إلى المصرفيين الشرفاء: ماذا تنتظرون لتقدموا استقالاتكم؟

أما وقد تم التجديد لمجلس إدارة جمعية المصارف في لبنان، هناك سؤال يوجه إلى عشرات المصرفيين الشرفاء الأكفاء: لماذا تقبلون الاستمرار في هكذا جمعية، وتحت رقابة هكذا بنك مركزي، وفي رئاسة وإدارة هكذا بنوك؟ ماذا تنتظرون لتقديم استقالاتكم لتكون المقدمة الطبيعية لتحرير القطاع المصرفي من أيدي منتحلي صفة مصرفيين وشركائهم من السياسيين وكبار التجار ولتشكلوا النواة الصلبة لإعادة بناء القطاع المصرفي؟

يتساءل مئات الآف المودعين، هل تصدقون أي كلمة من ذلك الإعلان المكرر كاسطوانة مشروخة، بأن “موت المصارف بيمحي لبنان”. وهل تصدقون أنها انطلت على أحد تلك المحاولة الساذجة لتصوير استهداف حفنة “منتحلي الصفة” على أنه استهداف للقطاع المصرفي، وأن الإطاحة بمجلس إدارة جمعية المصارف و”أمينها العام”، سيؤدي إلى انهيار المصارف، وليس العكس.

لا تتسوا أن تذكروا في كتب استقالاتكم، أن الشرط الأساس لحماية القطاع المصرفي، هو إعادة هيكلة المصارف كما يطالب صندوق النقد الدولي. وأن ذلك لن يتم إلا بإقتلاع منتحلي الصفة من مناصبهم ومحاكمتهم ومصادرة أموالهم والعمل على استعادة هذا القطاع الذي بناه رجال كبار، من أيدي المارقين والطارئين والورثة غير المستحقين. أولئك الذين لم يحفظوا إرث من وّرثهم، ولا عهد من آواهم وعلّمهم، فحوّلوا المصارف إلى “أوكار” لتناهب موارد الدولة ومدخرات الناس بالتضامن مع شركائهم السياسيين، من خلال أنشطة أقل ما يقال فيها “مخطط بونزي”، كما وصفها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبنك الدولي.

ويحاولون التذاكي بالقول إن اموال المودعين أقرضوها للدولة وأنهم كانوا مجبرين على ذلك. إسالوهم نيابة عنا، إذا كانوا مجبرين وليسوا شركاء، فلماذا نظموا حملات الترويج “والإغراء” المشبوهة لجذب الودائع بدفع أسعار فوائد خيالية. ودون ان يكون لديهم أي مجال لتوظيفها إلا لدى مصرف لبنان بأسعار فائدة أعلى، محققين أرباحاً بمليارات الدولارات. ولماذا لم يتضامنوا مع رئيس جمعية المصارف سابقاً فرانسوا باسيل عندما رفض السير بهذا التوجه المدمر؟

انصحوا أصحاب المصارف في كتب استقالاتكم بأن يحذروا خلال انتظار محاكمتهم، غضب كبار السن من المودعين وليس الشباب منهم. لأن هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه إلا كراماتهم. وهم ساكتون حتى الآن لأنهم لم يصدقوا بعد ان أموالهم “طارت”

التعميم 158: معايير مصرفية أم “تشبيح”؟

لندع القيم الاجتماعية والأخلاقية وتعاليم الأديان السماوية والقوانين الوضعية. لنسألهم من خلالكم، عن أبسط المعايير المصرفية التي راعوها في ممارساتهم، بتغطية من تعاميم وفرمانات “حاكمهم” حيناً وبالتمرد على هذه التعاميم حيناً آخر. وكان الهدف الوحيد دائماً، هو تذويب الودائع وعدم المس برؤوس أموال مصارفهم وبأموالهم الخاصة. وقد تحقق هذا الهدف بشكل كبير حتى الآن. ونكتفي من كل “الموبقات” التي ارتكبوها بسؤال واحد يتعلق بجريمة التعميمين 158 و165.

إسألوهم في كتب استقالاتكم، تحت أي بند من الأصول المصرفية يندرج التعميم رقم 158. هل هو السرقة؟ أم التشبيح؟ أم الخوة؟. وإذا كان لدى البنوك ومصرف لبنان، السيولة الكافية لدفع مبلغ 400 دولار شهرياً لكل حساب “مؤهل”. فبأي شريعة غاب يتم إجبار صاحبه أن يبيع للبنك 400 دولار أخرى مقابل 65 دولاراً (قيمة الـ 400 دولار بالليرة اللبنانية على سعر 3900 أو 15 ألف ليرة). وماذا تكون النتيجة؟ قيام البنك “بسرقة” حوالي 4000 دولار من كل حساب سنوياً. وليتم خلال عامين تقريباً استنزاف رصيد نصف الحسابات المستفيدة وإقفالها مع انتهاء الربع الأول من العام الحالي. ولماذا يدرسون حالياً وقف العمل بهذه المهزلة والاكتفاء بدفع شريحة الدولار النقدي فقط؟

التعميم 165: حماية الناس أم “استحمارهم”؟

أما التعميم 165، فهو يكشف حقيقة أن اصحاب المصارف لا يكتفون بالسطو على أموال المودعين، بل يصرون على “استحمار” الناس واعتبارهم أغبياء وأميين. فبرّروا صدوره بأنه يستهدف حمايتهم من مخاطر الاحتفاظ بكميات كبيرة من الأموال النقدية، وتسهيل التعاملات وتسيير العجلة الاقتصادية، وطبعاً تخفيض سعر الصرف بإعادة السيولة إلى القطاع المصرفي.

أخبروهم انكم تعرفون ونحن نعرف، أن الهدف الحقيقي هو طمس جرائمهم وتسكير الدفاتر القديمة. في محاولة بائسة يائسة لتعويم أنفهسم ومصارفهم “المتوقفة عن الدفع” أي المفلسة قانوناً، ببناء مصارف جديدة بحسابات جديدة “فريش”… وعفا الله عما سلف. وأخبروهم أن مخاطر هذا التعميم يتجاوز دفن الودائع، فذلك خطر “مقدور عليه” لأن أصحابها قرّروا دفن أنفسهم أحياء في مقابر الخوف و”شو طالع بإيدنا”.

بلّغوهم أن الخطر الحقيقي سيكون من دول يحكمها رجال شرفاء، وشعوب تجري في عروقها الدماء. والأمل معقود عليهم لمحاسبة منتحلي الصفة على أكبر سرقة في التاريخ. وذكروهم أن هذا التعميم يعني عملياً إنشاء “منطقة مصرفية حرة”. وهذه لا تؤسس بتعميم أو فرمان يصدره “حاكم بأمره”، ولا حتى بقرار حكومي أو مرسوم، بل بقانون من مجلس النواب. كما حصل عند إنشاء منطقة “منطقة مصرفية حرة” في سبعينيات القرن الماضي لودائع غير المقيمين بالعملات الأجنبية.

حذّروهم أن قصورهم المسكونة بالخوف، في لبنان أو في المكسيك لن تحميهم. وبلّغوهم أن تعويضات نهاية خدمة العسكريين والموظفين هي الطلقة الأخيرة من جنى العمر، لتقيهم ذل السؤال في أرذل العمر.. وردّدوا على مسامعهم لعلهم يفقهون، أن الموت حق، وأن الذل خيار

ونحن الأميون الخانعون، نعرف أن إجراء المقاصة بالعملات الأجنبية يتطلب إصدار قانون خاص، لأن قانون النقد والتسليف لا يلحظ هذا الحق لـ”الحاكم بأمره”. أما سماح السلطات الأميركية لمصرف لبنان سابقاً بإجراء المقاصة الفورية، فكان استثنائياً ومؤقتاً ومقيداً وجاء لاعتبارات سياسية معروفة. فكيف ستقبل أميركا اليوم ومعها الدول الأوروبية التي تضع القطاع المصرفي ومصرف لبنان تحت مجهر المراقبة والمحاكمة، إتمام تسوية المدفوعات بالدولار بمقاصة محلية من دون المرور بالنظام المالي الأميركي. وبدون التأكد أن المدفوعات تتوفر لها السيولة اللازمة eligibility، والأهم، أنها تحظى بالشرعية legitimacy أي أنها نظيفة من شبهة تبييض أموال المخدرات والفساد والتحايل على العقوبات المفروضة على بعض الدول.

إقرأ على موقع 180  إذا رفض بايدن تغطية ضربة إسرائيلية لإيران.. كيف تتصرف تل أبيب؟

لا تزيدوا الشرح عن مخاطر ما يفعلون، فهم يعرفون. ولكنهم سكروا بخمر غنائمهم. وهم يتذاكون ويراهنون على أن المودعين و”الشعوب اللبنانية” لن يصحوا من سكرة الخنوع والتبعية والطائفية، وأن أميركا والدول الأوروبية ستعفو عنهم وتسامحهم تجنباً لانهيار القطاع المصرفي، لأن انهياره “بيمحي لبنان”!.

إحذورا غضب كبار السن!

انصحوا أصحاب المصارف في كتب استقالاتكم بأن يحذروا خلال انتظار محاكمتهم، غضب كبار السن من المودعين وليس الشباب منهم. لأن هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه إلا كراماتهم. وهم ساكتون حتى الآن لأنهم لم يصدقوا بعد ان أموالهم “طارت”. ولتخبروهم أن القوانين والتعاميم المفصلة على قياس مصالحهم ورذائهلم لن تبرئهم. وأن جيوش “المهرجين” من المحللين والإعلاميين وجمعيات المودعين، الذين اشتروهم بإعادة جزء من ودائعهم، لن تبيّض صفحاتهم السوداء. وحذّروهم أن قصورهم المسكونة بالخوف، في لبنان أو في المكسيك لن تحميهم. وبلّغوهم أن تعويضات نهاية خدمة العسكريين والموظفين هي الطلقة الأخيرة من جنى العمر، لتقيهم ذل السؤال في أرذل العمر.. وردّدوا على مسامعهم لعلهم يفقهون، أن الموت حق، وأن الذل خيار.

Print Friendly, PDF & Email
ياسر هلال

كاتب وباحث إقتصادي، رئيس تحرير موقع طاقة الشرق

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  بالفيديو هذه نصائح بروفسور لبناني مسؤول عن عزل شمال إيطاليا