خفة الظل.. وثقل الغياب

"أنتظرك في Starbucks الحمرا". يبادرني ضاحكاً كعادته "يسارية تشرب قهوتها في معقل الإمبريالية الأمريكية ببيروت"!

يأخذك وسام متى بسخريته التي لا يضاهيه فيها أحد إلى عوالم المتعة في لبنان، حكايات لا تنضب عن طبائع البيروتيين والتركيبة السكانية والتوزيع الطائفي وخصوصية سكان الجبل والوجه السياسي والثقافي لصوت فيروز.. ويختتم كل هذا الزخم بصوت “اللمبي”.

يعلو مكتبه السابق بمقر صحيفة “السفير” اللبنانية “منيو” مطعم البرنس في حي إمبابة بالقاهرة، يحكي عن أحياء الجمالية والدرب الأحمر والأزبكية أفضل من سكانها، ويحفظ “إفيهات” الأفلام المصرية أكثر من صُنّاعها.

يحتضن الكاميرا كأنها رفيقته الحانية التي يرى من خلالها العالم. يلتقط صوراً كلوحات فنية على شاطىء مدينة جبيل. يترجل داخل كهوف حجرية ليصور أعشاش الطيور، ويصعد سلالم متعرجة ليدخن سيجارة أمام البحر. اقف بجواره مندهشة واقول بصوت متلهف زرت جبيل من قبل وعشقتها لكني لم أرَ فيها تلك الأماكن.

لو كنتَ قرأت رثاءك يا وسام قبل الرحيل لكانت الدماء التي انفجرت في رأسك ضخت في عروقك الحياة لتعيش مائة عام

وسام متى هو ذلك الشخص الذي ترى معه ما لم تره مع أحد غيره. يغوص بك في تحليل سياسات روسيا وشطحات فلاديمير بوتين، ويعود إلى لبنان حيث الحرب والحياة، قبل أن يسرد بسخريته المعتادة حكاياته مع حواري مصر القديمة.

اهامسه كأني اكتشفت سراً “مطعم تاء مربوطة هو مقر اليساريين في الحمرا”، فيرتفع صوت ضحكته ساخراً “كيف يكون ذلك وهو يبيع صحن الملفوف بـ 12 ألف ليرة”؟؟

أداعبه باللهجة اللبنانية “ضعفان كتير يا وسام”، فيرد بمصرية بلدية “علشان كده ناوي اعوض بسرعة.. يالا بينا نروح ناكل”. يجلس أمام أطباق الطعام بأداء مسرحي لا يخلو من خفة الظل، وكأنه يخوض بأطراف أصابعه أكثر المعارك المحببة إلى قلبه.

أنتظره أمام فندق بالقرب من وسط القاهرة، وأقول متباهية بثقة الخبراء في بواطن المدينة التي لا تنام “هاعزمك على العشا في مطعم رائع في الزمالك”، وبمجرد أن يسمع اسمه يقول “اعرفه كويس” ليفسد عليَّ نشوة التباهي، اقول غاضبة “يا عمنا تعالى عيش في مصر بقى وماتزهقناش”.

أتأمل ما قيل في رثائك يا رفيق وألعن الغياب المفاجىء الذي ينهش قلوبنا دون رحمة. لو كنتَ قرأت رثاءك يا وسام قبل الرحيل لكانت الدماء التي انفجرت في رأسك ضخت في عروقك الحياة لتعيش مائة عام.

لا أميل إلى ترديد عبارات الرثاء ومأثورات الموت بأن النبلاء يتعجلون الرحيل، لكني ادركتها باختفائك يا صديقي.

سنلتقي حتماً يا وسام لكن هذه المرة بعيداً عن القاهرة وبيروت.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الإسرائيلي "عميت" من تجنيد عملاء في لبنان إلى "حلوى الإدمان"
Avatar

صحافية مصرية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  المتاهة: أسرار العلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية