في ماهيّة الاسلام: الجهاد، الحداثة و”فصاحة” الفتاوى (7)

تغيّرت نظرة المسلمين لمفهوم الجهاد بشكل جذري في القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك نتيجة تأثير فكر الحداثة الذي جعلهم يعيدون صياغة الاسلام لكي يتماشى مع تطور قناعاتهم ومع المعتقدات الأوروبية الحديثة التي أصبح لديها مقبولية كبيرة عندهم.

في الوقت نفسه، شهد القرن التاسع عشر قيام الاستعمار الاوروبي (البريطاني والفرنسي تحديداً) باحتلال معظم الدول الاسلامية، وهو ما أدّى إلى قيام ثورات استخدم بعضها الجهاد من أجل حشد الدعم والتأييد من قبل جمهور المسلمين. فقام الاستعمار الأوروبي باستخدام “جيوشه” من المؤرخين والمفكرين (وحتّى بعض “المستغربين” المسلمين) من أجل نشر فكرة مفادها أنّ الشعوب الاسلامية يستهويها العنف والقتل وليس لها اهتمام بالحريّة والديموقراطية الحديثة ودولة القانون!

انتشار هكذا أفكار عن الاسلام والمسلمين خلق حالة من الحساسية وعقدة سيكولوجية عظيمة عند كثير من المسلمين حيال مجتمعاتهم وتاريخهم، وتحديداً في موضوع الجهاد، كانت نتيجته إعادة تعريفه ووضع حدود وأهداف له تتماشى مع جوهر الحداثة ومعتقداتها. مثلاً، يقول الشيخ محمود شلتوت (ت. 1963) – وهو أصبح شيخاً للأزهر عام 1958 – في كتابه “القرآن والقتال” (طبع في سنة 1951) إنّ من يتتبّع آيات القرآن “يجدها تضع للمسلمين مبادىء عامّة يتكوّن منها قانون موضوعي للقتال، له مكان القمّة بين نظم العصر الحديث، والمدنيّة الحاضرة”، ويشير إلى أنّ هذا القانون الموضوعي للقتال هدفه “العزّة والكرامة”، وينطبق على أي عصر.

ما يثير الاعجاب أن الشيخ شلتوت إستخدم مفردات معاصرة برّاقة وتجنّب ذكر عبارة “الجهاد” في كتابه، وهي أمور تشير إلى أنّه أراد القول للمسلمين أنّه علينا نسيان الجهاد والتراث الاسلامي حوله، وإعادة التفكير في مقتضيات الحرب وفقاً للمبادئ السياسية العصرية وللقراءة التحليلية لكتاب القرآن.

المفكر الشهير سيّد أحمد خان إستنبط فكرة عظيمة من أنّ الهند ليست بدار الاسلام ولا بدار الحرب، بل هي دار الأمان. هذه العبارة هي إحتيال لفظي وفقهي بارع على الشرع الاسلامي سمح لأحمد خان بالتهرّب من اشكالية ومتطلبات القول بأن الهند دار إسلام أو دار حرب

في ما يلي، سأناقش مقاربة بعض المسلمين في العصر الحديث لمفهوم الجهاد من منطلق شبيه بالذي عبّر عنه الشيخ شلتوت، أي إعادة صياغة الجهاد وفقاً لمعطيات العصر التي إما لا تعطيه أي دور أو تضع عراقيل أمامه تجعله غير قابل للتطبيق.

مثلاً، في سنة 1857، ثار الهندوس والمسلمون في الهند ضد الاحتلال البريطاني وممارساته، وأعلن بعض زعماء المسلمين الجهاد ضد البريطانيين لإجبارهم على الرحيل. تمحور النقاش وقتذاك حول ما إذا أصبحت الهند نتيجة للاحتلال البريطاني داراً للحرب، وهو ما أراده المروّجون للجهاد (الاشكالية هنا أنّه في الشرع الاسلامي التقليدي، الجهاد ممنوع في دار الاسلام، أي بين المسلمين، لذلك عندما يتحارب المسلمون بين بعضهم البعض ويقوم فريق باستخدام مفهوم الجهاد، يتطلّب ذلك إعطاء البراهين على أنّ الفريق الآخر خرج عن الاسلام، لذلك وجب الجهاد ضدّهم من أجل إجبارهم على العودة إلى الإسلام أو جواز قتلهم).

إذا قرأنا ما كتبه معظم رجال الدين أو كبار القوم من المسلمين في الهند في تلك الفترة، نجدهم يرفضون تصنيف الهند دار حرب ويستخدمون لذلك حججاً كثيرة، منها أنّه عندما احتلّ البريطانيون الهند ابقوا (صورياً) على حكم سلالة المُغَل (Mughals)، أو أنّ المسلمين ما زالوا قادرين على ممارسة شعائرهم الدينية بحرّيّة. مثلاً، قامت الجمعية الأدبية المحمّدية في مدينة كلكتا الهندية بشخص رئيسها مولوي كرامات علي (كان له ولجمعيته حضور قوي ونفوذ كبير في شمال شرق الهند) بإصدار بيان يقول إنّ الهند ما زالت دار الاسلام وعليه فالجهاد محرّم وأي مسلم يُعلن الجهاد في الهند، من واجب المسلمين الآخرين محاربته.

لكن المفكر الشهير سيّد أحمد خان إستنبط فكرة عظيمة من أنّ الهند ليست بدار الاسلام ولا بدار الحرب، بل هي دار الأمان. هذه العبارة هي إحتيال لفظي وفقهي بارع على الشرع الاسلامي سمح لأحمد خان بالتهرّب من اشكالية ومتطلبات القول بأن الهند دار إسلام أو دار حرب. المدهش أيضاً في كلامه أنّه تجاهل كليّاً معاناة المسلمين في الهند تحت الاحتلال البريطاني. يقول سيّد أحمد خان “صحيح أنّ البريطانيين يحتلّون الهند وحكومتهم ليست حكومة إسلامية.. لكن المسلمين الهنود يتمتّعون بالسلام والطمأنينة ويمكنهم ممارسة شعائرهم الدينيّة بحريّة كاملة.. ونتيجة لوجود معاهدة بين الدولة الاسلامية (المغل) والبريطانيين، فذلك يجعل الجهاد ضدّهم غير شرعي.. لذلك في ظلّ هذه الظروف، التعبير الصحيح هو دار الأمان حيث يمكن للمسلم أن يعيش كمستأمن، أي طالب للأمان”.

تستوقفنا هنا مغالطات كثيرة في كلام سيّد أحمد خان، أهمّها أنّه في سنة 1857 ونتيجة للثورة، قام البريطانيون بانهاء دولة المغل، ومارسوا قمعاً شديداً ضد المسلمين. إذاً كلام أحمد خان عن أنّ المسلمين ما زالوا قادرين على ممارسة شعائرهم الدينية بحريّة كاملة ينطبق على بعض المسلمين وليس عليهم كلّهم، والمعاهدة التي يتحدّث عنها سقطت بانتهاء دولة المغل، والاستئمان هو أقرب للاستجداء مع قيام البريطانيين بالغاء محاكم الشريعة ووضع اليد على معظم أراضي وأملاك الأوقاف الاسلامية الخ.. يصبح السؤال ما هو هدف أحمد خان من كلامه؟ من دون شك، خطابه كان موجّهاً إلى البريطانيين وإلى المسلمين أيضاً من أجل التأكيد أنّ المسلمين في الهند هم شعب مسالم، ينبذ العنف.

إقرأ على موقع 180  عودة واشنطن إلى استهداف "النصرة"... بين الأمن والسياسة

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ، بل قام أمثال كرامات علي وأحمد خان بطلب فتاوى من علماء مسلمين لتدعيم مواقفهم. فراسلوا علماء في الهند وخارجها، وبينهم إمام الحرمين ومفتي الحجاز الشافعي الشيخ أحمد زيني دحلان (ت. 1886)، ومفتي مكّة الحنفي الشيخ جمال شيخ عمر (ت. 1868)، ومفتي مكّة المالكي حسين بن إبراهيم الأزهري (ت. 1875). أجاب المفتي الشافعي والمفتي الحنفي في فتواهما أنّه طالما لمسلمي الهند قدرة على ممارسة بعض شعائر الإسلام، إذاً هي دار الاسلام. وقال المفتي المالكي في فتواه إنّ احتلال الكفّار لبلد مسلم لا يجعله تلقائيّاً دار حرب، بل ما يجعله دار حرب هو إذا لم يعد من وجود لمعظم شعائر الاسلام فيه.

بعبارة أخرى، أفتى كبار علماء مكة بطريقة ملتوية أنّ الجهاد في الهند مُحرّم كونها برأيهم ما زالت دار الإسلام.

أصبح الكلام عن واجب الجهاد في الاسلام إمّا أكاديمياً تنظيرياً يلهو به البعض في أحاديث المقاهي والمجالس الخاصة، أو مطية من أجل حصول شيخ ما أو زعيم على بعض الشعبية في حارته

وقام أيضاً ستّة من كبار علماء الهند بإصدار فتوى في الموضوع إياه يقولون فيها إنّ المسلمين في الهند “هم في عهدة المسيحيين (أي البريطانيين) وفي ظل هذه العهدة الجهاد غير جائز.. وكذلك الأمر، يتطلّب الجهاد أرجحيّة النصر، فإذا انعدمت هذه الأرجحية، يفقد الجهاد شرعيته”. بمعنى آخر، لم يمنع هؤلاء العلماء مسلمي الهند من الجهاد فقط بداعي كونهم في “عهدة” المسيحيين، بل حكموا أيضاً أنّه ليس هناك من احتمال بالنصر وهو ما يفقد الجهاد شرعيته الدينية.

ما نجده في الهند نجده أيضاً في كثير من الدول الاسلامية الأخرى في تلك الفترة. ففي الجزائر مثلاً، قاد عبد القادر الجزائري (ت. 1883) ثورة ضدّ الفرنسيين وأشهر الجهاد من أجل حشد المسلمين لمحاربة الفرنسيين. لكن كما هو معروف، لم تؤتِ حركة الجزائري ثمارها، لكنّها أسست لفكرة أنّه على المسلم الهجرة من دار الحرب (أي المدن والمناطق التي ترزح تحت نير الحكم الفرنسي) إلى دار الاسلام، وهي استراتيجية استخدمها عبد القادر الجزائري لكنّها كانت بلا جدوى في زمانه.

في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، تعاظمت فكرة الهجرة من الجزائر، ممّا أثار رعب الفرنسيين من خسارة أعداد كبيرة من العمال والمزارعين من مناطق إحتلالهم. فقام الحاكم الفرنسي العام للجزائر جول كومبون (Jules Cambon) في سنة 1893 بمراسلة مفتيي مكّة طالباً منهما إصدار فتوى تعبّر عن رأيهما هل أصبحت الجزائر داراً للحرب، وإذا كان جوابهما إيجاباً، هل يتطلّب ذلك أن يهاجر المسلمون منها (الدار) وهل يقتضي ذلك إشهار الجهاد بوجه المحتل الكافر. أجاب المفتي الحنفي أنّه يحق للمسلمين الهجرة فقط إذا لم يكن بمقدورهم ممارسة أيّاً من شعائر الاسلام، أي تصبح الجزائر دار حرب إذا إنعدم أي تطبيق للشرع الاسلامي فيها. وأجاب المفتي الشافعي بمثل ذلك وأضاف أنّ الجهاد غير واجب مطلقاً كون المسلمين في الجزائر غير قادرين بتاتاً على النصر.

هذه الأفكار والمواقف إن دلّت على شيء إنما الرفض المباشر للجهاد.. عندما بات يشكل عالّة على معظم المسلمين، إذا صحّ التعبير، وقد تطلّب ذلك إعادة التفكير في الجهاد، إستناداً إلى مصالح الحكام أو رجال الدين أو العلماء والمفكرين، وهو ما نراه جليّاً من خلال فشل الكثير من محاولات إحياء الجهاد في أوائل القرن العشرين (وأهمّها المحاولة اليائسة للسلطنة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى)، وهي تدلّ أيضاً على درجة البراعة والمراوغة للمفكرين المسلمين في استنباط أو إيجاد عراقيل شرعية من أجل عدم تطبيق الجهاد.

عاد الحديث عن الجهاد إلى الواجهة عندما إعتقد الأميركيون وبعض حلفائهم من الاوروبيين والمسلمين في سبعينيات القرن المنصرم أنّ بإمكانهم استخدام الجهاد من أجل إخضاع العالم الاسلامي ومواجهة الاتحاد السوفياتي و”المدّ الشيوعي” (وهو موضوع تطرّقت إلى بعض جوانبه في مقال سابق بعنوان: ما بعد “داعش”، ما قبل “داعش”!). برغم ذلك، لم يجنِ الاميركيون بدعمهم (وبدعم الأنظمة الإسلامية الحليفة لهم)  أي فوائد من هذا الإستثمار المكشوف في “الجهاد”، إلاّ تحطيماً لأسس الدولة المدنية ومحاولة خلق واقع من الرعب والاجرام ساهم في تأجيج حالة “الإسلاموفوبيا” وجعل معظم المسلمين أنفسهم يكرهون الجهاد. لذلك، أصبح الكلام عن واجب الجهاد في الاسلام إمّا أكاديمياً تنظيرياً يلهو به البعض في أحاديث المقاهي والمجالس الخاصة، أو مطية من أجل حصول شيخ ما أو زعيم على بعض الشعبية في حارته، أو حكراً على بعض الحركات السياسية وأكثرها من السلفيين التكفيريين الذين هم أيضاً نتاج فكر الحداثة!

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  شهر من الثورة في لبنان.. السلطة صارت ماضياً(2/2)