“وشوشات” عايدة سلوم.. تذوق طعم الألوان   

ما الذي تحتاجه بيروت الغارقة في الظلمة سوى نورٌ تبثه إمرأة إسمها عايدة سلوم تنفض الحزن عنها وتعيدُ تكوين الأجزاء المتناثرة من ضياء وعتمة ورياح وسكون؟

خطوة إثر خطوة قرب الجدار الممتلىء بالنور يتماثل الكون أمامك. أقسم أنني سمعت الصمت. لمست صوته. ازدحم خيالي بضربات ريشة نابضة ناضجة مثل ثمار الجنة في أسطورة الخلق وإجتاحني حنين إلى مجهول، ورغبة في معانقة عيون تنظر إليّ في كل لوحة من لوحات هذه الفنانة الآتية من “السهل” الخصيب لتزرع العاصمة بحقول لونية وأسئلة كونية وصور تنطق بذواتنا التي تشبه تلك الخطوط والتوليفات غير النهائية.

في لوحاتها إيقاعات، تتعاون وتتنافر، فتخلق فكرة ثم تختفي كاللايقين، فلا يمكن القبض عليها.

لم ترسم وجهاً واحداً، لكنني شعرت بدفء النظرات تخرج شاهرة الحب ببساطة ومراوغة.

كنت قد قرأت بعض ما كُتب في الصحافة اللبنانية والعربية عن معرض “وشوشات”، فقررت أن أزوره، وعندما وجدت نفسي في حضرة هذه المُبدعة، قررتُ أن أعبّر عن خواطري، وعلى طريقتي، لعلها تضيف شيئاً إلى ما خطّه عدد من النقاد المتخصصين بالفن والتشكيل.

كنت أعرف عن عايدة سلوم أنها من هواة رسم الطبيعة، وحتماً هي ممن يتأثرون بتجارب آخرين علموها أو تعلّمت منهم. كانت تفيض في أعمالها السابقة بالواقعية إلى حد الإفراط. لاحقت الجذوع وكانت تُذكرنا دائماً ببلد يذوي ويموت. هي الآتية من منابت يسارية. المقيمة في قلب رأس بيروت. الفنانة التي لم تتلوث بأمراض لبنان المقيمة وما أكثرها.

ومن أول خطوة عند باب الغاليري المفتوح على البحر، تضعنا عايدة سلوم هذه المرة أمام ثيمة واحدة. لوحة واحدة. لكن بعد خطوات تتمظهر أمامنا لوحات. تعبيرات وأسئلة وجودية. حالات نفسية. لا تغيب الجذوع ولكنها تحضر بمفردات بصرية مختلفة. صار الأمر جوانياً، قررت الدخول إلى أعماق الأشياء. تجريدية بإمتياز.

يدخل الشاش الأبيض في كل اللوحات، ليس مجرد ضمادة لجرحها ـ جرحنا المفتوح على الأفق، وليس لفكرة مجنونة في رأس فنانة مهجوسة بالإبتكار والتجديد وإنما لهشاشة تحيط بوجودها وبما بعده.

تأسرك عايدة سلوم بلطفها وحرارة استقبالها، وتسألك أن كنت تحتاج إلى تعريف باللوحات والمعرض، إلا أن  شعوري بالألفة تجاه اللون المنبعث من اللوحات، يستوجب خلوة حميمة مع تجربتها الآسرة.

“شكراً لك”. أود الإختلاء في ظلال الضوء الخفيف والكثيف في الوقت عينه.

ينفرد القماش المشدود ويتعدد أمامك، خطوط طويلة ولون يكسر التشابه ويبعثر الكثافة الكونية ويسيل ويسرح معه الخيال.

خطوط هندسية طولية وعرضية، اللوحة هي الأرض برمتها، ثمة جرح نرجسي، والشاش ضمادة وهمية.

في التجريد يصير للبحر رصيف إسفلتي أسود بدل الشاطىء الرملي.

لا يمكن التأكد من أي فكرة جديدة، ولكل الأسئلة المطروحة أجوبة.. ولا أجوبة.

ويبدو أن عايدة سلوم شاعرة بالإضافة إلى كونها فنانة تشكيلية وأستاذة جامعية. تتجلى هوياتها في هذا المعرض. تعبث باللون والريشة بحرفية فائقة. لكأنها معمارية. اللون يعلوه لون آخر، ثم لون جديد، فترتسم أمامنا فسحة ضوئية مثيرة للأسئلة وحمالة أجوبة عديدة.

يقول الفنان التجريدي الروسي فاسيلي كاندينسكي، إنه من بين الفنون جميعها فإن اللوحة التجريبية هي الأصعب، إذ بالإضافة إلى الحساسية والتشكيل والألوان يتطلب الأمر أن تكون شاعراً وهذا هو الأهم.

ولكنك بلا شك ستعزف الشعر وتتلو الموسيقى حين تجول بالبصر المحدود والبصيرة الجامحة.

في اقتحامها حقل التجريد نضجٌ وعمقٌ في التجول في منطقة العقل. أنت دائم السؤال، دائم الغوص في هذا العمق اللوني، وكيف أراه أو أدركته؟

هنا لا صواب ولا خطأ. انت أمام اللون والخيال.. والإبداع.

عايدة سلوم: “أنصت إلى صوت الذات كما لو كنت مرآة، كما لو كنت إمرأة أخرى هي التي تنصت إلى صوت ذاتها العميق. تبدأ هي بضربة فرشاة تنتهي إليها وفيها. نقطةٌ تلو نقطة. ضربةٌ إثر ضربة. ترتفع حياة الحواس ويتكوّن ما يرسم ذلك الانكسار الدفين”

رأيت فصولاً أربعة في لحظة واحدة. يابسة وبحر أزرق وأشجار عبارة عن ظلال وظلام وحياة. ثم إن الأفعال المتوترة تفضح عمق الألم الذي تواريه عايدة تحت طبقات اللون الكثيفة، “هنا ملاذي وليس علاجي”، تقول والإبتسامة الناعمة لا تفارق ثغرها.

تقول عايدة أيضاً “لك أن تقترب لتتذوق طعم اللون. لك أن تبتعد لتراه، لتطويل طعم الذكرى”.

قالت لي إحدى الصديقات، يبدو أن عايدة قد وجدت هويتها، في هذا المعرض. لكأنه ولادة جديدة لها. لكنني أخالفها الرأي، لأنه لا بد من التيه لنتعرف أكثر إلى أنفسنا وإلى الوجود وأعماق أعماقه، وكلما وجدنا ذلك الإطار ينبغي علينا كسره والإنتقال إلى موضوع آخر وبحث جديد في سر الوجود والإبداع.

“كي أنسى، كي أحب، كي أعيش”، بهذا العنوان، تُقدّم هذه الفنانة معرضها، وتقول بلغة الشعراء عن نفسها:

“أنصت إلى صوت الذات كما لو كنت مرآة، كما لو كنت إمرأة أخرى هي التي تنصت إلى صوت ذاتها العميق. تبدأ هي بضربة فرشاة تنتهي إليها وفيها. نقطةٌ تلو نقطة. ضربةٌ إثر ضربة. ترتفع حياة الحواس ويتكوّن ما يرسم ذلك الانكسار الدفين. بصوت خافت، أنا التي تنقر على وتر واحد كي أُخبّىء، كي تخبىء مائة صوت. مائة لون.. أنا هي تلك المرأة التي في هواء الخريف ترتجف. أنا هي تلك المرأة التي ترسم”.

إقرأ على موقع 180  الحريري لو يحمي لوحة لبنان على جدار العرب!

شكراً لك عايدة سلوم أنك تقيمين جزيرة لونية في بيروت الغارقة في الظلام.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الحريري لو يحمي لوحة لبنان على جدار العرب!