بيت أفغاني.. مُشرّع الحدود والنيران

ينطوي الأسبوع الطالباني الرابع خلال أيام قليلة. في الخامس عشر من آب/أغسطس الماضي، دخلت حركة طالبان إلى القصر الرئاسي في كابول بينما كان الرئيس أشرف غاني يتوارى مع أمواله خارج البلاد. الحدث الأفغاني ما زال حمّال أوجه وقراءات.

لم يقرأ العقل الأميركي جيدا مشهد الجيش السوفياتي وهو يعبر “جسر الصداقة” في افغانستان قافلاً في طريق النكوص نحو موسكو، ما كلف أن تواجه القوات الأميركية المصير عينه في 31 اب/أغسطس 2021.

بعد عشرين عاما من الحرب الطاحنة ودوامة الإقتتال في أفغانستان وقف الرئيس الأميركي جو بايدن ليعلن على الملأ في خطابه الذي تلا خروج آخر جندي اميركي من كابول بأن “حربنا في أفغانستان كانت من دون هدف”.

أياً تكن الدوافع وراء هذه الحرب العبثية وغير الهادفة، ومهما كانت المبررات التي سيقت لشنها قبل عقدين من الزمن، يمكن القول بالمعيار الاستراتيجي بأن الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر في هذه الحرب.

لم يحقق التواجد العسكري الأميركي في أفغانستان ما كان يروج له العديد من الخبراء الإستراتيجيين والنخب السياسية الأميريكية من سرديات تسوغ مبدأ الحرب واستمرارها الموغل في العمق الاسيوي. وقد تنوع الخطاب المنسجم مع الحرب وتوسع ليشمل مديات عديدة تداخل فيها السياسي بالاقتصادي والثقافي والحضاري، الا انه مع انسحاب القوات الأميركية من افغانستان يتبدى الآتي:

أولاً؛ بدل أن يسهم التواجد الأميركي في أفغانستان في تقويض تمدد نفوذ الصين، وإعاقة مسارها الزاحف نحو القمة نجد أن العكس يحصل. إبان الغزو الاميركي لأفغانستان في العام 2001، لم تكن الصين إلا مشروع منافس محتمل أما اليوم فهي المنافس الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة على المسرح الدولي. وللمفارقة فإن الصين التي كانت على رأس الدول التي يهددها الاحتلال الأميركي لأفغانستان ويسعى الى قطع الطريق أمام صعودها وتعاظم نفوذها، هي نفسها أول الرابحين من إنسحاب جاء في إطار تنفيذ الإستراتيجية الأميركية القائمة على إعادة هيكلة القوة الوطنية وحشدها لمواجهة التحدي الصيني!

لقد خذلت الولايات المتحدة أولئك المواطنين الأفغان الباحثين عن طوق نجاة، مع أنهم عملوا مع قواتها، وسيتحول هذا المشهد التاريخي الى نموذج اضافي لإستلهام انعدام الثقة بالمحتل ولو كان الولايات المتحدة التي تروج لخطاب القيم الديموقراطية

ثانياً؛ بخروج القوات الأميركية من أفغانستان تتبلور الفرص أكثر فأكثر أمام موسكو لإضعاف البنية الأمنية التي قادتها الولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتتعزز إمكانيات إعادة هيكلة النظام الدولي وتحوله الى نظام متعدد الأقطاب. وبالتأكيد فإن الإنسحاب الأميركي هو نقطة اضافية تسجل لصالح روسيا في حلبة الصراع والتنافس الأميركي – الروسي في آسيا الوسطى ومن خلالها في الساحة الدولية. وفي هذا السياق، عبر مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسياسة الخارجية فيودور لوكيانوف عن ذلك بقوله “لا يمكنك إلقاء اللوم على روسيا لشعورها بقليل من العجرفة بشأن ما يحدث في كابول”.

ثالثاً؛ فشلت محاولة الولايات المتحدة في تطويق إيران وتحجيم دورها الإقليمي، إبان حقبة الإحتلال الأميركي، بل على العكس من ذلك، اسقطت اميركا واحدا من ابرز الأنظمة المعادية ايدولوجيا لإيران، وخلصتها من تهديد يجثم على تخومها، ما مكّن اللاعب الإيراني من دخول الساحة الأفغانية بقوة وزخم. بالمقابل، وقعت القوات الأميركية في مصيدة استهدافها بالذراع الأفغانية وببصمات إيرانية. أما ما بعد الإنسحاب الأميركي، فيرجح أن تستثمر إيران هذا الحدث من موقع القوة الإقليمية الفاعلة في الساحة الأفغانية، وذلك بغية الإمعان في تهشيم وإضعاف الدور الأميركي في المنطقة.

رابعاً؛ خسرت الولايات المتحدة السيطرة المباشرة على رقعة جغرافية تلتقي فيها العديد من خطوط التماس الجيوستراتيجية، ففضلا عما وصف به أحد أعلام الجغرافيا السياسية هالفورد ماكندر أفغانستان بأنها “جزء من قلب الأرض”، فهي تحتل موقعا في وسط عدد من القوى النووية في العالم (الصين، روسيا، باكستان، الهند)، بالإضافة الى كونها تحتوي على العديد من الثروات المعدنية الطبيعية والتي تقدرها بعض الدراسات بحوالي ثلاثة تريليونات من الدولارات. وكانت مذكرة صادرة عن البنتاغون عام 2007 أشارت إلى أن افغانستان “يمكن أن تصبح دولة غنية مثل السعودية لما تختزن أرضها من مادة الليثيوم”. وعلى الرغم من كونها دولة حبيسة الا أنها تشكل جسر عبور الى اسيا الوسطى الغنية بالنفط والغاز. وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، فإن الإحتياطات النفطية المحتملة في هذه المنطقة تقدر بنحو 233 بليون برميل، واما احتياطاتها المحتملة من الغاز الطبيعي فتقدر بـ 170 تريليون قدم مكعب.

خامساً؛ ثمة مشهدية ستبقى محفورة في الأذهان. صور الأشلاء المطحونة على عجلات الطائرات العسكرية. لقد خذلت الولايات المتحدة أولئك المواطنين الأفغان الباحثين عن طوق نجاة، مع أنهم عملوا مع قواتها، وسيتحول هذا المشهد التاريخي الى نموذج اضافي لإستلهام انعدام الثقة بالمحتل ولو كان الولايات المتحدة التي تروج لخطاب القيم الديموقراطية. وسيتخمض عن هذه الصورة المزيد من تراجع الثقة في النموذج الأميركي، من أوروبا التي بدأت تبحث عن “إستقلالية عسكرية” عن الولايات المتحدة والناتو إلى إسرائيل القلقة أكثر من أي وقت مضى مروراً بأنظمة عديدة في منطقتنا العربية، الأمر الذي سيراكم وعياً سلبياً ازاء فعالية القوة والقيادة الأميركيين.

القت كتلة اللهب الأفغانية في ساحات خصومها، الصين وروسيا وإيران، وهم بدورهم سيدخلون في طور من الإستنزاف لملء الفراغ واحتواء طالبان، الحركة الأصولية ذات الهوية الضبابية التي ما زالت قيد التبلور

هل يمكن مقاربة المشهد من زاوية اخرى بما لا يجعلنا نستسهل القول إن أميركا هزمت وكفى؟

إقرأ على موقع 180  لبنان إلى تنويع مصادر اللقاح: الأوفر والأكثر فعالية

ثمة من ذهب إلى قراءة مفادها أن الولايات المتحدة خرجت من أفغانستان وفقا لتصورات استراتيجية تتعدى الإدارة الحالية. ثمة قرار من الدولة العميقة بالخروج من الحروب اللانهائية، وإعادة تقييم دور الولايات المتحدة في الصراعات الإقليمية ذات الجدوى المحدودة، ووضع خطة بديلة لإنتشار القوات الأميركية وبخاصة في الشرق الأوسط، فضلا عن أنها لم تنسحب لتهزم، بل إنها القت كتلة اللهب الأفغانية في ساحات خصومها، الصين وروسيا وإيران، وهم بدورهم سيدخلون في طور من الإستنزاف لملء الفراغ واحتواء طالبان، الحركة الأصولية ذات الهوية الضبابية التي ما زالت قيد التبلور. في الوقت نفسه، سيمتص الفضاء الأفغاني المشتركات بين أخصام أميركا وسيفجر التناقضات بينهم نتيجة لعبة المصالح وإغراء المغانم وذلك لما تحويه أفغانستان من ثروات طبيعية هائلة غير مستثمرة، ولما تتمتع فيه من موقع استراتيجي هام.

تقود هذه الفرضية إلى القول إن الدول المناهضة للسياسات الأميركية ستجد نفسها امام تحديات جديدة تفرضها المعطيات الجيوسياسية والوقائع الإقتصادية والتشابكات الثقافية في الساحة الأفغانية، فالتحدي الأمني قد لا يكون بمنأى عن الحدود الصينية، وهذا ما تتوجس منه بكين التي تخشى تحول أفغانستان قاعدة للمقاتلين الإيغور المسلمين، أو أن تنخرط طالبان في عمليات تدريب وتسليح هؤلاء، ما دفعها الى إنشاء قاعدة عسكرية في طاجكستان بالقرب من الحدود المشتركة تحسبا لأية تعقيدات أمنية محتملة في المستقبل.

وكذلك أجرت روسيا مناورات عسكرية مع القوات الطاجيكية والأوزبكية بالقرب من حدودهما مع أفغانستان في خطوة استباقية لما قد تواجهه من تهديدات، لجهة تحول أفغانستان الى بؤرة جذب للجهاديين الإسلاميين، واستخدامها منصة أمنية لإستهدف المصالح الروسية في المنطقة أو في العمق الروسي أو لزعزعة الأمن في اسيا الوسطى التي تعتبرها روسيا مجالاً حيوياً لها.

التطور البارز في العلاقات بين طهران وطالبان، والتواصل الذي تهيمن عليه البراغماتية المتبادلة، انطلاقا من اتساع حيز المصالح المشتركة بينهما، لا يعني إغفال إيران ما قد تثيره سيطرة طالبان على الحكم من تحديات تمس أمنها واقتصادها، فأفغانستان قد تصبح ساحة مفتوحة لأعداء إيران ومنافسيها. فتحت إيران قنوات للتواصل مع طالبان منذ سنوات، وعدلت في خطابها تجاه الحركة التي تضعها طهران على لوائح الإرهاب، وهذا ما تبدى في الخطاب الرسمي الإيراني من أعلى هرم القيادة الى أدناه. فالمرشد الأعلى السيد علي الخامنئي لم يصف طالبان بأي نعوت سلبية منذ العام 2015، وتبعه في ذلك الطاقم السياسي الإيراني برمته. وعلى المقلب الآخر، أدانت طالبان عملية الإغتيال الأميركي لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في مطلع العام 2020. غير أن التاريخ الحافل بالعداء بين الطرفين يفرض ثقله على العلاقات بينهما ويجعلها حذرة. جل ما يهم إيران ألا يتحول المسرح الأفغاني الى ملجأ لتنظيمات مثل القاعدة وداعش تتبنى في صلب عقيدتها وبنيانها الفكري مسألة العداء للمسلمين الشيعة، فضلا عن المخاوف المرتبطة بموجات الهجرة من أفغانستان الى الأراضي الإيرانية، وغيرها من التحديات الامنية التي يصعب التحكم بها على طول الحدود المشتركة بين البلدين والتي تصل الى 945 كلم.

لقد أرهقت الحرب الخزانة الأميركية وكلّفتها تريليونات الدولارات (3 تريليون دولار كما صرح بايدن)، وأدت الى مقتل أكثر من 2400 من الضباط والجنود الأميركيين، لكن الأخطر من ذلك أنها أظهرت مدى هشاشة النموذج الأخلاقي لما تسمى “الإمبراطورية الأميركية”، وفي غمرة هذا كله استحقت افغانستان مجدداً صفة “مقبرة الإمبرطوريات”.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ليس لنا إلا الله.. و"الصندوق"