أن تكوني أمّاً في لبنان..!

تقول الحكاية: "كان هناك طفل يستعدّ للقدوم إلى الحياة. فسأل الله، مستفسراً، بقلق: سمعتهم يقولون إنّك سترسلني إلى الأرض غداً. لكن كيف؟ كيف سأعيش؟ كيف سأتدبّر أمري؟ ماذا سأفعل؟ فأنا صغيرٌ جدّاً. وعاجز. فلقد أخبروني، أنّ هناك رجالاً سيّئين للغاية على الأرض. فمَن سيحميني منهم يا أبتاه؟!

حضنَ الله الطفل، وقال له مطمئناً: لا تخف. لقد إخترتُ لكَ ملاكاً من بين كلّ ملائكتي. هذا الملاك سينتظرك هناك. على الأرض. لكي يعتني بك ويدافع عنك. فلا تخف يا صغيري. فجأةً، صاح الطفل مستنجداً: يا إلهي..! يبدو أنّني على وشك المغادرة. أخبرني سريعاً.. أخبرني أرجوك! ما هو اسم ملاكي لكي أستطيع التعرّف إليه؟ فأجابه الله مبتسماً: لا يهمّ اسم ملاكك يا صغيري.. لا يهمّ. بإمكانك أن تناديه، ببساطة، أمّي”. هنا، تنتهي الحكاية التي تبدأ مع كلّ ولادة طفل. وعندما يولد طفل، يكون هناك ولادتان. ولادة الطفل. وولادة أمّه. نبحث عن اسمٍ، للمولود الأوّل. ولا نبحث عن آخر، للمولود الثاني. أَلَم يقلْ الشاعر محمود درويش “لن أسمّيكِ امرأةً. سأسمّيك كلّ شيء”؟ بلى، قال.

بعد يوميْن، يحتفي العالم العربي بعيد الأمّ. وستضجّ مواقع التواصل الاجتماعي بالمعايدات. وكلّ فردٍ منّا سيرى “لزاماً” عليه، أن يعرّج على صفحته لينضمّ إلى قافلة المعايدين. فالسوشيل ميديا صارت  (وكأنّها) المعبر الإلزامي لنا. لندلي بدلونا عليها. وفيها. وعبرها. لذواتنا وللغير. وأمّنا هي “الغير” الأغلى، على الإطلاق. نطمح إلى أن يقرأ الجميع كلمات حبّنا لها. وعرفاننا بالجميل الذي فعلته من أجلنا.

هناك مَن سيبحث، حثيثاً، عن طيف أمّه. وسيتذكّرها بوجعٍ لا يشبه أيّ وجعٍ آخر. نعم. سيختنق قهراً. وسيلعن تلك اللّاعدالة التي خطفتها من حياته. من قلبه. لماذا، وهو كان مستعدّاً، لو قُيِّض له، لمقايضة كلّ شيء مقابل عدم فقدان أمّه. هذا الفقد الذي يحفر ثقباً لا يُردَم في الروح، كما كتب يوماً الشاعر أنسي الحاج. لم أفقد أمّي بعد. وأرتعب لمجرّد التفكير بتلك اللحظة. لكنّني، وكعادتي، سرعان ما أنغمس في التفكير. في التخيُّل. في المضي بعيداً. إلى نهاية “كابوس اليقظة”. أركّب سيناريو متكاملاً لفجيعتي برحيلها.

كلمة عن المرأة اللبنانيّة، عندما تكون أمّاً لزعيمٍ أو مسؤولٍ أو سياسيٍّ لبناني. قلبي عليها! كم من لعنةٍ تنصبّ على تلك الأمّ، في اليوم الواحد؟ وعلى ما أنجبته لهذا الوطن؟ كم من صلاةٍ ارتفعت، تطلب من الربّ أن يحرق قلبها على ولدها، مثلما حرق، هو، قلوب أمّهاتنا وقلوبنا، نحن الأمّهات اللبنانيّات؟ يا ويلكم من انتقام الأمّهات!

أمّي مُسجّاة. وأنا أصيح وأبكي ملء السماء. أحاول الإفلات ممّن يُمسك بي، لكي لا أرمي بثقلي عليها. الغريب، أنّني لا أرى نفسي في ذاك الكابوس، كما أنا الآن. أي، أمّاً تبكي أمّها. بل إنّ الصورة التي تحضرني، هي صورتي وأنا طفلة. رهيبٌ هذا الشعور. إذْ يظلّ الإنسان طفلاً حتّى تموت أمّه. فإذا ماتت، شاخ فجأةً! لكن، لماذا اخترتُ أن أكتب اليوم عن أمّي؟ عن الأمّ؟

لأنّني صرتُ أفكّر كثيراً، ومذْ أصبحتُ أمّاً، بالأمّ اللبنانيّة. بمعضلة أن تكون المرأة، في لبنان، أمّاً! فالأمّ اللبنانيّة، هي من بين أكثر الأمّهات معاناةً في العالم! هذا لا يعني، بالطبع، أنّ سائر الأمّهات لا تعانين. بالعكس. فالتاريخ حافل بأفظع الحكايا عن صنوف المعاناة التي تكابدها الأمّهات. في هذا العصر، تحديداً. عصر التوحّش واللّإنسانيّة. بخاصّة، في البلدان المتخلّفة كبلدنا. لكن، لمعاناة الأمّ اللبنانيّة ألف لونٍ ولون. فماذا يعني أن تكون المرأة أمّاً في لبنان؟

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّها وُلِدَت لتكون “مشروع ثكلى”. فهي التي تربّي طفلها “كلّ شبر بنِذْر”، تظلّ مسكونة برعب خسارةٍ محتمَلة له. كيف لا، والموت يترصّده في كلّ زمانٍ ومكان. وعليه، يتحوّل كلّ خروجٍ لولدها من البيت إلى مغامرة! صحيحٌ أنّ الأمّهات اللبنانيّات اعتدن، في زمن الحروب و”النضال”، وَهْب أولادهن قسراً ليكونوا وقود تلك الحروب. الداخليّة والخارجيّة. ولكن لم يعتدن، إطلاقاً، وَهْبهم في أتفه الصراعات على السلطة وأحقرها! ولا حتّى أن يكونوا “فدا دمّ الزعيم”. ولا الانفجارات الانتقاميّة المتنقّلة. ولا الرصاص المتفلّت. ولا القمع برصاص مافيات الحُكم. يا وجعي على أمٍّ صار ولدها صورةً تُعلَّق على أعمدة الكهرباء. وفي مداخل القرى. وأحياء المدن. وعلى جدران البيوت!

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّها مشروع أمّ مفقودٍ أو مخطوف. بحيث، صارت الأمّ اللبنانيّة تشكّل العمود الأساس للجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان في سني الحرب الأهليّة. وللمعتقلين والمفقودين في معتقلات العدوّ. والسجون السوريّة. لم تترك أمّهات لبنان فرصةً إلاّ وانتهزتها. لتُبقي قضيّة أولادها حيّةً. وكلّما أمعنت السلطة السياسيّة في محاولات تناسيها. لم تترك الأمّهات، أيضاً، باباً لسياسيٍّ أو زعيمٍ أو قائد ميليشيا إلاّ وطرقته. لعلّه “يتكرّم” ويساعدها في إطلاق سراح ابنٍ أو ابنة!

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّها ستبقى إنساناً منقوص الحقوق. يعيش تحت رحمة اضطّهادات السياسة والقوانين الذكوريّة والمحاكم الدينيّة الجائرة. طبعاً أنتم تعرفون، أنّ اللبنانيّين واللبنانيّات لا يخضعون لقانونٍ واحد. فبالرغم من كون لبنان عضواً مؤسّساً وفاعلاً في الأمم المتحدة. وشارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وصادق على معظم الاتفاقيّات الدوليّة. وتبنّى العديد من الإعلانات والقرارات الدوليّة. وأكّد في مقدّمة دستوره التزامه بالمواثيق الدوليّة. غير أنّه لم يقضِ على شتّى أشكال التمييز ضدّ المرأة. بل بقي متحفّظاً عليها. ولا يقوى على الاعتراف بالمساواة بين المرأة والرجل، قانونيّاً. ينادي بهذه المساواة، فقط، في الشعارات. كما في كلّ ميدان.

إقرأ على موقع 180  هل يملأ ماكرون فراغ ميركل أوروبياً؟

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّ عليها أن تكون متأهّبة دوماً (كمُطلَّقة)، لخوض المعارك الضارية للحصول على حقّ حضانة أولادها. أي، إنّها رهينة لدى المحاكم الدينيّة التي تنحاز، دائماً وأبداً، إلى جانب الرجل. وتضطّهد النساء (من جميع المذاهب)، بكلّ ما لكلمة الاضطّهاد من معنى. وأكثر. تحرم هذه المحاكم الأمّهات من الحصول، أقلّه، على محاكماتٍ عادلة. وطبعاً، تدعم السلطات السياسيّة الطائفيّة اللبنانيّة رجال الدين في التشفّي من الأمّهات المظلومات!

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّها تَهِب الحياة لأولادها بينما تعجز عن وَهْبهم هويّتها. فالأمّ في لبنان ممنوعة، بقوّة القانون، من إعطاء جنسيّتها لأطفالها في حال تزوّجت من أجنبي. بالتأكيد، هذا لا ينسحب على زيجات الرجال! فدولتنا العَليّة، يا قرّاءنا العرب الأعزّاء، تتغنّى بشعاراتٍ عن انفتاح لبنان وتطوّره. في وقتٍ لا تزال فيه تتحصّن وراء المادّة الأولى من قانون الجنسيّة الذي كان معمولاً به في عهد الانتداب الفرنسي. لماذا يهمّ الأمّ اللبنانيّة منح جنسيّتها لأولادها؟ طبعاً، ليس حبّاً بالأرز وتراب الوطن ومناخه العذب! بل لأنّ الأمر يؤثّر على جميع نواحي حياة أولادها وشريكها. بما في ذلك الإقامة. والقدرة على العمل. والتعليم. والخدمات الاجتماعيّة. والرعاية الصحيّة. كما يعرّض بعض الأطفال لخطر انعدام الجنسيّة.

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّها ستبقى إنساناً منقوص الحقوق. يعيش تحت رحمة اضطّهادات السياسة والقوانين الذكوريّة والمحاكم الدينيّة الجائرة

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّ الحياة نغَّصت عليها العيش مع أولادها. وفرضت عليها أن يكونوا بعيدين عنها. وأن تقف على أرض المطار في طوابير وداع روحها المغادِرة في رحلة إبعادٍ قسري. في رحلة اغترابٍ مجهولة المصير. نعم. يحصل هذا في لبنان الذي ينزف “رأسماله البشري” على وقْع خرابه وانهياراته وأزماته المُفتَعَلة بمعظمها!

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني زيادة احتمالات أن تجد نفسها، ذات يوم، وقد أصبحت “رأس الأسرة”. إمّا بسبب فقدان الزوج. وإمّا بداعي سفره للعمل في الخارج. فيصبح على الأمّ أن تتحمّل، لوحدها، مسؤوليّة كلّ أفراد العائلة. وجميع الأعباء لتربية أولادها. وإعالتهم. وتعليمهم. هذا حال عائلاتٍ لبنانيّة كثيرة جدّاً. ولا سيّما، خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أن تكون امرأةً عليها أن تتجاهل أولويّاتها كإمرأة. أن تنسى ما هي حاجاتها الشخصيّة. فالسلطة في بلادنا، يا أصدقاء، غيّرت أولويّات المواطن اللبناني. بدّلت في أولويّات الأمّ اللبنانيّة. فسوء الأوضاع الاقتصاديّة والماليّة، جعل الأمّ اللبنانيّة تعاني الأمرّيْن لتأمين الحاجات الأساسيّة لأطفالها. وتعيش ضغوطاً نفسيّة رهيبة، لكي لا تشوّه صورة الوطن في عيونهم.

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني زيادة احتمالات أن تكون إمرأة معنَّفة. محطَّمة نفسيّاً. فسوء أحوال البلاد والعباد، انعكس سلبيّاً داخل العائلة اللبنانيّة. وضخّم حجم العنف الذي تتعرّض له الأمّ مع أطفالها. عنفٌ منزلي أو لفظي (أكثر أنواع العنف الذي تتعرّض له النساء في لبنان). يتحوّل، في بعض الأحيان، إلى طقسٍ عنفيٍّ متواصل.

أن تكون المرأة أمّاً لبنانيّة، فهذا يعني أنّها مخلوقٌ بحاجةٍ دائمة إلى الحماية. هذا ما أكّدته دراسة أعدّتها منظمة “أبعاد”، نهاية العام الفائت. شملت الدراسة 1200 امرأة لبنانيّة من مختلف المناطق والفئات الاجتماعيّة في لبنان. تراوحت أعمارهن بين 18 و55 عاماً. خلصت الدراسة، إلى أنّ 94.7 في المائة من نساء لبنان قلن، وبوضوح، إنّهن بحاجة إلى الحماية. داخل المنزل وخارجه. فظيعة هذه النتيجة، أليس كذلك؟

كلمة أخيرة عن المرأة اللبنانيّة، عندما تكون أمّاً لزعيمٍ أو مسؤولٍ أو سياسيٍّ لبناني. قلبي عليها! كم من لعنةٍ تنصبّ على تلك الأمّ، في اليوم الواحد؟ وعلى ما أنجبته لهذا الوطن؟ كم من صلاةٍ ارتفعت، تطلب من الربّ أن يحرق قلبها على ولدها، مثلما حرق، هو، قلوب أمّهاتنا وقلوبنا، نحن الأمّهات اللبنانيّات؟ يا ويلكم من انتقام الأمّهات! تقول الكاتبة الإنكليزيّة آغاثا كريستي: “حبّ الأم لولدها، لا يشبه أيّ شيءٍ آخر في الدنيا. فالأمّ لا تعرف أيّ قانون. ولا تعرف الشفقة. لذا، فهي تتجرّأ على كلّ شيء. وتدمّر بلا رحمة، كلّ ما يقف في طريقها”. إقتضى التحذير.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  حزب الله في مواجهة أميركا والداخل.. والذات!