الكفاح البيئي.. تونس نموذجاً

على الحناجر أن تصدّح بصوت أعلى مطالبة بمنظومة اقتصادية وآليات انتاج صديقة للطبيعة وضاغطة على الحكومات للاعتراف بخطورة الأزمة الإيكولوجية والتقليص من الانبعاثات الغازية والإيقاف الفوري للاستغلال المجحف للطبيعة في سعي إلى خلق تناغم بين الكفاح من أجل البيئة والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.

يأخذ مصطلح البيئة في القاموس العربي معان كثيرة يحدّدها السياق كما يبدو مصطلح علم البيئة (1) بكونه محافظة على الثروات الطبيعية وحماية الحياة البرية والكفاح ضد التّحلّل والتجزئة غريبا بعض الشيء عن مجتمعاتنا لكونه مستوردا، وإن راج أنّ الحضارات لم تُسىء إلى بيئتها الطبيعية إلاّ عند ظهور المدن في المجتمعات الغربية مثالا على ذلك مدينة باريس الّتي كانت تنبعث فيها روائح كريهة بسبب مياه الصرف الغير مهيئة وسراديب الموتى فكانوا يزرعون الورد للحد من تلك الرّوائح إلاّ أنّ الاهتمام بحماية البيئة يعود إلى سنة 256 قبل الميلاد بإقرار الإمبراطور أشوكا في الهند مراسيم حماية الحيوان (2) تلتها بعد قرون ظهور أوّل محمية طبيعيّة برّية في سيريلانكا حتّى صدور أولى قوانين حماية الطيور في جزيرة فارنا سنة 676م.

لقد مثّلت تحركات مئات القرويين ضدّ جنود مهراجا جودبور لمنع إزالة الغابات سنة 1720 في الهند أولى الاحتجاجات في سبيل الطبيعة (3) ويعتبر هنري دافيد ثورو (1817-1862) أوّل عالم للبيئة نظّر للكفاح من أجل المحيط الطّبيعي والاهتمام بالمسألة الإيكولوجية.

في عام 1864 نشر جورج مارش كتاب الإنسان والطبيعة (4) وقدم فيه تحليلاً منهجياً للانعكاسات المدمّرة للبشر على الطبيعة وصار هذا الكتاب بعد ذلك مرجعا للناشطين من أجل البيئة، ولم يمرّ عامان حتّى ظهر مصطلح “إيكولوجيا” على يد عالم الحيوان الألماني أرنست هيكال (Ernest Hækel)، كما تلمّست الجمعيات طريقها إلى هذا المجال وكانت في البداية تحمل طابعا محافظا فظهرت جمعية المساحات المفتوحة وحماية الأرصفة سنة 1815 في المملكة المتّحدة ثمّ جمعيّة التّأقلم لعلم الحيوان في فرنسا سنة 1854 ويعتبر نادي سييرا أول منظّمة غير حكومية لحماية الطّبيعة في عام 1892 في أمريكا.

وكان بنيامين فرانكلين سبّاقا إلى توقيع أوّل عريضة برفقة أهالي مقاطعة بنسلفانيا الأمريكيّة سنة 1739 ضدّ صب فضلات المدابغ وبينما اعتبرتها المؤسسات هضما لحقوقها كان هو ينادي باحترام الحقوق العامّة للمواطنين (5).

أمّا في إنجلترا الحديثة، فيُعتبر قانون مكافحة تلوّث الأنهار أوّل بادرة لمراقبة تلوّث المياه إذ يمنع إلقاء مياه الصّرف في مجاري المياه السليمة في 1876 كما شهدت سنة 1948 تأسيس الاتّحاد الدّولي لحماية الطبيعة والّذي يقع مقرّه في سويسرا وارتفعت الأصوات في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في السّتينيات الماضية مندّدة باستعمال مبيد الـ«د. د.ت” والأنشطة النوويّة الصناعيّة منها والحربية. أعقبت ذلك تحركات لعدم  احترام حظر صيد الحوت وظهور منظّمة السلام الأخضر.

الثورة الإيكولوجية

يؤمن المدافعون عن البيئة بمختلف تيّاراتهم باتّباع أساليب ديمقراطية مطالبين بتضمين المسألة الإيكولوجيّة برامج التّعليم وتنظيم حملات تُعنى بالاستهلاكية والتّصرّف في النفايات، لكن مشكلة البيروقراطية وبطأ الإجراءات يحول دون ذلك وأمام تجاهل المعنيين تجد هذه المجموعات نفسها تدفع لعصيان مدني “سلمي” كتعطيل عمليات التوسع على حساب مناطق خضراء وعمليّات إزالة الغابات.
يعتبر الفيلسوف النرويجي آرني ناس (1912-2009) مؤسس الإيكولوجيا العميقة أنّ للطبيعة حقوقا على الانسان أن يحترمها كما عليه أن يعيد التفكير في حقوقه على نطاق أوسع.

الجماهير التي تكافح من أجل لقمة العيش في ظلّ تدهور الاقتصاد وغطرسة شركات التصنيع وتغلغلها في دواليب الدول متلاعبة بمسالك المراقبة مغلّبة بذلك المصلحة الشّخصيّة تجد نفسها تدافع بيدين عاريتين عن بيئة سليمة للعيش مقابل قرارات قوى الرأسمال اللاّمبالية

أمّا التيار الفوضوي الإيكولوجي (6) فيؤكد على ضرورة تخلّي الإنسان عن محاولة السيطرة على الطبيعة وقد ارتبطت معركتهم في بداية القرن العشرين بالعودة إلى الطّبيعة بعيدا عن المجتمعات التي قام نشاطها أساسا على الصناعة. يرفض هؤلاء مبدأ مركزية الإنسان (7) وبذلك ينادون بالتناغم بين الإنسان وقوى الطبيعة معتبرين القرى الإيكولوجية المكان الأكثر ملائمة للعيش.

لقد دأب الناشطون الإيكولوجيّون على رفضهم الإنتماء إلى خطّ سياسي كذلك كان الخضر في ألمانيا في سبعينات القرن الماضي معلنين ذلك في شعاراتهم “لا يمين، لا يسار، إلى الأمام” (8) إلاّ أنّ معظم التقدّمّيين منهم يميلون في الغالب إلى اليسار وينبثق هذا الرّفض من موقفهم المُدين للإنتاجيّة وآلياتها رأسماليّة كانت أم اشتراكية.
في مقالات كتبها في المجلّة الفرنسية Nouvel Observateur تحت اسم ميشال بوسكيت يمعن أندري غورز في نقده للمجتمع الرّأسمالي منطلقا من اعتراضه للإنتاجيّة قائلا “الرأسماليّة النّامية انتهت. الإشتراكية النامية الّتي تشبهها كأخت لها تعكس صورة مشوّهة ليس عن مستقبلنا بل عن ماضينا. الماركسيّة بكونها أداة للتّحليل لا بديل لها فقدت قيمتها النبوئيّة” (9). هذا الرّفض للاشتراكية النامية الّذي يدعّمه بالطّريق الّذي انتهجه الإتحاد السوفياتي من أجل التصنيع والذي كان مدمّرا للبيئة.
في كتاب وداعا للبروليتاريا المُعنوَن أيضا ما وراء الاشتراكية (1980) (10) يستمرّ المؤلّف في نقده للماركسيّة ويضمّ صوته للمدافعين عن البيئة: الثورة الإيكولوجية القادمة لن تمرّ بالبروليتاريا بل ستكون ضدّها.

وفي ظل إنهيار النموذج الإشتراكي وما وصلت إليه الرّأسماليّة من تغوّل وما نحن عليه اليوم، قد لا تكون هذه الفكرة قائمة بعد – على الأقلّ في مجتمعاتنا. إنّ الجماهير التي تكافح من أجل لقمة العيش في ظلّ تدهور الاقتصاد وغطرسة شركات التصنيع وتغلغلها في دواليب الدول متلاعبة بمسالك المراقبة مغلّبة بذلك المصلحة الشّخصيّة تجد نفسها تدافع بيدين عاريتين عن بيئة سليمة للعيش مقابل قرارات قوى الرأسمال اللاّمبالية.
يظهر أنّ ما بدأته القوى الإستعماريّة على أرضنا من صناعات استخراجيّة ونهب للثروات استكملته لاحقا الشركات بطرق أكثر فظاعة.

إقرأ على موقع 180  بيتر بينارت: لم أعد مؤمنًا بالدولة اليهودية!

 تونس نموذجاً

إذا أخذنا دول المغرب العربي عامة، وتونس خاصة، نجد أنفسنا أمام مشهد مأساوي لشواطئ انعدمت فيها الحياة البحرية وحرم الناس من زيارتها بسبب تلويثها بالمواد الصناعية كذلك حال كيلومترات من شواطئ خليج قابس في الجنوب التونسي الملوّثة بمادّة الفوسفوجيبس كذلك المشاهد المشابهة أينما وجدت المصانع، فيصبح المشكل تصنيع دون رقابة وسلطة فرّطت في بيئتها في سبيل استثمارات جنت منه الفتات أمام استفحال الفساد.
وقد ظهر على السطح مؤخرا ملفّ النفايات الإيطاليّة والذي اتّهمت فيه شبكة تونس الخضراء السلطات التونسية بمحاولة إخفاء القضية معتبرة أنّ ما قامت به وزارة البيئة إرهاب بيئي. ليس ذلك غريباً عن منظومة نخر فيها فساد اللوبيات النافذة حتّى لامس العظم معتمدين على تقنية الرّدم الّتي تتبعها الدّولة التونسية للتخلّص من النفايات المنزلية.

ولا يغيب عن المتابع للشّأن أنّ شركتين تونسيتين تحتكران مجال ردم النفايات وتمتصان بالتالي مال الدّولة. ولو لم يصل الموضوع إلى الرّأي العام لما كان التعامل جاداً مع المسألة بل كانت الدّولة ستسلك الطرق الديبلوماسية مع الغموض الذي شاب الموقف الرّسمي من إعادة النفايات الإيطالية المخالفة للمعايير الدّولية علما أنّ إيطاليا عرضت على شركة تونسية مختصّة حرق النفايات.

الرهان الأسمى هو التطلع إلى التحوّل من الإنتاج التقليدي للطاقة إلى خلق آليات مستدامة وصديقة للبيئة من أجل غذاء سليم ومن موارد طبيعية سليمة بدل أن تنهبها شركات الإستعمار الحديث هي نفسها الشركات التي تمطرنا بحلول واهية من أجل جني أرباح أكثر

ها نحن لا ننتهي من مسألة حتّى تظهر لنا أخرى وإن كانت النفايات مصيرها الردم فإنّ مساحات من شجر البلّوط والصنوبر أتت عليها النيران بأشكال متفاوتة بين دول المغرب العربي وخسرت تونس وحدها 1100 هكتار من المساحات الخضراء  متسببة بتهجير 19 عائلة وإن كان سبب الحرائق طبيعيا لارتفاع درجات الحرارة أو عملا تخريبيا في سبيل زرع الفتنة فإن مصير هذه الأراضي واضح: تغيير صبغتها من أراضٍ زراعيّة إلى أراضٍ صالحة للبناء تقام فيها المنتجعات السياحية والمناطق السكنية ولما لا الصناعية أيضا فينتعش مالكو النزل ويزيد رجال الأعمال مراكمتهم لرأس المال. ولا يخفى أنّ السّلطات قامت العام الماضي بقطع 400 شجرة بلّوط أثناء فترة الحجر الصحي في منطقة عين سلاّم الواقعة بعين دراهم في الشمال الغربي لتونس.

وفي السنة نفسها خاض أهالي منطقة الهوايدية بريف طبرقة معركة ضد الرّأسمال الإستخراجي في سبيل البقاء أقاموا خلالها اعتصاما دام خمسين يوما مطالبين السلطات بغلق مقطع للحجارة تسبب في تلويث عين الماء الطبيعية التي يشربون منها ويسقون منها مزروعاتهم وحيواناتهم بسبب مواد زيتية تسربت إلى المائدة الجوفية من آلات الشركة المستغلّة للمقطع كما أقرّت به المعاينة.
يأتي ذلك مع غياب واضح لتصورات حلول جذرية قائمة على تحاليل علمية من قبل الأحزاب، تلك التي بالكاد تطرّقت إلى مسألة البيئة أثناء الحملة الانتخابية سنة 2018، فقلّة هم من قدّموا موقفا من استخراج الغاز الصخري وتحلية مياه البحر والتغيّر المناخي.

من يشكّل الخطاب البيئي؟

ما أحوجنا اليوم إلى نشر وعي جمعي بمخاطر التلوث والاحتباس الحراري الذي صار قريبا منا أكثر من أيّ وقت مضى بعيدا عن غوغائية الأحزاب وقرارات السّلطة التي تخفي ورائها لهفة رأس المال الصناعي إذ أنّ الدولة نفسها التي تطرح المشاكل البيئية في برامجها التعليمية تنتهك الثروات الطبيعية، كما يوجد في تونس أكثر من 20 جمعية تعنى بمسألة البيئة بالكاد نعرف بعضها أو نسمع عن أنشطتها. على الشباب أن يحمل على عاتقه مسؤولية حماية مستقبل محيطه استنادا إلى آراء علمية مرتكزين إلى تحليل مشاكل التغير المناخي والأزمة الإيكولوجية منحازين إلى قضايا الطبقات، أولئك الّذين يدفعون الثمن الأغلى.

يجب أن تعمل التنظيمات الّتي تنشط سياسيا واجتماعيا على المطالبة بتمكينها من حق مراقبة الأنشطة والمؤسسات الصناعية والفلاحية (توريد للبذور، الاستعمال المفرط للأسمدة). إنّ تحويل الاحتجاج إلى نويات منظمة كامتداد له يجعل منها قوّة فاعلة لها ثقلها أثناء اتخاذ القرارات.

أخيرا، يبقى الرهان الأسمى هو التطلع إلى التحوّل من الإنتاج التقليدي للطاقة إلى خلق آليات مستدامة وصديقة للبيئة من أجل غذاء سليم ومن موارد طبيعية سليمة بدل أن تنهبها شركات الإستعمار الحديث هي نفسها الشركات التي تمطرنا بحلول واهية من أجل جني أرباح أكثر. نحن في حاجة إلى عقول تفرض تغليب المصلحة الجمعية بعيدا عن نزوات السوق.

المصادر والمراجع:

[1] Environmentalism
[2] https://www.animalwised.com/what-do-the-edicts-of-ashoka-say-about-animal-rights-1333.html#:~:text=Ashoka%20taught%20his%20people%20to,from%20killing%20all%20living%20beings.
[3] https://www.britannica.com/explore/savingearth/chipko-movement

[4]George Perkins Marsh Human and Nature
[5] https://www.jstor.org/stable/20092700
https://sustainingourworld.com/2014/01/30/benjamin-franklins-battle-against-water-pollution/
[6]Green Anarchy, Eco Anarchy
[7] Anthropocentrism
[8] “Nicht rechts, nicht links, sondern vorn”
[9] https://www.marianne.net/agora/andre-gorz-penseur-de-lapres-pib
[10] Adieux au prolétariat : Au-delà du socialisme

 

  

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب تونسي

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  بيتر بينارت: لم أعد مؤمنًا بالدولة اليهودية!