مقاربات نووية.. إيران في “نادي الكبار”!

لا أريد مناقشة نتائج المفاوضات النووية الجارية حالياً في العاصمة النمساوية واحتمالاتها، طالما أن المراوغة وعدم المصداقية الغربية هي التي تحكم عالم اليوم الذي لا يعرف إلا لغة القوة والمصالح والالتفاف علی الشرعية الدولية.

لا أريد أن أخوض في ذلك أيضاً لأنني على قناعة بأن “عقدة العقد” في منطقة الشرق الأوسط هي “إسرائيل”.. فإذا لم يمر الإتفاق الأميركي مع إيران عبر النافذة “الإسرائيلية”، فانه حتماً سيأخذ المصالح “الإسرائيلية” في الإعتبار.

لا أريد مناقشة ذلك بقدر ما أريد الخوض في مقاربة أولية لنتائج المفاوضات التي تخوضها إيران منذ أكثر من عشرين عاماً ودلالات هذه المفاوضات التي تخوضها دولة شرق أوسطية مع مجموعة دولية مؤلفة من الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي.

على مدى تاريخ الدبلوماسية الدولية منذ انشاء عصبة الامم عام 1920 ومجلس الامن الدولي عام 1945، لم نشهد مفاوضات ماراثونية كتلك التي نشهدها بين دول كبری مجتمعة وبين دولة أخری لا تعترف بهيمنة أي من هذه الدول علی المجتمع الدولي.

في العام 1997، بدأت الترويكا الاوربية مفاوضاتها مع إيران علی خلفية برنامجها النووي، بعدما لمست الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عهد مديرها آنذاك محمد البرادعي حصول تطور مذهل في البرنامج الإيراني خارج أعين هذه الوكالة؛ وقد تطور الأمر إلی أن تشكلت المجموعة الغربية 5+1 التي تضم الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الامن الدولي إضافة إلی ألمانيا ودخلت في حوار مع إيران بدءاً من العام 2013 ليتم التوصل بعد ثلاث سنوات إلى “خطة العمل المشترك” المتعارف عليها بـ”الاتفاق النووي” عام 2015 قبل أن يقوم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعمل متهور بتمثل في الإنسحاب من هذا الإتفاق عام 2018. لكن الرئيس الحالي للولايات المتحدة جو بايدن اعتبر الانسحاب من الإتفاق “خطأ فادحاً”، وأعطى أوامره بإستئناف المفاوضات التي إشترط الإيرانيون أن تكون غير مباشرة.

هذا الحراك السياسي والتقني لا يُعتبر انتصاراً دبلوماسياً إيرانياً وحسب بقدر ما هو انتصار للأسلوب الدبلوماسي الذي اعتمدته المجموعة الغربية مع أحد أعضاء منظمة الأمم المتحدة لمعالجة قضية وضعت في خانة “الفصل السابع”. لا أدري إن كانت هذه الخطوة مدروسة مسبقاً بحسن نية أم أنها أتت علی خلفية السياسة التي انتهجتها إيران في تعاطيها مع ملفاتها المتنوعة والشائكة والمعقدة وحسن توظيفها لأوراقها السياسية والأمنية والتقنية من أجل تحقيق أهدافها.

لا أعتقد أن إيران ستكون قادرة علی تحقيق كامل اهدافها وفق مقاساتها في هذه الجولة من المفاوضات، لكنها بالتأكيد تسير وفق برنامج وتصور وضعته القيادة الإيرانية للتعاطي مع التطورات بما ينسجم وواقع الفراغ الناتج عن تراجع نفوذ الولايات المتحدة ومع آفاق التطورات السياسية والامنية والاقتصادية التي تجري في هذه المنطقة كما في العالم في مرحلة ما بعد كورونا

هذه المفاوضات الماراثونية أفضت إلى تحقيق أهداف إيرانية عديدة أبرزها الآتي:

أول الأهداف؛ كسب اعتراف المجتمع الدولي بأحقية إيران في الحصول علی “الدورة الكاملة للتقنية النووية”، وهذا ما تم الحصول عليه في الاتفاق النووي الموقع عام 2015.

ثاني الأهداف؛ اشراك الدول المتقدمة في الصناعات النووية في البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي جعل إيران تدخل “النادي النووي” العالمي وهو هدف كانت إيران تتطلع إلى تحقيقه.

ثالث الأهداف؛ رؤية إيران بوجوب إستمرار مفاوضاتها مع الدول الكبری وعدم قبولها إشراك أي طرف أو أطراف أخرى فيها. صحيح أنها قالت إن المفاوضات نووية وترتبط بالبرنامج الإيراني ولا تخص أي طرف اقليمي آخر، لكنها في الوقت ذاته أرادت أن تكون المفاوضات مغلقة بينها وبين اعضاء “نادي الكبار” وهي نقطة تنسجم مع طموحات الإيرانيين وما يختزنونه من حضارة وتمدن وعنفوان قومي، سواء في ذاكرتهم وتاريخهم أم في حاضرهم أم في تطلعاتهم المستقبلية.

رابع الأهداف؛ إيران حسمت منذ اللحظة الأولى لوصول بايدن إلى البيت الأبيض بانها لا تجلس بشكل مباشر مع الجانب الأميركي الذي انسحب من الاتفاق بشكل أحادي وفرض عليها عقوبات اقتصادية موجعة، لأنه على الولايات المتحدة إذا كانت ترغب بالجلوس إلى مائدة التفاوض المباشر أن تعود إلى تلك المجموعة الدولية، ولذلك بقی الوفد الأميركي الذي يرأسه روبرت مالي يقيم في فندق آخر في فيينا ويتفاوض مع الإيرانيين عبر وسطاء وهي حالة لها رمزيتها في مواجهة منطق الهيمنة والإستكبار الذي تمارسه الولايات المتحدة مع المجتمع الدولي.

خامس الأهداف؛ إيران رفضت طرح ملف منظومتها الصاروخية علی طاولة المفاوضات، فهذا الأمر سيادي ويتعلق بالأمن القومي والقوة الدفاعية الإيرانية التي لا يمكن وضعها علی طاولة الحوار، وهذا ما كان، بل اكثر من ذلك، قامت إيران بإجراء تجارب علی منظومة صواريخ بالستية جديدة اثناء المفاوضات سواء في عهد الرئيس السابق حسن روحاني او في عهد الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي ولسان حالها يُردد “من أراد التعامل معي فهذا أمري الواقع المرتبط بقوتي الدفاعية وايديولوجيتي العابرة للقارات”.

إقرأ على موقع 180  "شرق أوسط ما بعد أميركا".. النهوض أم التدمير؟ (2)

سادس الأهداف؛ إيران قالت انها غير مستعدة لبحث أي قضية أخری غير الاتفاق النووي علی طاولة المفاوضات، بما في ذلك نفوذها في الاقليم؛ لا بل إن المرشد الإيراني الاعلی السيد علي خامنئي قال ذات مرة انه لدی إيران اصدقاء في المنطقة وان إيران لا تسمح بإضعاف اصدقائها او الهجوم عليهم او النيل منهم وهي رسالة حافظت عليها حتى الآن.

هذه الأهداف الستة التي أرادت إيران تحقيقها، إستوجبت دفع أثمان كبيرة لبلوغها، لكنها نجحت في نهاية المطاف في ترويض المجموعة الغربية التي تجلس إلى الجانب الآخر من طاولة المفاوضات.

لا أعتقد أن إيران ستكون قادرة علی تحقيق كامل اهدافها وفق مقاساتها في هذه الجولة من المفاوضات، لكنها بالتأكيد تسير وفق برنامج وتصور وضعته القيادة الإيرانية للتعاطي مع التطورات بما ينسجم وواقع الفراغ الناتج عن تراجع نفوذ الولايات المتحدة ومع آفاق التطورات السياسية والامنية والاقتصادية التي تجري في هذه المنطقة كما في العالم في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  أبعاد خطاب نصرالله العسكرية.. من التسوية إلى الحرب!