هل بدأ العد العكسي لنهاية مسار “عراق 2003″؟

يخضع البيان الإستثنائي الذي أصدرته المرجعية الدينية العليا المتمثلة بآية الله السيد علي السيستاني، الأربعاء الماضي، للتدقيق في كل عبارة من عباراته، وذلك على مسافة أيام من الإنتخابات العراقية المقررة يوم الأحد المقبل، فهل يُشكل لحظة تحوّل ونقطة مفصليّة في السباق الانتخابي؟

بدا للوهلة الأولى أن بعض الأحزاب والقوى السياسيّة العراقية تراهن على إنتاج برلمانٍ عراقي قريب في الشكل من برلمان الـ2018 الحالي، حتى أنّها بدأت في الأيّام الماضية تخوض نقاشات حول «حصّتها» في الحكومة المقبلة (بمعزلٍ عن حديث من يكون رئيسها)؛ لكنّها – وبعد البيان ـ التحوّل الصادر عن آية الله السيستاني، عادت إلى «الواقعيّة»، لعلمها بتأثير النجف الكبير على مزاج الناخبين. وعليه، يبدأ «تحليل» مرحلة الأيّام السبعة التي تفصل العراقيين عن موعد إجراء الانتخابات.. وهنا، لا بدّ من تشريح الناخبين (بمعزلٍ أيضاً عن توجهاتهم السياسيّة):

1- الجمهور المؤيّد والمشارك في الانتخابات، وهم جمهور الأحزاب والقوى السياسيّة.
2- الجمهور المقاطع لإجراء الانتخابات، وهم في غالبيّتهم من قوى «تشرين»، الذين عجزوا عن إنتاج تكتّلٍ سياسيّ من شأنه المنافسة وخوض الغمار الانتخابي.
3- الجمهور الرمادي، الذي لم يحسم أمره حتى اللحظة، ونسبته تفوق الـ 35 بالمائة، وهو أقرب لأن يتأثر بخطاب المرجعيّة ويعدل عن قرار المقاطعة ويندفع باتجاه المشاركة الفاعلة.

هذا المشهد يرتبط بشكلٍ مباشر بأمرين؛ الأوّل نسبة المشاركة، والثاني وجهة الأصوات.. أما التزوير وكيفيّاته فنقاشه مختلف. هنا، يمكن أن تُقسم الأصوات على الشكل التالي:

1- الجمهور المؤيّد:
– جمهور التيار الصدري برئاسة مقتدى الصدر، وهو جكهور غير متأثر بتوجيهات السيستاني. ولكن – وللعلم – ومع إصدار آية الله كاظم الحائري، أمس الأول (الجمعة)، بياناً يحرّم فيه انتخاب من يرفض «خيار الحشد (الشعبي)»، من الممكن الحديث عن نسبة معيّنة من التراجع داخل صفوف مؤيدي الصدر، خاصّةً أنّ جزءاً منهم من مقلديه، ناهيك عن التأثير السلبي لحرائق المستشفيات وأداء الوزراء الصدريين في حكومة مصطفى الكاظمي.
– جمهور الأحزاب الإسلاميّة (الدعوة، الفتح على اختلافهم..)، قد ترتفع بدرجةٍ بسيطةً جدّاً أصوات الناخبين لهم.
– جمهور متردّد، سيتأثر بطبيعة الحال بالمال والسلاح والسلطة العشائريّة..
– جمهور القوى المدنيّة وغيرها، قد يتأثّر إيجاباً إذا صوّت الرماديّون لمرشحيهم.

2- الجمهور المقاطع، سيبقى على حاله، خاصّةً في ظل التلويح بتكرار سيناريو عادل عبدالمهدي (المقاطعة الواسعة) بمعزلٍ عن شخص رئيس الحكومة المقبل وشكل حكومته. وتشير أكثر الإحصاءات تفاؤلاً إلى أن نسبة المشاركة في إنتخابات العام 2018 لم تتجاوز الـ20 في المائة. ويقول أحد أبرز دعاة المقاطعة سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي إن الإنتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تتطلب توافر مجموعة شروط أبرزها قانون إنتخابي جديد وإستقلال المفوضية التي تشرف على إجراء الإنتخابات وتطبيق قانون الأحزاب الذي ينص على عدم مشاركة الأحزاب التي تمتلك أذرعاً مسلحة وأن تعلن عن مصادر تمويلها وأن تضع سقفا للإنفاق الإنتخابي، وكلها شروط غير متوفرة حالياً.

ثمة من يقول إن السيد مقتدى الصدر عاد عن قراره مقاطعة الانتخابات بعد التماسه إمكانيّة وقوع قتالٍ شيعيّ – شيعي، وهذا تخوّف ملموسٌ لا يخفيه أحد

3- الجمهور الرمادي، الذي بات مرجحاً أن يشارك بفاعلية ويعدل عن تردده نتيجة توجيهات السيستاني الأخيرة، وبذلك يرفع نسبة المشاركة إلى حدود يمكن أن تصل إلى 40 بالمائة، وفق أفضل السيناريوهات، وهذا سيرفع من حظوظ المستقلّين الجدد، ويمنحهم فرصةً جديّة ليكونوا تحت قبّة البرلمان المقبل. إلا أن الخوف هنا، هو من إمكانيّة إلتحاق هؤلاء بـ«الكتل التقليديّة»، خصوصاً أن كثيرين منهم بدأ بـ«التواصل وتقديم التعهدات للإنضمام إلى تلك الكتل حين يُطلب ذلك منهم».

هل انتهى المسار الذي أنتجه الغزو الأميركي للعراق قبل 18 عاماً أي «عراق 2003»؟

عمليّاً، «عراق 2003» كما «لبنان الطائف» انتهى. دخلنا الآن في فترة البحث الداخلي عن صيغة سياسية بديلة، عبر الانتخابات، وهذا ما قالته «المرجعيّة العليا»، المقتنعة بذلك. فالانتخابات المقبلة هي الفرصة الأخيرة للشعب العراقي لحسم توجّهاته وخياراته السياسيّة، قبل الإنهيار الشامل. فإما إصلاح الدولة وبناءها، وإما انهيار الهيكل على الجميع، وهذا ما يحذّر منه أطراف النزاع العراقي. ثمة من يدعو إلى ضرورة «عودة الحرس القديم» (وعلى رأسهم زعيم «إئتلاف دولة القانون» نوري المالكي)، وثمة من يدعو في المقابل إلى ضرورة «ضخّ دمٍ جديد» لبدء الإصلاح السياسي – الاقتصادي. كذلك، ثمة من يقول بضرورة إزاحة الجميع أو الانهيار وإطلاق عمليّة «البناء» من جديد.

هذه المناخات التي تشي بمشهدٍ سوداوي قد يخيّم على بلاد الرافدين في الأشهر «البعيدة»، تدفع إلى تحميل الشعب العراقي المسؤوليّة الكاملة عن خياراته، وهذا ما أرادت النجف تبيانه، خاصّةً أنّها تخشى نشوء فراغ ما يُعجز عن ملئه أو سدّه في المرحلة المقبلة، كما حدث في لحظة اغتيال قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، ورفاقهما، في محيط مطار بغداد مطلع عام 2020. في هذه اللحظة لا يمكن لأحد كبح فرامل الإنهيار أو التخفيف من وطأته.. إلا إذا برزت عوامل داخلية إستثنائية أو عوامل خارجية ضاغطة تعدل المسار، كما حصل في لبنان مع الولادة غير المرتقبة لحكومة نجيب ميقاتي.

إقرأ على موقع 180  حكومة لبنان خارج الإشتباك الإقليمي.. وعبد المهدي عَلِمَ بالغارة الأميركية قبل حدوثها

ولذلك، يمكن القول إن العراق يواجه انتخابات مصيريّة ومفصليّة، وما بيان السيد علي السيستاني الأخير إلا بداية تحوّل وجرس تحذير، وربما «صفعةٌ» تدعو الجمهور العراقي إلى التنبّه والاستيقاظ.

في هذا السياق، ثمة من يقول إن السيد مقتدى الصدر عاد عن قراره مقاطعة الانتخابات بعد التماسه إمكانيّة وقوع قتالٍ شيعيّ – شيعي، وهذا تخوّف ملموسٌ لا يخفيه أحد.

تحت «رماد» الدفع السياسي نحو التهدئة السياسية التي يقودها مصطفى الكاظمي، ثمة نيرانٌ تجتاح مختلف المحافظات من الشمال إلى الجنوب، في ظل واقعٍ اقتصاديٍّ سيء مردّه شكل النظام السياسي واستفحال الفساد في مؤسسات عاجزة عن إنتاج الحدّ الأدنى من الخدمات للعباد، في بلادٍ تكتنز الثروات والخيرات، فهل تخمدها الإنتخابات المقبلة أم تزيدها إستعاراً.

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  20 سنة في التيه العربي