بوتين بين بطرس الأكبر وهنري كيسنجر

غالبا، ما يأتي فلاديمير بوتين على ترداد السيرة التاريخية لأحد أهم قياصرة روسيا بطرس الأكبر (1672ـ1725) ويردد مصطلحاته ومفاهيمه، وكلها يندرج في إطار امبراطوري يتجاوز المفهوم السائد لـ"الدولة ـ الأمة"، وفي المقلب الآخر لم يخرج الغرب عن النظر إلى روسيا باعتبارها مشروعا أمبراطوريا لا ينكفىء، ومن الأقوال الشهيرة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر "إن الروس يستبطنون دائما مشاعر امبراطورية، ولذلك يجب الحذر منهم على الدوام".

من خلال هذه المقاربة الأولية، يمكن الإطلالة على خلفيات وأبعاد الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي سرعان ما اتخذت طابعا روسيا ـ غربيا، فالغرب ومنذ انهيار الإتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، راح يمعن في جرح الكبرياء الامبرطوري الروسي، فيما روسيا وعلى رأسها فلاديمير بوتين، سعت إلى تأكيد روحها الامبراطورية، فروسيا “إما تكون امبراطورية أو لا تكون”، بحسب ما يقول المفكر الروسي ألكسندر دوغين.

في كتاب “تاريخ جودت” الذي وضعه المفكر والوزير العثماني احمد جودت باشا (1822 ـ 1895) بناء على طلب السلطان عبد المجيد الأول، وصدرت ترجمته العربية عن مطابع جريدة “بيروت” في عام 1891، وهو مدرج في لائحة الكتب الأكثر أهمية التي عالجت وقائع وأحداث القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، تستقر خلاصة المقارنة بين طموحات فلاديمير بوتين ووصايا بطرس الأكبر، على قناعة لا ريب فيها بانتهاج الأول طريقا مستقيما لا يعرف التعرج عن تلك الوصايا التي تربط حياة روسيا وبقاءها بالمجد الامبراطوري، وجاء في الوصايا:

ـ “من اللازم أن تقاد العساكر دائما إلى الحرب، وينبغي لروسيا أن تتخذ زمن الصلح والأمان وسيلة قوية للحرب، وهكذا زمن الحرب للصلح، وذلك لأجل زيادة قوتها وتوسيع منافعها”.

ـ “في وقت الحرب، ينبغي اتخاذ جميع الوسائل الممكنة لإستجلاب ضباط للجنود من بين الملل والأقوام الذين هم أكثر علما في أوروبا، وفي زمن الصلح يتعين استجلاب أرباب العلم والمعارف”.

ـ “عند سنوح الفرصة، ينبغي وضع اليد والمداخلة في جميع الأمور والمصالح الجارية في أوروبا، وعلى الخصوص في وقوعات ممالك ألمانيا التي يمكن الإستفادة منها بلا واسطة بسبب شدة قربها”.

ـ “ينبغي استعمال أصول الرشوة لأجل إلقاء الفساد والبغضاء والحسد في داخل الممالك (المجاورة) وتفريق كلمتهم، حتى نتمكن من انتخاب الملك، وبعد الحصول على انتخاب من هو من حزب روسيا من تلك الأمة، ينبغي حينئذ دخول عساكر روسيا إلى داخل البلاد من أجل حمايتهم والتعصب لهم بإقامة العساكر المذكورة مدة مديدة هناك”.

ـ “على الروسيين أن ينتشروا يوما فيوما شمالا في بحر البلطيق وجنوبا في سواحل البحر الأسود”.

ـ “ينبغي التقرب (الإقتراب) بقدر الإمكان من استانبول والهند، ولذلك من اللازم إحداث المحاربات المتتابعة تارة مع الدولة العثمانية وتارة مع الدولة الإيرانية، وينبغي ضبط البحر الأسود شيئا فشيئا، وذلك لإنشاء دار صناعات بحرية، والإستيلاء على بحر البلطيق أيضا، و(يجب) التمكن من الوصول إلى خليج البصرة، وربما نتمكن من إعادة تجارة الممالك الشرقية القديمة في بلاد الشام والوصول منها إلى بلاد الهند، وبهذه الوسيلة نستغني عن ذهب انكلترة”.

ـ “ينبغي الحصول على اتفاق أو اتحاد مع دولة اوستريا (النمسا) ومن اللازم التظاهر بترويج أفكار الدولة المشار إليها، وأما باطنا فينبغي أن نسعى لتحريك عروق حسد وعداوة سائر حكام ألمانيا لها (للنمسا)، وتحريك كل منهم لطلب الإستعانة من دولة روسيا”.

ـ “يجب تحريض العائلة المالكة في اوستريا (النمسا) على طرد الأتراك، وحين نستولي على استانبول، علينا أن نسلط دول أوروبا القديمة على اوستريا (النمسا) حربا، ونسكّن حسدها لنا بإعطائها حصة صغيرة من الأماكن التي نكون أخذناها من قبل، وبعده نسعى لنزع هذه الحصة من يدها”.

ـ “ينبغي ان نستميل لجهتنا جميع المسيحيين الذين من مذهب الروم المنكرين رياسة البابا والمنتشرين في بلاد المجر والممالك العثمانية، ونجعلهم أن يتخذوا دولة روسيا مرجعا ومعينا لهم، ومن اللازم قبل كل شيء إحداث رياسة مذهبية، حتى نتمكن من إجراء نوع من النفوذ وحكومة رهبانية عليهم، فنسعى بهذه الواسطة اكتساب أصدقاء كثيرين نستعين بهم في ولاية كل من أعدائنا”.

ـ “حين يصبح الأسوجيون مشتتين، والإيرانيون مغلوبين، واللاهيون محكومين، والممالك العثمانية مضبوطة، نجمع معسكراتنا في محل واحد، مع المحافظة على البحر الأسود وبحر البلطيق، وحين ذلك نُظهر، أولا، لدولة فرنسا كيفية مقاسمة حكومات الدنيا بأسرها بيننا، ثم لدولة أوستريا، ويُعرض ذلك على كل من الدولتين على حدة وبصورة خفية جدا، وإذ تكون دولة روسيا قد ضبطت جميع الممالك الشرقية، ويكون أعظم قطع أوروبا في تصرفها، فعنده يسهل عليها (روسيا) أن تقهر وتنكل أية دولة بقيت في الميدان من الدولتين (فرنسا والنمسا) المذكورتين”.

ـ “على فرض المحال أن كلا من الدولتين (فرنسا والنمسا) لم تقبل بما عرضته روسيا عليهما، فينبغي حينئذ أن تصرف روسيا الأفكار لمراقبة ما يحدث بينهما من خلاف ونزاع، فإذا وقع ذلك فلا بد أن يحصل تعب للطرفين ويشتبك هذا مع الآخر، وفي ذلك الوقت يجب على روسيا ان تنتظر الفرصة العظيمة، وتسوق معسكراتها أولا على ألمانيا، ثم تخرج السفن (الروسية) وتمر في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الشمالي مع الأسطول المرتب في البحر الأسود وبحر البلطيق، وتهجم كالسيل على سواحل فرنسا، وبما ذكرناه تصبح المملكتان الواسعتان مغلوبتين، والقطعة التي تبقى في أوروبا تدخل بالطبع تحت الإنقياد بسهولة، وتصبح أوروبا قابلة للفتح والتسخير”.

لعل وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، كان في طليعة الذين قرؤوا مرحلة ما بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، وأجمعوا على التحذير من نهضة روسيا مجددا وعودتها إلى الميدان الدولي بقوة بعد كبوة تفكك السلطة السوفياتية

هذه الوصايا تُظهر إلى حد بعيد مدى إيمان بوتين بأن الجيوش يجب أن تقاد دائما إلى الحرب، كما يقول بطرس الأكبر، فالحروب التي خاضها بوتين من الشيشان إلى جورجيا، ومن سوريا إلى كازاخستان.. وأخيرا أوكرانيا هي دليل إلى ذلك، كما أن مطالبته بنزع الصواريخ الإستراتيجية لحلف “الناتو” من أوروبا الشرقية، توجز نوعا آخر من إيمانه بالنفوذ الامبراطوري لروسيا، وأما علاقته مع الكنيسة الأرثوذكسية فهي استمرار لبسط الحضور الروسي على المسيحيين الذين لا يؤمنون بسلطة الفاتيكان الروحية.

إقرأ على موقع 180  مرفأ بيروت: إنفجار صيغة.. وشهيات إستثمار دولية!

ماذا عن هنري كيسنجر؟

لعل وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، كان في طليعة الذين قرؤوا مرحلة ما بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، وأجمعوا على التحذير من نهضة روسيا مجددا وعودتها إلى الميدان الدولي بقوة بعد كبوة تفكك السلطة السوفياتية، وفي كتابه “الدبلوماسية من الحرب الباردة حتى يومنا هذا” الصادر في مطالع التسعينيات المنصرمة، يُظهر كسينجر النظرة الإستعلائية الأميركية حيال روسيا، وإذا تطرف القول قليلا، يتبين من خلال عرض كسينجر لمواقف بعض الرؤساء الأميركيين من روسيا، حجم عدم احترامهم للقادة الروس (السوفيات) بل قناعتهم بتخلف روسيا وفقدانها المؤهلات الحضارية وعدم أحقيتها أن تكون قطبا دوليا يوازي الولايات المتحدة، وينقل كسينجر عن الرئيس الأميركي هاري ترومان (1884 ـ1972) قوله:

“علينا أن نقسو مع الروس، فهم جاهلون ولا يحسنون التصرف، كأنهم ثيران داخلة في متحف القوارير، إننا ماضون كي نعلمهم كيف يتصرفون”.

وحين غزت ألمانيا النازية الإتحاد السوفياتي، وكان ترومان عضوا في مجلس الشيوخ، ينسب كيسنجر إليه قوله “يجب أن تشجع اميركا، ألمانيا وروسيا على القتال حتى الإستنزاف، وإذا أدركنا أن الرابح ألمانيا علينا ان نقدم العون لروسيا، وإذا قاربت روسيا النصر، علينا بمساعدة ألمانيا”.

يطرح المفكرون الروس منذ ما قبل المرحلة السوفياتية وبعدها “النظرية الأوراسية”، وفي ذلك يقول هنري كيسنجر “إن سيطرة قوة منفردة على أي جزء من جزئي أوراسيا يشكل خطرا استراتيجيا على أميركا، بوجود حرب باردة أو بعدمها، إذ يستطيع هذا التجمع أن يبتز أميركا اقتصاديا ثم عسكريا، وطلاب الجيوسياسة ينزعون إلى انتهاج سياسة تقوم على تهدئة الوحشية الروسية التقليدية ولا تأمل أميركا من المساعدة الإقتصادية لروسيا ان تؤتي ثمارها مثل خطة مارشال مع أوروبا، وليس كل مناوىء للشيوعية في الإتحاد السوفياتي السابق ديموقراطيا، وما كل ديموقراطي يعارض الامبراطورية الروسية”.

ويضيف كيسنجر قائلا “لا غرو أن تعترف معايير السياسة الحقيقية بإحتفاظ حكومة الرئيس بوريس يلتسين بجيوش روسية في معظم أقاليم الجمهوريات السوفياتية السابقة، وغالبا ضد رغبة الحكومات المضيفة، وشاركت هذه القوات في الحروب الأهلية في تلك الجمهوريات، ولذلك أجهر وزير خارجية روسيا مرارا بمفهوم احتكار روسيا لمفهوم السلام في الجوار القريب”.

الطموح الامبراطوري للقادة الروس لا يتبدل مع تعاقب أنظمة الحُكم ومتغيرات الأحوال، فالعقل الروسي واحد وحدود روسيا يحددها المكان الذي تصل إليه أقدام الجنود، وأما نظرة الغرب إلى روسيا فقائمة على الإرتياب والإزدراء والإستعلاء

وحيال “الجوار القريب” لروسيا، يطرح كيسنجر مجموعة تساؤلات حول المصالح الأمنية على المستوى الدولي، ويقول بهذا الصدد “في بعض المناطق كجمهوريات آسيا الوسطى المهددة بالأصولية الإسلامية، ربما توازي مصلحة أميركا الحيوية نظيرتها الروسية، على الأقل لأنها تقاوم الأصولية الإيرانية، فالتعاون هنا ممكن جدا، طالما لا يسوغ عودة الامبراطورية الروسية التقليدية”.

وأما نظرة كسينجر للإنبعاث القومي الروسي بعد المرحلة الشيوعية فيوجزها بقوله “للحركة القومية في روسيا باع تاريخي ورسالي وامبراطوري، وليس عسيرا على علماء النفس أن يجادلوا حول ما إذا كان السبب شعورا عميقا بإنعدام الأمن أم هو عدوان فطري”، ولذلك “منوط بالقيادة الروسية الجديدة أن تعي عملية التغلب على ردح جيلين من سوء الحكم الشيوعي، وهي ليست مخولة بأن تتسلم مناطق النفوذ التي طمع بها القياصرة وقادة الحزب الشيوعي على طوال حدود روسيا الشاسعة طوال 300 عام”.

كيف يقرأ كيسنجر التاريخ الروسي؟

في قراءة تقويمية عاجلة للتاريخ الروسي، يقول كيسنجر”يحوم الشك حول آفاق الديموقراطية في روسيا، وليس واضحا نزوع روسيا نحو سياسات تفضي إلى الإستقرار العالمي، فروسيا غردت طوال تاريخها خارج السرب الغربي، ولم تبلغها حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، او حركة التنوير في القرن الثامن عشر، كما لم تدرك عصر المكتشفات، وكذلك اقتصاديات السوق الحديثة، وبات الزعماء “الروس” أصحاب التجارب الديموقراطية عملة نادرة، وكان جميع الزعماء الروس تقريبا، قد تبؤوا مناصب أثناء الحكم الشيوعي، فتعدد المسؤوليات ليس بثوب جديد يلبسونه، وربما يبدو أنه ليس الأخير”.

أية خلاصة في الختام؟

بالعودة إلى وصايا بطرس الأكبر ومساعي بوتين لتجسيدها في خرائط السياسة والحرب، يتبين أن الطموح الامبراطوري للقادة الروس لا يتبدل مع تعاقب أنظمة الحُكم ومتغيرات الأحوال، فالعقل الروسي واحد وحدود روسيا يحددها المكان الذي تصل إليه أقدام الجنود، وأما نظرة الغرب إلى روسيا فقائمة على الإرتياب والإزدراء والإستعلاء، وعلى ما يرى الغربيون انهم متقدمون على روسيا، وهي متخلفة عنهم، فكيف تكون قطبا متساويا معهم؟ وذاك جرح نفسي غائر في الروح الروسية.

ما يجري في أوكرانيا لا يخرج عن هذه المتعاكسات والمتناقضات، فبوتين يقول: روسيا امبراطورية، فيرد الغرب عليه: ثمة امبراطورية واحدة وآحادية هي “حلف الناتو”.

قديماً قالت العرب “عند جهينة الخبر اليقين”، وجهينة في الحالة الروسية الراهنة ما تُخبر به وتستقر على نتائجه الميادين المشتعلة في اوكرانيا.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  سمعة لبنان تهتز: كأنها صفعة كارلوس خاشقجي!