عنصرية السودان ضد الأكثر سواداً: الموز ووجدي والتظاهرات!

حصل السودانيون على اسم بلادهم من لون بشرتهم وعرفت الأرض التي يقطنونها وامتداداتها من شرق القارة وحتى غربها في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب باسم (بلاد السودان). إبان الفترة الاستعمارية كان هناك السودان الفرنسي الذي عرف باسم مالي بعد الاستقلال.. والسودان الإنجليزي المصري الذي هو جمهورية السودان الحالية وجمهورية جنوب السودان الناشئة.

بالرغم من هذا فإن السودانيين يتفادون في الثقافة الشعبية الإعتراف بلون بشرتهم الأسود، ويهربون إلى مفردات أخرى يحسبونها تداريه مثل الأخدر والأخدراني (الأخضر) والأزرق لوصف الشخص الأسود، وربما قالوا “أخدر شديد” للدلالة على اللون الحالك السواد شريطة انتمائه إلى قبيلة عربية، أما إذا انتمى إلى قبيلة غير عربية فإن الحرج (المتصور) مرفوع ويمكن أن يوصف بالأسود دون حيل لغوية.

وقد كتب الدكتور فرانسيس دينق وهو مثقف ودبلوماسي أممي عمل في حكومة السودان سفيراً ووزيراً قبل استقلال جنوب السودان، ورقة ثرية ولطيفة، بعنوان (الأخدر لون السادة: تراث الرق وأزمة الهوية الوطنية في السودان) تناول فيها فكرة الهروب من الجلد ولونه والتي ظل مستعربو السودان يمارسونها.

ربما أثر انغلاق السودانيين قبل تصاعد موجات الهجرة والعولمة وثورة الاتصالات إلى حملهم تصورات كثيرة عن لونهم وعن أهميتهم، وفي فترات كثيرة عقب اغتراب مئات الآلاف من السودانيين إلى دول الخليج في الستينيات والسبعينيات الماضية تكشف الإحساس بالسواد وعدم عناية العرب – وفي فترة لاحقة الغربيين – بدرجات اللون الأسود، وبالتالي وصف جميع السودانيين بالسود إلى شيء شبيه بما يمكن تسميته بمحاولة الانغلاق الهوياتي إذا استعرنا لغة الأكاديمية التونسية آمال موسى وصار السودانيون يتداولون في مجالسهم الخاصة في أسى: كان بإمكاننا أن نصبح أول الأفارقة ولكننا صرنا آخر العرب، وينسبون العبارة في كل مرة إلى أحد المثقفين التاريخيين دون أسانيد.

ولعل اللافت للنظر أن هذه العبارة أيضاً تضمر نفساً عنصرياً يضمر أن التفوق رهين بدرجة اللون الأسود، وعليه فإننا ما دمنا أقل حلكة في سوادنا من بقية الأفارقة جنوب الصحراء فلا بد أننا سنكون الأفضل، وإلا فما هي الحيثيات التي تجعلنا أفضل من دول مثل كينيا، ونيجيريا، وزيمبابوي، والكونغو كينشاسا؟

عقدة اللون هذه أساسية جداً في تفكيك الكثير من مظاهر سلوك السودانيين، وعملهم، وعلاقاتهم، ونشاطهم الاقتصادي، وترقيهم الاجتماعي، وحركتهم السياسية وهو مبحث شديد العمق والثراء لم يتم الاهتمام به كما ينبغي فيما عدا كتابات محدودة مثل كتابة الدكتور الباقر العفيف (متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء) والتي وصفها البعض بأنها كتابة تشبه الصدى لأفكار المثقف المارتينيكي فرانز فانون التي نشرها في كتابه (جلد أسود وقناع أبيض).

***

استخدمت فكرة العنصرية العروبية بكثافة في السياسة السودانية خلال حكم الإسلاميين ١٩٨٩-٢٠١٩م والذين تبنوا شعارات جهادية وأممية إسلاموية في بداية عهدهم. استخدمت الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة د. جون قرنق، والتي نجحت لاحقاً في تأسيس دولة مستقلة في جنوب السودان، هذه الشعارات الإسلاموية لهزيمة الحكومة على الصعيدين الدبلوماسي والإعلامي وصورت الحرب بإعتبارها حرباً لمواجهة الاستعلاء العروبي ضد الزنوج السود، واستدعت في الكثير من المناسبات تراث الاسترقاق الذي لا يزال أثره كبيراً وواضحاً في تشكل الأمة السودانية، وفي ضبط إيقاع علاقاتها الاجتماعية وتواصل أبنائها.

للأسف تصاعد الإحساس بالظلم وعاش شرق السودان في شد وجذب مع السلطة المركزية، مما دعا بعض المراقبين إلى طرح السؤال حول قيام تمرد مسلح في تلك المنطقة الاستراتيجية، الأمر الذي ربما فتح الباب في المستقبل لنشوء دولة جديدة

للغرابة فإن الحركة الإسلامية وهي تحمل تلك الشعارات أسهمت بشكل كبير في التقريب بين المكونات الاجتماعية السوداء من درجات مختلفة (لن نتحايل باستخدام مفردات أسمر وأخدر الخادعة بطبيعة الحال) وقدمت الكثير من النماذج اللافتة في تصعيد الكثير ممن يعتبرهم الناس سوداً في ثقافة المستعربين إلى المناصب العامة، وشهدت هياكل الحركة الإسلامية تصاهراُ لافتاً للإنتباه بين عائلات من درجات لون مختلفة بصعوبات كبيرة في بعض الأحيان كان الحكم فيها للثقافة الإسلامية وتوجهاتها.

***

يستعيض السودانيون – خصوصاً النشطاء السياسيون منهم بما ينطوي عليه النشاط السياسي من انتهازية ومكر – عن التسامح العرقي بالشعارات الزائفة، لذلك فإن صور الكثير من مشاهد مقاومة حكم الرئيس المعزول عمر البشير والإعتصام الجماهيري الكبير أمام مبنى قيادة الجيش في وسط الخرطوم حملت صور الكثير من الشباب السود، الذين كانوا محرومين وفي أدنى السلم الاجتماعي لأسباب ليست فقط اجتماعية وإنما مرتبطة بتشابكات السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبما أن الاعتصام كان حريصاُ جداً على توفر أكبر أعداد من المشاركين، فإن رفع صور مجموعات من الأكثر سواداً، وأيقنة البعض منهم كرموز للحراك الشبابي كان أحد وسائل الجذب الانتهازية الكبيرة، ولعل أبشع وسائل ذلك الجذب الانتهازي الفصول الدراسية التي أقيمت على عجل لتدريس المتشردين (الشماسة في العامية السودانية والتي تعني من يعيشون تحت الشمس أي بلا مأوى) كبديل لإستيعابهم المفترض في النظام التعليمي والاجتماعي والاقتصادي، وهي فصول دراسية لم يحفل أحد بالعودة للنظر إليها فور تحقق الهدف المراد، وعاد الشماسة إلى العيش تحت شمس السودان اللافحة والنوم في مصارف المياه.

***

ضمن ذلك النشاط الانتهازي كان أحد الهتافات الشهيرة ضد الرئيس المعزول البشير هو (يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور) وهو شعار ثبت أنه كان محض ادعاء انتهازي، كما لاحظ الأستاذ حسين ملاسي، وهو كاتب ومعلق صحفي ذو خبرات معرفية ومهنية متنوعة، الذي كتب أن النشطاء قد هتفوا في حراكهم ضد البشير (كل البلد دارفور) ولما وجدوهم (أي أهل دارفور) في الصفوف الأمامية لإعتصام القصر الأخير أسقط في يدهم.

ماذا حدث بالضبط؟

سيطرت مجموعة الأحزاب الموقعة على ما عرف بإعلان الحرية والتغيير على الساحة السياسية والإعلامية المدنية عقب سقوط البشير واستغلت الفراغ الكبير الذي نتج عن تجريف الساحة من الأحزاب التاريخية الكبيرة، ثم وقعت هذه المجموعة اتفاق الشراكة على السلطة مع المجلس العسكري الذي نفذ انقلاب الـ١١ من أبريل (نيسان) ٢٠١٩م.

كان الاعتصام الذي حقق زخمه الكبير بعد سقوط الحكومة بالفعل واستمر لمدة شهرين تقريباً بعدها اعتصاماً عاصمياً بإمتياز حيث ملأت ساحاته ساكنة العاصمة، وتولى مخاطبتهم نشطاء الأحزاب الصغيرة المنتمين إلى ما يسمى بأفندية البندر أي أفراد الطبقة الوسطى المدينية، وكانت مشاركة أبناء الأقاليم رمزية وحتى هتافات (كل البلد دارفور) قادها أبناء العاصمة نيابة عن أهلها.

إقرأ على موقع 180  مصر والصراع الليبي بانتظار «غودو» الأميركي

أفرزت الشراكة بين مدنيي “الحرية والتغيير” والمجلس العسكري حكومة اقصائية جديدة استبعدت أقاليم السودان خصوصاً الغرب والشرق، وقد كتبت فور تشكيل الحكومة لافتاً النظر إلى هذا الخطأ الفادح في مقال بعنوان (حكومة حمدوك: الشقاق على أسس جديدة) نشر في سبتمبر (أيلول) ٢٠١٩م وحذرت فيه بالقول “لقد قدم مواطنو أقاليم السودان جميعها وعلى نمط متباين بطبيعة الحال ملحمة كبرى في مقاومة نظام البشير وبذل الآلاف أرواحهم على ذلك الطريق فيما خسرت آلاف العائلات أبناءها وأحباءها في تلك الملحمة التي امتدت لثلاثين سنة لم ينقطع فيها السودانيون عن المقاومة، ومن العار أن يتم تجيير كل تلك التضحيات والنضالات لصالح فئة محدودة تنتمي إلى رقعة جغرافية واحدة”.

للأسف تصاعد الإحساس بالظلم وعاش شرق السودان في شد وجذب مع السلطة المركزية، مما دعا بعض المراقبين إلى طرح السؤال حول قيام تمرد مسلح في تلك المنطقة الاستراتيجية، الأمر الذي ربما فتح الباب في المستقبل لنشوء دولة جديدة.

في غضون ذلك، قام ساسة دارفور على اختلاف مشاربهم السياسية والفكرية بقيادة عمل سياسي سري وعلني متقن بإستثناء مجموعة واحدة هي مجموعة عبد الواحد محمد نور وهيأوا المناخ والأرضية لتعديل في تشكيل بنية السلطة الجديدة في الخرطوم، وتوفير السند الجماهيري لها. أصيب نشطاء الخرطوم بالرعب حين رأوا أبناء دارفور وشرق السودان بسحناتهم المميزة، وملابسهم الفريدة، وهم يقودون التظاهرات من أجل تعديل يستوعبهم في بناء وطن يشهرون فيه بإنتماء أفضل وأكثر تعبيراً عن تطلعاتهم.

الرد على تلك التظاهرات كان عنصرياً بإمتياز.

***

مساء ١٩ أكتوبر (تشرين الأول)، وجد وجدي صالح، وهو أحد كوادر حزب البعث العربي الإشتراكي (النسخة العراقية)، نفسه أمام المايكرفون في مدينة ود مدني القريبة من ولاية الخرطوم في لقاء جماهيري مناهض لتظاهرات القصر التي شاركت فيها نسبة كبيرة من أبناء دارفور وشرق السودان بأعداد أقل. حدّثته روحه (العروبية) أن يسخر قليلاً من بني جلدته (والسواد واحد) فقال متصنعاً السخرية وسأكتب ما قاله بالفصحى هنا “الجالسون هناك في الخيام التي تشبه بعضها بعضا، القادمون من منطقة واحدة، الناس الذين يشبهون بعضهم البعض، ويتحدثون بمكبرات الصوت التي (هي أيضاً) تشبه بعضها بعضاً، ويمتطون السيارات التي تشبه بعضها البعض. أولئك الناس يشبهون بعضهم البعض لكنهم في الحقيقة لا يشبهوننا.. لا يشبهوننا نحن إطلاقاً”.. وتضج جماهير السود هتافاً وفرحاً بالفرز الذي منحه لهم القيادي العروبي تأسيساً على درجة اللون والقربى من الدم العربي.

عبثاً حاول المتحدث وحلفاؤه التعذر بالحيل السياسية المعتادة من أن النص قد تم اقتباسه خارج السياق وما إلى ذلك لكن الفيديو كان حاسماً.

***

لم يكن حديث وجدي صالح هو الوحيد الذي يحمل ذات الحمض العنصري فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور الموز، والحديث عن الموز، ووصف المتظاهرين بأكلة الموز وقد تساوى في هذا مسئولون في درجات مختلفة من قوى الحرية والتغيير التي انشق عنها المتظاهرون وطالبوا بإصلاحها بحيث تتسع لتمثيلهم. الكثيرون في وسائل التواصل الاجتماعي نشطوا بشكل (قطيعي) في السخرية من بني جلدتهم ودلالة الموز مما لا يحتاج إلى شرح ضمن علامات الإساءة.

لقد أرهق الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بالإساءات العنصرية التي تمس لونه الأسود، وتصويره تارة ينظر إلى موز في شغف واشتهاء، وتارة وهو يأكله وتارة بالبطيخ، وهو أيضاً أحد الفواكه المرتبطة بالتنميط العنصري.

زوجته ميشيل أيضاً عانت نفس المأساة حين أخطأت ذات مرة وظهرت في برنامج تلفزيوني مع النجمة سارا جيسيكا باركر وهي ترتدي فستاناً طويلاً أصفر اللون، شبهها العنصريون بقطعة موز وصُنِع في ذلك محاولات سمجة وشديدة العنصرية من الفكاهة.

اليمينيون الإيطاليون كانوا أبشع وهم يلقون بالموز على أول وزيرة سوداء في بلادهم الدكتورة سيسيل كيينجي، أما الصحيفة الفرنسية الشهيرة (شارلي إيبدو) فقط بلغت بها البشاعة أن سخرت من اللاعبين السود في منتخب بلادها الذي حقق كأس العالم لكرة القدم، وصورت الكأس نفسه على هيئة موزة ضخمة في حين سأل لاعب زميله: هل هذه موزة؟

الأمثلة كثيرة وننقلها بغرض ضبط التوثيق في المقال لكن هل هذه هي المرة الأولى التي استخدم فيها الموز تحديداً للسخرية من أبناء إقليم دارفور؟ للأسف لم تكن الأولى وفي الغالب فإنها لن تكون الأخيرة إلا إذا واجهنا كسودانيين الحقيقة الساطعة وهي أننا جميعاً سود البشرة وينبغي أن نفتخر بذلك، وفقاً لنصيحة جيمس براون الزاهية.

في أعقاب محاولة حركة العدل والمساواة الدارفورية المنشأ اقتحام العاصمة الخرطوم في مايو (أيار) ٢٠٠٨م، وبعد أن استعاد السودانيون أنفاسهم بدأت على الفور موجات السخرية، وأطلق النشطاء العنصريون على العملية العسكرية الضخمة اسم (غزوة ذات الموز) وهكذا يتكرس الشقاق بين أبناء الوطن الواحد بسبب هذه الممارسات الهادفة للحط من الكرامة الإنسانية والمهينة لمواطن لا ينقصه أي شيء ليستحق مواطنة غير منقوصة في بلد فيه نشأ وأعطى، وينبغي أن تكون له حقوق.

***

هكذا حصل السودانيون بعد أقل من ثلاثة أعوام على ثورة (الحرية والسلام والعدالة) على حركة سياسية جديدة منقسمة إلى خطين:

-خط قديم يستأثر بكل شيء ويرفض الاعتراف بحقيقة الاقصاء الذي يمارس على أقاليم هي الأهم اقتصادياً والأدنى في سجل الاهتمام السياسي والتنموي؛

-خط جديد لا يضيق بالقديم ولا يطالب بإقصائه وإنما يطالب بإستيعابه على أساس عادل وكريم. وهذه هي الفرصة التاريخية للحصول على بنية جديدة للسلطة تعتمد على الكفاءة في أداء المهام والتمثيل العادل لكل الأقاليم والقوميات على أسس عادلة ونزيهة.

بعد عقود على عبارته القديمة، يعود الآن السودانيون إلى عبارة قديمة للدكتور فرانسيس دينق: إن ما يفرق بيننا هو المسكوت عنه وقد حان الوقت لأن يكف الطرفان عن السكوت وأن تتم معالجة هذه القضايا بحوار صريح وشجاع وشفاف.

Print Friendly, PDF & Email
محمد عثمان ابراهيم

كاتب وصحفي سوداني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  مصر والصراع الليبي بانتظار «غودو» الأميركي