بوتين لن يُهادن بايدن في أوكرانيا: “كفى”!

منى فرحمنى فرح08/12/2021
لم تحرز القمة الإفتراضية التي عقدها الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الثلاثاء)، عبر الإتصال المرئي، أي تقدم واضح بشأن نزع فتيل الأزمة في أوكرانيا. وبدلاً من ذلك، فوّض الزعيمان مسؤولين من كلا البلدين للبقاء على اتصال، علماً أن بايدن دخل القمة متسلحاً برزمة إجراءات عقابية جاهزة للتطبيق إن غزّا الروس أوكرانيا!

تحدث جو بايدن وفلاديمير بوتين عن طريق الفيديو لمدة تزيد عن ساعتين بقليل، حددا خلالها أبرز مواقفهما من القضايا المتفق على مناقشتها. جاء ذلك في ظلّ اتهامات من كييف لروسيا بحشد آلاف الجنود على الحدود بين البلدين إستعداداً لشن هجوم عسكري على الأراضي الأوكرانية، وبعد أيام من التشاور الوثيق بين واشنطن والحلفاء الأوروبيين بشأن تنسيق رد مشترك على أي غزو روسي محتمل لأوكرانيا.

وقال البيت الأبيض إن بايدن عبَّر- في مكالمة الفيديو التي استمرت ساعتين- عن “مخاوف عميقة” بشأن التعزيزات العسكرية الروسية. وأوضح “أن الولايات المتحدة وحلفاءنا سيردون بعقوبات اقتصادية وغيرها من الإجراءات القاسية في حال التصعيد العسكري”.

لم يتم تحديد طبيعة “الإجراءات القاسية”، لكن مسؤولين أميركيين قالوا إن واشنطن ستكون منفتحة على طلبات الحلفاء الأوروبيين لتعزيز الجناح الشرقي لحلف “الناتو”، إذا غزَّت روسيا أوكرانيا، وستعزز القدرات الدفاعية لأوكرانيا. ومن بين الإجراءات الاقتصادية قيد الدراسة، حظر السوق الثانوية في السندات الروسية، وفرض عقوبات على كبرى الشركات والبنوك الروسية، واحتمال فصل روسيا عن نظام الدفع الإلكتروني الدولي “سويفت”، الذي تستخدمه البنوك في جميع أنحاء العالم.

تهديدات بدون اهتزاز أصابع

كان النقاش بين الرئيسين بايدن وبوتين مباشراً ومحدداً. كان هناك الكثير من الأخذ والعطاء، ولم يكن هناك أي اهتزاز بالأصابع. “لكن بايدن كان واضحاً وضوح الشمس بشأن موقف الولايات المتحدة تجاه كل القضايا العالقة وجدَّد الرئيس الأميركي دعمه لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، داعياً إلى وقف التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية”، كما قال مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان.

بدوره، قال الكرملين إن بوتين وبايدن تبادلا التهديدات بشأن تعزيز روسيا للقوات العسكرية بالقرب من الحدود الأوكرانية. واتهم بوتين قوات حلف “الناتو” بالقيام “بمحاولات خطيرة لتطويع الأراضي الأوكرانية وزيادة إمكاناتها على طول حدودنا”.

أكبر عصا في ترسانة بايدن هي التهديد باستبعاد روسيا من نظام الدفع الإلكتروني العالمي “سويفت”، مقره بلجيكا وتستخدمه البنوك في جميع أنحاء العالم.. لقد كانت واحدة من أكثر الإجراءات المعوقة التي استخدمت ضد إيران، وستجعل روسيا منبوذة في التمويل الدولي

ومضى بوتين في طلب “ضمانات قانونية موثوقة” من شأنها منع “الناتو” تحديداً من توسيع أراضيه نحو روسيا، أو وضع أنظمة صواريخ في البلدان المتاخمة للأراضي الروسية.

وأعلنت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً أن من حق أوكرانيا أن تقرر ترتيباتها الأمنية، لكن المستشار سوليفان قال إن بايدن أوضح أن المحادثات الإستراتيجية الأوسع بين حلفاء الناتو وروسيا “ممكنة فقط إذا تراجع خطر الغزو المرتقب. سيكون هناك دعم عسكري متزايد لكييف وتعزيز الجناح الشرقي للحلف، لكن التركيز الأساسي سيكون على العقوبات، التي ستشمل “إجراءات اقتصادية عالية التأثير كنَّا قد امتنعنا عن اتخاذها في الماضي”.

وأضاف إن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الشرقية “سوف يسعون للحصول على قدرات إضافية من الولايات المتحدة. ونحن نفكر في الرد بشكل إيجابي على هذه المطالب في حالة حدوث أي توغل جديد في أوكرانيا”.

وبحسب وكالة رويترز للأنباء، فقد أبلغ مسؤولون أميركيون الكونغرس (الثلاثاء) بأنهم توصلوا لإتفاق مع ألمانيا لإغلاق خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” الذي يربط بين روسيا وشمال أوروبا إن موسكو هاجمت أوكرانيا.

لم يخض سوليفان في التفاصيل بشأن التدابير الاقتصادية الأخرى، ولكن من بين العقوبات الأميركية التي يُعتقد أنها قيد الدراسة، حظر السوق الثانوية في السندات الروسية، والعقوبات المفروضة على الشركات والبنوك الروسية الكبيرة والطرد من نظام المدفوعات الإلكترونية الدولي سويفت.

رزمة العقوبات!

إن قائمة التدابير الاقتصادية “العقابية” التي تضمرها واشنطن لموسكو واسعة النطاق، ومنها الآتي:

1- سوق السندات

في نيسان/أبريل الماضي، حظَّرت الولايات المتحدة المؤسسات المالية الأميركية شراء إصدارات جديدة من السندات الحكومية الروسية، لكن هذا الحظر كان له تأثير ضئيل فقط. يمكن لواشنطن أن تذهب أبعد من ذلك؛ وتفرض عقوبات على الأسواق الثانوية في السندات الروسية، حيث يتم إعادة بيعها وتعبئتها باستثمارات أخرى.

2– نورد ستريم 2

تم الانتهاء من خط أنابيب الغاز الذي يربط روسيا بشمال أوروبا، لكن لم يتم اعتماده للاستخدام من قبل منظم الطاقة الألماني. وقد أعرب أعضاء الائتلاف الحكومي الألماني الجديد عن شكوكهم بشأن المشروع، ومن المحتمل أن يتم إلغاؤه في حال أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا.

3- معاقبة البنوك والشركات الروسية

فرض عقوبات كاملة على البنوك الروسية الكبرى أو شركات الطاقة أو شركات الدفاع.. أو فرض حظر شامل على قطاعات الاستثمار والخدمات التابعة لمشاريع النفط الروسية التقليدية. وهناك هدفان ماليان محتملان يمثلان أكبر البنوك الروسية، وهما: VTB Bank و Gazprombank

4- عقوبات على “الأوليغارشية” وأسرهم

كانت وزارة الخزانة الأميركية مترددة في فرض عقوبات على الأوليغارشية الروسية، بعد أن أثرت الإجراءات المتخذة ضد أوليج ديريباسكا على أنشطة شركته للألمنيوم “روسال” في أيرلندا، ما تسبب في خلاف كبير مع دبلن. في أعقاب الغزو المحتمل، من المرجح أن يضيف الكونغرس المزيد من الأوليغارشيين الموالين لبوتين إلى القائمة السوداء لإلحاقها بميزانية الدفاع. يمكن أيضاً استهداف أفراد العوائل المقربة من دائرة بوتين.

5- الخطوة القصوى: “سويفت”

أكبر عصا في ترسانة بايدن هي التهديد باستبعاد روسيا من نظام الدفع الإلكتروني العالمي “سويفت”، مقره بلجيكا وتستخدمه البنوك في جميع أنحاء العالم.. لقد كانت واحدة من أكثر الإجراءات المعوقة التي استخدمت ضد إيران، وستجعل روسيا منبوذة في التمويل الدولي.

فرق للمتابعة

بعد القمة الافتراضية، تحدث بايدن إلى قادة كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا عبر مكالمة جماعية، هي الثانية خلال يومين. وقال البيت الأبيض إن الجميع اتفقوا على ان يبقوا على “اتصال وثيق في ما بينهم من أجل إعداد نهج منسق وشامل يكون بمثابة رد جاهز للإستخدام ضد أي تطور يصدر عن الحشد العسكري الروسي على الحدود الأوكرانية”.

بدوره، قال الكرملين إن الزعيمين “اتفقا على توجيه ممثليهما للمشاركة في مشاورات جوهرية حول القضايا الحساسة”. وهو ما أعلنه أيضاً البيت الأبيض بإن الزعيمين “كلفا فرقهما بالمتابعة”، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء. وهذا من شأنه أن يشير إلى مزيد من المحادثات على مستوى أدنى، واستمرار المفاوضات بين البلدين على الرغم من عدم وجود أي اختراق واضح في المحادثات التي جرت الثلاثاء الماضي.

إذا أُجبرت الولايات المتحدة على الاختيار بين قبول طلب روسيا بأن يبقى “الناتو” خارج أوكرانيا ودخول روسيا، فإن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً

وفي هذا الخصوص أوضح سوليفان انه إذا أمكن نزع فتيل الأزمة، فسيكون هناك مسار دبلوماسي مفتوح نحو حوار مُتجدد بين “الناتو” وروسيا.

إقرأ على موقع 180  أمريكا ـ الصين من الغموض إلى "الوضوح الاستراتيجي"

وأضاف: “ستشارك الولايات المتحدة وحلفاؤنا الأوروبيون في مناقشة تغطي قضايا إستراتيجية أكبر، بما في ذلك مخاوفنا الإستراتيجية مع روسيا والمخاوف الإستراتيجية لروسيا”.

وقبيل محادثات الثلاثاء، استقبل بوتين بايدن بشكل غير رسمي؛ متكئاً على كرسيه؛ ولوح أمام شاشة التلفزيون: “مرحباً سيدي الرئيس”. وذكر التلفزيون الروسي أن المحادثات عُقدت على انفراد، ولم يكن هناك أي مساعدين غير المترجمين الفوريين.

وقال مسؤولون روس إن بوتين سيضغط على بايدن من أجل إجبار كييف على الالتزام باتفاقية مينسك لعام 2015، وهي الاتفاقية التي تتهم كل من روسيا وأوكرانيا الطرف الآخر بانتهاكها. وقال وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، قبيل المحادثات: “يبدو أن كييف لن تستمع لأي شخص سوى الولايات المتحدة”.

خطوط الكرملين “الحمراء”

وقالت روسيا أيضاً إن بوتين سوف يضغط على بايدن للأخذ بـ”خطوطه الحمراء”، بما في ذلك معارضة الكرملين بأن تنضم أوكرانيا إلى “الناتو” أو حتى وجود تعاون بين كييف والتحالف العسكري.

وقال بافلو كليمكين، وزير الخارجية الأوكراني السابق، إن “بوتين يواصل زيادة المخاطر بشكل متعمد من أجل اختبار مرونة الغرب”.

وكليمكين، هو من الذين توقعوا أن القمة الافتراضية لن تسفر سوى عن مكاسب متواضعة جداً، مثل الإتفاق على مواصلة المحادثات. وقال: “إذا وافقوا على بدء الحديث على المستوى الثنائي أو ضمن صيغة نورماندي بأجندة واضحة، فإن ذلك سيكون علامة على التراجع عن التصعيد”. يذكر أن مجموعة نورماندي هي عبارة عن مجموعة اتصال من روسيا وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا، أنشئت لمتابعة المفاوضات بشأن أوكرانيا في عام 2014.

وشدد على أنه من غير المرجح أن يأمر بوتين بسحب قواته المحتشدة على الحدود مع أوكرانيا إلى قواعدها “إلا إذا فهم بوضوح أنه خسر أو أنه انتصر. غير ذلك سوف يبقي على القوات ويحشد المزيد منها”.

بوتين، الذي خدم في “الكي. جي. بي.” في أواخر الحقبة السوفيتية ووصف تفكك الاتحاد السوفيتي بأنه “أعظم كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين، يقول الآن: كفى

رسالة بـ100 ألف جندي

يُذكر أن الكرملين كان قد أعلن الأسبوع الماضي، أن بوتين رسم خطوطه الحمراء، التي وصفها مراقبون بأنها أقرب إلى “الإنذار الأخير”.

وتتلخص الرسالة التي يرسلها بوتين، بدعم من 100 ألف جندي حشدتهم بلاده على حدود أوكرانيا، إلى بايدن وليس إلى الرئيس الأوكراني بما يلي: “لقد كررنا عدة مرات بأن التهديد على حدودنا الغربية يتصاعد، لذلك نُصّرُ في حواراتنا مع الولايات المتحدة وحلفائها على تطوير اتفاقيات ملموسة تُحظر أي توسع إضافي نحو الشرق لحلف شمال الأطلسي وتحظر أيضاً وضع أنظمة صواريخ في المنطقة المجاورة مباشرة للأراضي الروسية. إما أن تقدم لنا الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ضمانات قانونية بأن أوكرانيا لن تنضم أبدًا إلى الناتو ولن تصبح قاعدة للأسلحة التي يمكن أن تهدد روسيا، أو أننا سندخلها ونضمنها بأنفسنا”.

وعلق الأمين العام لحلف الناتو، يانس ستولتنبرغ، بالقول: “فقط أوكرانيا و30 من حلفاء الناتو هم من يقررون متى تكون أوكرانيا مستعدة للانضمام إلى الناتو. ليس لروسيا حق النقض، وليس لروسيا رأي، وليس لروسيا الحق في إنشاء مجال نفوذ يحاول السيطرة على جيرانهم”.

“كفى” روسية لـ”الناتو”

عندما انهار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود، سحبت روسيا جميع قواتها العسكرية من وسط وشرق أوروبا. اعتقدت موسكو أنه بات لديها تفاهم متفق عليه مع الأميركيين.

بموجب الاتفاق، سيتم لم شمل الألمان. سيتم سحب القوات الروسية من ألمانيا الشرقية وبولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا ورومانيا. ولن يكون هناك توسع للناتو في أوروبا الشرقية.

لكن الولايات المتحدة حنثت بالوعد. ففي غضون 20 عاماً، كان “الناتو” قد جلب كل دولة من دول حلف وارسو إلى الحلف جنباً إلى جنب مع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق مثل ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا.

وسعى المحافظون الجُدد والصقور الجمهوريون إلى ضم أوكرانيا واثنتين من الجمهوريات السوفيتية السابقة، جورجيا ومولدوفا، إلى “الناتو”.

بوتين، الذي خدم في “الكي. جي. بي.” في أواخر الحقبة السوفيتية ووصف تفكك الاتحاد السوفيتي بأنه “أعظم كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين، يقول الآن: كفى.

وترجمة “كفى” تعني هنا التالي: “ليس اليوم، ولا غداً! أوكرانيا لن تكون عضواً في الناتو أو حليفاً عسكرياً وشريكاً للولايات المتحدة، ولا قاعدة أسلحة يمكن استخدامها لضرب روسيا في دقائق. بالنسبة لنا، هذا يتجاوز الخط الأحمر. وإذا شرع الناتو في تسليح أوكرانيا تمهيداً لفتح صراع مع روسيا، فإننا نحتفظ بالحق في التصرف أولاً.. وسنفعل!”.

ما هي مشكلة بايدن؟

في أوكرانيا وجورجيا، كما رأينا في حرب عام 2008، تتمتع روسيا بالتفوق التكتيكي والاستراتيجي الذي كان في عام 1962 في كوبا. علاوة على ذلك، وفي حين أن أوكرانيا حيوية بالنسبة لروسيا، إلا أنها لم تكن أبدا حيوية بالنسبة للأميركيين.

عندما اعترف الرئيس فرانكلين روزفلت باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بقيادة جوزيف ستالين في عام 1933، كانت موسكو منخرطة في التنظيم الجماعي القسري لمزارع أوكرانيا، مما تسبب في مجاعة ومقتل الملايين. يومها لم يفعل الأميركيون شيئاً لإيقافه.

خلال الحرب الباردة، لم تصر أميركا أبداً على استقلال أوكرانيا. ستكون حرب الولايات المتحدة مع روسيا على أوكرانيا بمثابة كارثة للدول الثلاث. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تضمن إلى أجل غير مسمى استقلال بلد على بعد 5000 ميل لا يشترك فقط في حدود طويلة مع روسيا الأم ولكن أيضًا في التاريخ واللغة والدين والعرق والثقافة.

وإذا أُجبرت الولايات المتحدة على الاختيار بين قبول طلب روسيا بأن يبقى “الناتو” خارج أوكرانيا ودخول روسيا، فإن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً.

المصادر:

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  الأزمة الأوكرانية هل تمهد لحرب باردة جديدة؟