترك بصمته في كل مكان، وبقي منه أثراً لا يزول في نفس كل من عرفه، فهو سيعلمك درساً من دروس الصحافة مهما كانت خبراتك، وسيضيف لك معارف جديدة مهما كنت مطلعاً، وسيسافر بك إلى آفاق المستقبل وأنت غارق في اللحظة الحالية. ابتسامته الصافية وضحكته المميزة هما سلاحه الذي كان يشهره في وجه الواقع القبيح، فهو دائماً ما يسخر من الواقع ويسفه منه ويجعله أضحوكة، يهون كل مصيبة ويخفف عنك أي ألم، ويزيح عن كاهلك أي قلق.

أتذكر أننا على غير العادة لم نكن تحدثنا لمدة أسبوع قبل انفجار مرفأ بيروت، وعقب الانفجار مباشرة اتصلت به قلقاً ومفزوعاً، فأجابني بكل سخرية واستخفاف: “عمر الشقي بقي يا عم، أنا كنت قاعد بشرب قهوتي في أمان الله لقيتهم عكروا مزاجي ربنا يقل مزاجهم لما أقوم أشوف إيه اللي حصل”.

الآن حانت لحظة العتاب الأول منذ اليوم الأول لصداقتنا يا رفيق، من سيكمل رحلتنا سوياً في “المسكوبية” و”بوسطجي”، ومن سيمتعنا برؤيته المذهلة ومقالاته الموسوعية والصور المذهلة التي تعج بالحياة

كانت علاقتنا فريدة من نوعها فهي مزيج ما بين العمل الجاد والدؤوب والصداقة المليئة بالبهجة ولحظات السخرية من كل شيء وأي شيء. كنا إذا لم نجد ما نسخر منه، نسخر من أنفسنا ونطلق النكات ونضحك حتى نكاد نسقط من شدة الضحك. طقوس مكالمتنا المطولة جداً – على غير عادتنا لأننا نتشارك كراهيتنا للمكالمات الطويلة – تبدأ بالضحك لمجرد الضحك ثم السخرية من أوضاع تلك البقعة البائسة من الكوكب كما كان يصفها، وصولا إلى مناقشة أحوال العمل والمستجدات والتطلعات بكل جدية حتى نسخر من جديتنا في النهاية بإفيهات طازجة غير مكررة.

كان مسحوراً بالصحافة، ومعجوناً بالإبداع، ومتجاوزاً لكل قيد. كان محترفاً بروح الهواية، وساخراً بكل جدية، فلم يمنعه عمله كمراسل لوكالة “سبوتنيك” بعدما ترك “السفير” ومن بعدها “الأخبار” من الانخراط في العديد من التجارب الخاصة به أو بنا، نحن كل أصدقائه المقربين، كان يتورط معنا بكل جوارحه ومن أعماق قلبه، فهو كان يعرف أنه عمود صلب نستند جميعاً إليه في وقت الضيق والغضب، ليحولها في لحظات إلى ضحكات لا تنقطع بأسلوبه الساخر الفريد.

لطالما اعتقد وسام أن الأمل وهم كبير، في الوقت الذي لم يقلع أبداً عن إدمان الأمل والبحث عنه في الشوارع والأزقة والمقاهي الشعبية في بيروت والقاهرة وموسكو ورحلاته حول العالم التي لم يقطع صخبها إلا فيروس كورونا اللعين.

والآن حانت لحظة العتاب الأول منذ اليوم الأول لصداقتنا يا رفيق، من سيكمل رحلتنا سوياً في “المسكوبية” و”بوسطجي”، ومن سيمتعنا برؤيته المذهلة ومقالاته الموسوعية والصور المذهلة التي تعج بالحياة، من سيفكر معنا في المستقبل في اللحظة ذاتها التي نستخف فيها بالواقع ونسخر منه؟ ومن سيشجعنا على زيارة البرنس وصبحي كابر ومن سيستهل محادثاتنا بإرسال صور الممبار والمحشي والطواجن لمناقشة أفضلها للنشر عبر حساباتك؟

 لماذا رحلت مبكراً، لماذا رحلت أصلاً، وكيف تتركنا في النفق المظلم وحدنا، من سيخفف عنا تلك الرحلة المؤلمة والأيام الموحشة واللحظات الكئيبة التي كنت تحولها إلى مُهزَل؟.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  حوار باباوات الفاتيكان مع اللبنانيين.. بالعربية!
Avatar

كاتب مصري

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هذا ما تعلّمتُه في الـ Goulag اللبناني!