“مؤتمر ميونيخ”.. “عجز” هنا وقوى “صاعدة” هناك!

مرة أخری يستفيق المجتمع الدولي علی أحداث كان شهد مثيلاً لها قبيل الحرب العالمية الثانية؛ لكأن التطورات الراهنة أرادت دقّ ناقوس الخطر وإدخال المجتمع الدولي في حالة انذارٍ قصوی ربطاً باللحظة الجيوسياسية التي تلف العالم بأسره.

أوكرانيا ليست هي الهدف وإنما كانت الذريعة التي دفعت الشرق والغرب لبلورة اصطفافاتهما السياسية والامنية في محاكاة خطيرة لحرب لم تقع ولن تقع، على الأرجح، إنما الهدف هو اختبار قدرات وامكانات اللاعبين الدوليين وإعادة صياغة الواقع تأسيساً لمستقبل ربما يكون أكثر خطورة.

في ألمانيا؛ ينعقد “مؤتمر ميونيخ للأمن”، كعادته سنوياً (18-20 شباط/ فبراير)، وسط مخاطر وأزمات تلف العالم بأسره. المؤتمر كعادته يحاول إيجاد تصورات وليست وظيفته حل الأزمات وانما يعمل كعادته وعادة الدول المشاركة فيه علی تحليل الصراعات الدولية وكيفية إدارتها.

لا ينكر أحد أن الأزمة الروسية ـ الأميركية علی خلفية الملف الأوكراني تتصدّر أعمال “مؤتمر ميونيخ للأمن” في دورته الحالية؛ لكن الجميع يدرك وجود مشاكل معقدة لا تقل خطورة عن الأزمة الأوكرانية بل يسود إعتقاد أن هذه الأزمة ربما هي إحدی “تداعيات الصراع” و”حرب الإرادات” التي يشهدها المجتمع الدولي.

لم يذهب المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون بعيداً عن الاجواء التي نعيشها عندما اعتقد ان صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون متمحورة حول ايديولوجيات الدول القومية بل بسبب الاختلاف الثقافي والديني بين الحضارات الكبری في العالم. وعلی الرغم من الاتهامات التي وُجِهَت لأفكار هنتنغتون التي تنضح عنصرية وكراهية، إلا أن النهج الذي تسير عليه سياسات الدول الغربية ليس بعيداً عن أفكاره وتصوراته وتنبؤاته.

ايشينغر الذي يشير إلی تفاعل الدول الأوروبية مع الأزمة الأوكرانية لم يجب بشكل كامل لماذا انحسر الدور الأوروبي في معالجة القضايا الدولية؟ ولماذا ترضخ أوروبا بهذا الشكل المهين للسياسات الأميركية حتی في الأمور المتعلقة بأوروبا؟ هل هو عجز ذاتي؟ أم أنه مفروض من الخارج؟

لا أحد يمكنه تصور مآلات اليوم التالي اذا اندلعت الحرب بين روسيا والدول الغربية علی خلفية الأزمة الأوكرانية؛ كما أنه من الصعب بمكان رسم سيناريو واضح لآلية الاصطفاف الدولي ومساراته ونتائجه في الاسبوع الثاني من إندلاع أي حرب بين القطبين الرئيسيين في العالم.

لم يكن أمام رئيس “مؤتمر ميونيخ للأمن” فولفغانغ ايشينغر (الصورة أدناه) إلا أن يُشخّص ما أسماه “العجز الجماعي” وإختار شعاراً للدورة الحالية “تغيير مجرى الأمور، التغلب على العجز”. بدا الرجل مهجوساً بسلسلة من الأزمات بدءاً بالأزمة الأوكرانية مروراً بالملف النووي الإيراني وصولاً إلى الصين؛ وتلك التي تخص بنية النظام الامني الأوروبي – الاطلسي المستقبلي.

يعتقد كثيرون أن شعور الغرب بالعجز عن حل المشاكل والازمات ينعكس سلباً علی مجمل التطورات في المجتمع الدولي. هذا الشعور يُولّد إرباكاً سياسياً وأمنياً وإقتصادياً في المجالات الحيوية للدول الغربية ولا يعطي مجالاً للدول والأنظمة السياسية الموازية للمساهمة في وضع حلول ناجعة للصراعات والازمات.

التقرير الذي قدمه ايشينغر رئيس “مؤتمر ميونيخ للأمن” أورد نتائج استفتاء شمل 12 ألف شخص حول العالم سُئلوا حول ما يقلقهم. في ألمانيا تقع قضية المناخ والتقلبات المناخية الخطيرة في قائمة ما يقلق الألمان. في الولايات المتحدة يشعر الناس بالقلق من الهجمات السيبرانية. في الصين يری الناس أن أميركا تشكل أكبر تهديد لهم. أما في روسيا فإن الأوضاع الداخلية وتنامي حالة عدم المساواة تشغل بال المواطنين هناك. في الهند يشعر سكان هذا البلد الكبير بقلق من احتمال استخدام أعداء الهند أسلحة نووية. اللافت للإنتباه في هذا الاستبيان غياب رأي شعوب منطقة الشرق الأوسط الغارقة بأزمات لا يعلم أحد كيفية وطريقة وزمان حلها.

إن قراءة أولية في مضمون تقرير “مؤتمر ميونيخ للأمن” تعطي الانطباع حول طبيعة المخاطر التي تواجه العالم حالياً، فبالاضافة إلی المخاطر العالمية ولا سيما الأزمة الأوكرانية، أراد التقرير مناقشة تداعيات الأزمات التي شهدها العالم خلال العام 2021 وما ستؤول إليه الأوضاع خلال العام 2022، مثل الإنسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان؛ الوضع الأمني المتدهور في مالي ومنطقة الساحل الإفريقي بأكملها؛ زعزعة الاستقرار في القرن الافريقي ومنطقة الخليج؛ ومشاكل أخری تتعلق بالتكنولوجيا والأمن والأوبئة إلخ..

ثمة قوی محلية صاعدة أو طامحة في العديد من المناطق الحيوية في العالم تحاول رسم دورها الأمني والسياسي بما يحقّق مصالحها الإقليمية في الوقت الذي ترغب فيه الدول النافذة بإدارة الصراعات والأزمات بدلاً من إيجاد الحلول الجذرية

يهمنا كشرق أوسطيين ما تُفكر به الدول الغربية (سواء الولايات المتحدة أم أوروبا) لأن “غرف الأفكار” التي تنتشر هنا وهناك وهي غير قليلة تحاول رسم طريقة الحياة في الجانب الآخر من البحار والمحيطات.

يشعر ايشينغر بالارتياح والسعادة للسلوك الأوروبي الذي بدأ بالتحرك دبلوماسياً – كما يقول – بعد أن كانت أوروبا مجرد مراقب هامشي فقط بينما يتكلم الآخرون حول الأزمة وإمكانية حلها. ايشينغر الذي يشير إلی تفاعل الدول الأوروبية مع الأزمة الأوكرانية لم يجب بشكل كامل لماذا انحسر الدور الأوروبي في معالجة القضايا الدولية؟ ولماذا ترضخ أوروبا بهذا الشكل المهين للسياسات الأميركية حتی في الأمور المتعلقة بأوروبا؟ هل هو عجز ذاتي؟ أم أنه مفروض من الخارج؟

إقرأ على موقع 180  الإستحقاق الرئاسي السوري.. مفتاح التغيير الداخلي العميق

أستذكر في هذا المجال صورة نُشرت خلال مؤتمر السبعة الكبار عام 2019 حيث كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب جالساً ويداه مضمومتان إلی صدره في صورة عبّرت بوضوح عن حركات الجسد؛ ومجموعة من رؤساء الدول يحيطون به واقفين بما فيهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الصيني شي جين بينغ. الصورة عبّرت حينها عن لسان حال دول كبری وآلية التعامل بينها وبين الولايات المتحدة. كلنا يتذكر كيف وضع ترامب الذي كان أكثر رؤساء الولايات المتحدة إنسجاماً مع الثوابت الأميركية تصوراته لحلف الناتو ومساهمة الأوروبيين في هذا الحلف والدور الذي تلعبه فيه دون أن ينبس أي من القادة الأوروبيين ببنت شفة أمامه.

ربما يدرك المشاركون في “مؤتمر ميونيخ للأمن” أن الأزمة بين الولايات المتحدة وروسيا ليست في أوكرانيا وإنما في مكان آخر لكنهم يعلمون أيضاً أن ثمة قوی محلية صاعدة أو طامحة في العديد من المناطق الحيوية في العالم تحاول رسم دورها الأمني والسياسي بما يحقّق مصالحها الإقليمية في الوقت الذي ترغب فيه الدول النافذة بإدارة الصراعات والأزمات بدلاً من إيجاد الحلول الجذرية لخلق مناخات آمنة، سياسياً وأمنياً وإقتصادياً.

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الاتفاق النووي سيُوقّع.. ماذا عن غير المُوقّع؟