مدوَّنة خطاب ”حركة شعر” النقدي

صدر، مؤخَّراً، عن "دار نلسون”، في بيروت، بالتعاون مع "مؤسسة أنور سلمان الثقافية”، كتاب ”خميس مجلة شعر..”، للباحث الأب جاك أماتييس السالسي.

يعرف السالسي يوسف الخال (١٥أيار/مايو ١٩١٦ – ١٩آذار/مارس ١٩٨٧) و”حركة شعر” جيِّداً، فهذا الكتاب هو كتابه الثالث الذي يعدُّه عنهما، والكتابان الاَخران هم: “يوسف الخال ومجلُّته شعر”، الصادر عن دار النهار، بالتعاون مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، سنة ٢٠٠٤، و”صدى الكلمة مع يوسف عبد الله الخال”، ١٩٥٥ – ١٩٨٧، الصادر عن “دار نلسن” سنة ٢٠١٩.

يتألَّف هذا الكتاب من أربعة أقسام، أوَّلها ”قراءة في خميس مجلة شعر”، ويتألَّف من خمسة فصول تبحث، على التوالي، في يوسف الخال الثائر والمغامر، وخميس مجلة شعر، بوصفه ندوة متميِّزة حوَّلت ملامح الشعر العربي، ومواجهة التراث، ويوسف الخال: الرؤيا الشعرية والحضارية – القيادة الفكرية والتنظيمية، أدونيس: الشاعر والمنظِّر، أحداث غابت عن محاضر خميس شعر. ويتضمَّن القسم الثاني محاضر اجتماعات خميس مجلة شعر وتقارير عن نشاطاته، والقسم الثالث الفهرس التحليلي لمحاضر خميس شعر، والقسم الرابع ثلاثة ملاحق هي: الدراسات التي نُوقشت في ”خميس شعر” ورسالة من خالدة سعيد وصور.

تجمُّع شعر

المقصود بـ”تجمُّع شعر” الشعراء والنقاد الذين نشطوا في اطار مجلة ”شعر” ودار النشر التي أنشأتها ومنتداها النقدي الذي كان يُعقد مساء يوم الخميس، من كل أسبوع، والذي عُرف باسم “خميس مجلة شعر”. ومجلة ”شعر” مجلة فصلية، صدر العدد الأول منها في شتاء عام ١٩٥٧، وكان مؤسسها وصاحبها يوسف الخال، وهو شاعر وناقد لبناني من أصل سوري. أما ندوتها النقدية، أو ”خميسها”، كما يسميه الكتاب، موضوع هذه المقالة، فكانت، كما يقول الخال: ”ندوة لا تتوخى أن تكون هيئة منظمة تنظيماً مسبقاً، بل جماعة تنمو نمواً عضوياً، ستظل مفتوحة لجميع الشعراء ومحبِّي الشعر، في هذا البلد”. وكان من أبرز الناشطين، في هذا التجمع، الشعراء والنقاد: يوسف الخال، أدونيس، فؤاد رفقة، نذير العظمة، محمد الماغوط، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، نديم نعيمة، خالدة سعيد، وجبرا ابراهيم جبرا.

الواضح أنَّ الباحث السالسي بذل جهداً كبيراً في جمع المحاضر والدراسات من مصادرها ومراجعها، وفي تدوينها وتوثيقها، وفي اعداد الفهرس التحليلي، فقدَّم للباحثين، في أدب الاَونة التي نشطت فيها ”حركة شعر”، وللمهتمين بمعرفة حركة الشعر والنقد العربية، مدوَّنة مهمَّة، يطمئنون، ان عادوا اليها، الى كونها مصدراً موثوقاً، والى موضوعية معدِّها ونزاهته، اذ انه اعتمد المنهج التوثيقي التاريخي، وعُني بالتفاصيل الدقيقة.

كما أنَّ القراءة التاريخية والنقدية للمحاضر التي كتبها تُقدِّم معرفة بخطاب ”حركة شعر” النقدي، من منظور باحث جادٍّ يمتلك معرفة بهذه الحركة، ويعرف رائدها يوسف الخال معرفة شخصية، وسبق أن تبادل معه الرسائل.

قراءة نقديَّة

اننا، اذ نشارك الباحث والناشر الاعتقاد بأهمية هذا الخطاب النقدي، وأهمية “حركة شعر” عموماً، فإننا، في الوقت نفسه، نرى حاجة الى اجراء قراءة نقدية في قراءة السالسي النقدية، وفي خطاب “حركة شعر”، كما يتمثل في المحاضر؛ وذلك من منطلق مفاده أنَّ النقد انَّما هو حوار مطلوب ومفيد، ويتيح المجال للتداول، والخال نفسه يقول أنَّه حاجة ماسة، ويرى أنَّ ”الذي يخاف من النقد هو وحده لا يؤمن بالشيء المنقود، ولا يثق بقدرته على الصمود” (ص. ٧٠).

الأحكام العامة المطلقة

يلاحظ القارئ، في البدء، المبالغة والتعميم المطلق في تقييم ”حركة شعر”، فنقرأ، على سبيل المثال: ”مجلة شعر أهم ظاهرة أدبية وثقافية وانسانية وحضارية في النصف الثاني من القرن العشرين”، ونقرأ ”وينقل أسطورة خميس مجلة شعر..” (راجع: ص. 6 و7). كان ممكناً القول: ”حركة شعر” هي احدى أهم الظواهر، كما كان ممكناً استخدام لفظة غير ”أسطورة”، فهذه اللفظة تتضمن دلالات لا تصدق على ”ظاهرة حركة شعر”، ولا على أيّ ظاهرة أدبية.

ومن هذا القبيل، اصدار حكم عام مطلق، كالقول انَّ قصيدة الحرية ليوسف الخال تطرح “قضية لم يطرحها أحد من قبله على هذا الصعيد..“، ثم الاحالة الى الهامش، والقول:”سبق لسعيد عقل أن نظم قصيدة بعنوان الحرية صدَّر بها بنت يفتاح” (ص. ٣٠)، ثم كيف عرف أنَّ أحداً لم يطرح هذه القضية من قبل حتى يطلق هذا الحكم العام المطلق؟

الانسان في التراث العربي الاسلامي

وفي سياق اَخر، يقول السالسي: ”تعليقاً على قول المستشرق غرنباوم ان الثقافة العربية الاسلامية ترفض أن يكون الانسان مقياساً للأشياء والقيم، من اللافت أن حركة مجلة شعر كانت أوَّل من تمرَّد على هذا الموقف، بإعلانها أنَّ الانسان هو مصدر القيم في الفن..” (ص. ٦١). اضافة الى التعميم المطلق الذي يشمل الحكم على انتاج خمسة عشر قرناً من الثقافة العربية الاسلامية، بمختلف مكوِّناتها، وفي جميع بلدانها، فات الباحث أنَّ القراَن الكريم جعل الانسان خليفة الله، سبحانه وتعالى، في الأرض، وجعل هدف هذا الخليفة الأساس السعي الى العودة الى الجنة التي أُهبط منها أبواه، بسبب خطئهما الذي ارتكباه في موطنهما الأول، وفاته، أيضاً، معرفة الفرق بين الاله في الثقافة الغربية/اله سيزيف، والله، في الثقافة الاسلامية، وهو فرق جوهري، ويتمثل في أنَّ الأوَّل مستبدٌّ ظالم، يركل الجهد البشري بقدمه، ويجعل العيش الانساني عبثاً، وأنَّ الثاني رحمن رحيم، يجعل العيش الانساني سعياً/طوافاً في سبيل تجاوز الخطيئة الأولى، لأبي البشر، والعودة الى الموطن الأول لأبناء اَدم، وفي هذا المسار تؤدِّي الهداية دورها، فتُصوِّب المسار، وتترك للإنسان حرية المضيِّ فيه، أو الانحراف عنه.

يوسف الخال وفتح أبواب الحداثة

ولعلّ أبرز الأمثلة على هذا النوع من الأحكام قوله عن يوسف الخال: ”وقاد بجرأة البطل المناضل مسيرة نهضة فكرية وحضارية فتحت أمام الثقافة العربية أبواب الحداثة” (ص. ١٠٥).

ومع حماسة الباحث، نسأل، مع أنسي الحاج: بأيِّ معنى يوسف الخال شاعر حديث؟ ونصغي الى اجابة أنسي، وهو شاعر ”حركة شعر” وناقدها المتمرِّد: ”بعد أن نتجاوز ما فعله في نطاق الشكل، هل يستتب لنا منه شعر حديث؟ في شعره ادراك سلفي وميتافيزيقيا جاهزة، واستخدام مباشر للرموز، في قصائده النثرية، ازدادت الخطابة، علاوة على وجود الثرثرة..” (راجع: شعر، ٢٠ / ٩١- ١٠٥).

وفي ما يتعلق بقيادة الفريق، يقول يوسف الخال نفسه عن هذه القيادة: ”كنا نأخذ القرارات بالإجماع. بالطبع الكلمة الأخيرة كانت لي. لم أكن أستخدمها لفرض رأيي، ولممارسة الاستبداد، وكنت أسعى لأن نصل الى الكلمة الأخيرة برضى الجميع، دون أن أتنازل أبداً عن حقي بالكلمة الأخيرة. أنا كنت ممسكاً بالأمور، وكنت أميناً على الخط، بحيث كنت أرفض القبول بأيِّ شيء خارج هذا الخط” (ص. ١٠٥). السؤال: بمَ يختلف هذا القائد الذي لا يتنازل أبداً عن حقه بالكلمة الأخيرة، عن أيِّ قائد مستبد من العالم القديم أو الحديث؟ ثم هل هذا هو القائد ”البطل المناضل”، قائد الحداثة؟ وهل كانت أبواب الثقافة العربية مقفلة أمام الحداثة لتفتحها نهضته؟

مشاريع نهضوية تحررية كثيرة

الواقع أنَّ أبواب الثقافة العربية لم تكن مقفلة، اَنذاك، أمام الحداثة، فقد كانت المشاريع الثقافية في لبنان، على سبيل المثال، كثيرة، وكانت النقاشات دائرة بينها، وهي مشاريع نهضوية تحرُّرية حديثة كثيرة ومتنوّعة : قومية عربية، وماركسية، واسلامية، وقومية سورية اجتماعية، وليبرالية، ووطنية لبنانية..، والمعروف أنَّ مجلات نهضوية حديثة كثيرة سبقت مجلة شعر بسنوات، منها في لبنان: المكشوف والأديب والاَداب والطريق والثقافة الجديدة… و”حركة شعر” جاءت لتمثل مشروعاً راح ينشط، ليس وحيداً، وانما في سياق حِراك عام، ثقافي حيوي سياسي اجتماعي فكري أدبي شعري نقدي.

 جمود التراث العربي؟

قراءة الواقع المعيش، اَنذاك، تفيد أنه لم يكن من جمود في التراث العربي، كما يقول السالسي، في قراءته: ”رفع شعراء المجلة وندوة خميسها راية الثورة والتمرد والرفض أمام جمود التراث العربي..” ( ص. ٧).

انَّ المطَّلع على المشهد الأدبي – النقدي، في الاَونة التي نشطت فيها ”حركة شعر”، يعرف تمام المعرفة أنّه مشهد حراك نهضوي تجديدي عام، بعيد كل البعد عن الجمود، واللافت للإنتباه أن الباحث، اذ يتحدث عن جمود التراث العربي، اَنذاك، يذكر حركات شعرية مجدِّدة سبقت “حركة شعر” وعاصرتها، ومنها: المهجريون، ومنهم جبران خليل جبران (١٨٨٢ – ١٩٣١)، المتحدث عن أوَّلية التجربة، والباحث عملياً عن أشكال جديدة تمليها الحياة الجديدة، وهذا ما جعل أدونيس يعدُّه “مؤسِّساً لرؤيا الحداثة، ورائداً أول في التعبير عنها” (راجع: صدمة الحداثة، ص. ٦٣)، وجماعة الديوان، وجماعة أبولو، والحركات: الرومانسية ممثلة بـ”الياس أبو شبكة”، والرمزية ممثلة بأديب مظهر وبشر فارس، والبرناسية ممثلة بأمين نخلة، والشعر الحديث: الحرُّ والمنطلق والتفعيلي، وشعراؤه روَّاد كبار معروفون، منهم: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ولويس عوض وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي.. وقد مثلت حركة الشعر الحديث هذه ظاهرة عرفتها الأقطار العربية قبل تأسيس مجلة شعر بعشر سنوات.

وممَّا يدلُّ على وجود حِراك تجديدي عام قيام حركات تجديدية، منها، على سبيل المثال: حلقة الثريا في جبل لبنان، وعصبة الأدب العاملي في لبنان الجنوبي، ومجلة القيثارة في سوريا.

كما أنَّ يوسف الخال نفسه يقول إنَّ الشعراء الشيوعيين “طوَّعوا اللغة لأداء تجاربهم، فهم ينظمون بلغة بسيطة، يفهمها العامة”، كما أنَّ هيئة تحرير شعر تردّ على ما تُتهم به، فتقول: في الثقافة العربية، ”مواقف حرة منفتحة كثيرة كثرة الخلَّاقين الأفذاذ”، ما يعني أن جوهر التراث العربي ”غنى لا حدَّ له، وتنوُّع لا حدَّ له” (راجع: شعر، ١٢ و١٥). ويقول أدونيس: ”في التراث العربي مئات العقول التي غيَّرت، ورفضت، وتمرَّدت وخلقت وجدَّدت وأضافت، ولسوف نكمل ما بدأ به هؤلاء” (شعر، ١٨/ ١٨٠). وعلى المستوى الشعري، يرى في تمرُّد أبي نواس وأبي تمام جذوراً لتمرّدنا الحديث” (شعر، ٢٠ / ٨٣). ليس من جمود، اذاً، لا في التراث العربي القديم، ولا في التراث العربي الحديث، وان كان من تجديد وتمرد، في هذا العصر، فهو اكمال لمسار تجديد وخلق وتغيير تاريخي.

القصيدة المنثورة وقصيدة النثر

ولعلَّ الظاهرة المهمة، في هذا المسار، هي بروز أدباء ما سمِّي بالنثر الشعري والشعر المنثور، ومنهم أمين نخلة وفؤاد سليمان ومحمد يوسف حمود وخليل رامز سركيس وأمين الريحاني الذي قدَّم عدَّة محاولات متنوِّعة في التجديد، منها ما سمَّاه جرجي زيدان ”قصيدة منثورة” (راجع: مجلة الهلال، جزء ٤، كانون الثاني، ١٩٠٦). وهذا يدلُّ على أنه هو وجرجي زيدان سبقا أدونيس وأنسي الحاج في استخدام هذا المصطلح، اذ انَّ هذين الأخيرين استخدماه سنة ١٩٦٠، واستخدمه الريحاني وزيدان سنة ١٩٠٦، مع ملاحظة فروقات الاختلاف في المصطلح: قصيدة منثورة، قصيدة النثر، وفي المصدر، فالقصيدة، عند الريحاني وزيدان، تطوير لمسار شعري تجديدي: أوَّلية التجربة، ثم نثر شعري، ثم شعر منثور، ثم قصيدة منثورة/النص، وعند أدونيس وأنسي الحاج ترجمة غير دقيقة لمصطلح وضعته سوزان برنار: Poème en prose، لنوع من الشعر الفرنسي، درسته، وبلورت خصائصه، ووضعت مصطلحه، ما يعني وجود فرق في طبيعة التجربة، فروَّاد قصيدة النثر، في “حركة شعر”، استقوا المفهوم والخصائص من دراسة برنار، فتمثلت تجربتهم بأوَّلية المفهوم والخصائص لا أوَّلية التجربة، ثم تأتي قصيدة النثر/النص تطبيقاً لهذا المفهوم.

إقرأ على موقع 180  بري رئيساً للبرلمان اللبناني.. ولكن!

اشكالية ”حركة شعر” الأساس   

وهذه التجربة، المتمثِّلة في معرفة المفهوم الشعري الغربي وتطبيقه، هي التجربة التي يمثلها قول السالسي عن الخال: ”اكتسب مفهوماً جديداً للشعر عمل على تطبيقه على الشعر العربي في مجلة شعر”، وقول الخال: ”فاكتسبت المفهوم الجديد للشعر، هذا المفهوم الذي عملت على التبشير به، بعد عودتي الى بيروت، عام ١٩٥٥، والذي أنشأت مجلة شعر للتعبير عنه، وتطبيقه على الشعر العربي” ( راجع: ص. ١٠ و١٨ ). هذه التجربة تختلف عن التجربة المتمثلة بأوَّلية الحياة – الرؤيا – المضمون، فالنص، فالخصائص، فالمفهوم. يبدو لي أن هذه الاشكالية الكبرى، في انتاج النص الشعري، هي اشكالية “حركة شعر” الأساس.

والاشكالية المتفرعة من هذه الاشكالية تتمثل في أن مفاهيم الشعر الحديث الغربية متنوِّعة متعدِّدة متباينة متناقضة، وكانت تتغير، ولا تزال، نتيجة لتغيُّر حياتي يحدث بشكل دائم في التاريخ. والأساس هو” الخبرة الحياتية الفردية”، أي خبرة ”نا”، وليس خبرة ”هو”، أيَّاً يكن هذا الـ”هو”. وهذا ما كتبه أرشيبولد مكليش في افتتاحية العدد الأول من مجلة شعر. يقول مكليش: ”ما لم تكن مدركات الانسان خاصة به، ومتَّصلة باختباره للحياة، فلن يستطيع أن تكون له حياة الا من طريق سواه، انه لا يملك نفسه، بل لا نفس له” ( شعر، ١/ ٣و٤). هذا الخبير الأجنبي الذي جيء به ليكتب افتتاحية العدد الأول من مجلة ”شعر”، يقرر أنَّ من يأخذ ”أولية تجربة الاَخر – اختباره للحياة – مدركاته – مفهومه، ويطبقه لا حياة له الا من طريق سواه، ولا يملك نفسه، بل لا نفس له. هذه، في تقديري، هي اشكالية ”حركة شعر” الأساس.

الاشكالية تتمثل، هنا، في السعي الى القبض على خبرة هذه المدارس الغربية على مستوى المفهوم والخصائص والتوفيق بينها والصدور عنها، في حين تقضي أولية التجربة الحياتية أن يكون السعي الى القبض على اللحظة الزمنية الراهنة ”عندنا”، كما يضيف مكليش، هذه اللحظة هي ”النبع” الذي تتكون الخبرة الشخصية في مساره، ويكون دور الحداثة الغربية، كما التراث العربي، والانساني عموماً، دور مكوِّن من مكوّناته، أي مكوِّن من مكوِّنات التجربة الحياتية المعيشة، التي ينبثق منها النص الشعري، وليس دور مكوِّن النص الشعري، من طريق تطبيق مفهومه وخصائصه.

ولنحاول أن نعرف كيف يمكن لخطاب شعري، أن يوفِّق بين رامبو وبودلير وادغار ألن بو وعزرا باوند وت. س. ايليوت، المتمثلة رؤيتهم في أنَّ الشاعر راء، صانع ماهر، وبين فرلين الانطباعي، وبين ووردزورث وكولريدج الرومنسيين القائلين باعتماد لغة الناس نفسها، وبعضوية القصيدة، وبين كروتشيه التعبيري، الذي يرى أن الشعر حدس محض، وييتس الذي كان يدعو الى العفوية، ويزدري ادغار ألن بو ومريديه؟

التجربة الحياتية والشعر

وان كان يوسف الخال قد عرض خصائص شعر ييتس، وأهمُّها أن يكون الشعر ”كالصرخة تنبعث من القلب”، وتبنَّاها بوصفها خصائص الشعر الحديث (شعر، ٢٥ / ١٠٦)، فانَّ هذا الشعر يصدر، في تجربة أيِّ شاعر، وفي تجربة ييتس، عن تجربة حياتية يعيشها الشاعر، ويتمثلها، ويمثلها، فـ”ييتس”، على سبيل المثال، انخرط في العمل على تحرير ايرلندا. ومن شعراء مجلة ”شعر” نفسها، محمد الماغوط، الذي كان يصدر، في شعره، عن معاناة الهم اليومي، فكانت لغته كالصرخة التي تصدر من القلب.

في هذا السياق، يمكن أن نقدم مثالاً: قال سعيد عقل، عن قصيدة للأخطل الصغير، أنه لا يقيم وزناً لشاعر يعيش على شاطئ البحر المتوسط، ويتغنى بالصحراء. وأخذ يوسف الخال على ”رندلى” سعيد عقل التي نُظمت بين سنتي ١٩٢٩و ١٩٤٩ أنها لم تتأثر بأحداث الحقبة التاريخية التي نُظمت فيها. وان قرأنا الانتاج الشعري لأعضاء تجمع شعر، في العدد الصادر عام ١٩٥٨ الذي عرف أحداثا تاريخية، على المستويين الوطني والدولي، وُصفت بـ”الكارثة الوطنية”، فإننا لا نجد حضوراً لهذه الأحداث الَّا لدى محمد الماغوط السوري، فنقرأ له، على سبيل المثال: ”سئمتك، أيُّها الشعر، أيها الجيفة الخالدة/لبنان يحترق/.. وأنا أبحث عن فتاة سمينة أحتكُّ بها في الحافلة..” (للمزيد: راجع، شعر ٧ و٨ / ٤٠). الماغوط فعل مافعله ييتس، وما فعله بودلير، أي صدر عن الحياة، فبودلير، كما هو معروف، هو ”أوَّل من تحدث عن باريس متناولاً مباذلها اليومية، المصابيح الغازية التي تُذبذب لهيبها ريحُ الدعارة” (شعر، ٢٩ / ١٤٠). كما لا يمكن فصل بودلير عن القرن التاسع عشر، وعن باريس وعن أمه، وعن ظروف الحضارة الغربية التي كانت توشك على الغروب (للمزيد: راجع، شعر، ٢٦ / ١٤٣).

 وهنا نلمس طريقين: أولاهما طريق الصدور عن أولية التجربة الحياتية، وهي طريق ييتس وبودلير والماغوط وأي شاعر مجدِّد، وثانيتهما طريق أولية المفهوم/الخصائص المستقى من الاَخر، وهي طريق البحث الذهني عن روح العصر الحديث لدى انتاج الاَخر الغربي.

نقاش الاشكالية الأساس

المسائل التي تحتاج الى نقاش، في هذا الكتاب، كثيرة، ولكن في هذه المقالة القصيرة، نكتفي بمناقشة ما رأينا أنه يمثل اشكالية ”حركة شعر” الأساس. ويمكن عرض هذه الاشكالية كما يأتي:

يقول أدونيس عن أسلوب قصيدته: ”أرواد، يا أميرة الوهم”: “أعتمد، في أسلوب هذه القصيدة، كما اعتمدت في قصيدة: وحده اليأس، على الأسلوب الشعري القديم في فينيقيا وما بين النهرين..، وقد أفدت، في بنائها الفني، أيضاً، من البناء الفني عند عدة شعراء أوروبيين” (راجع للمزيد: شعر ١٠/ ٧-٩). وهذا يعني اعتماد الأساليب الجاهزة التي أنتجتها تجربة الاَخر القديم: الفينيقي، والحديث: الغربي، وليس الأساليب التي تمليها الحياة/التجربة الشخصية. وهذا ما يفعله يوسف الخال عندما يوصي باعتماد عشر أسس محدَّدة في نظم الشعر، في دراسته: “مستقبل الشعر العربي” (ص. ٤٤٠و٤٤١)، فالشعر الذي يصدر عن ”توصيات” لا يختلف، من حيث نوعية التجربة، عن الشعر التقليدي الذي يصدر عن قواعد وقوانين وتقاليد مسبقة، وليس عن الخبرة الحياتية الشخصية المولِّدة للتجربة، فالمضمون، فالرؤية، فالنص. تقول روز غريِّب عن الشعر الذي يصدر عن ”الوصفة”: ”الوصفة لا تصنع الشعر كما لا يصنع الثوب الراهب” (شعر/ ٢٠ / ١١٧).

وعي هويَّة الذات

هذا الخروج ممَّا سُمِّي أوَّلية التجربة الحياتية الى أوَّلية المفهوم والأسلوب، يعود الى وعي هوية الذات، فروَّاد ”حركة شعر” وجدوا جذور هويتهم في الحضارة المتوسطية، التي تجد تجلِّيها المعاصر في الحضارة الغربية.

يلغي خطاب الهوية هذا ثنائية شرق/غرب، ليتماهى بالغرب المعاصر – العالمي، ولينحسر لدى عدد من الشعراء اللبنانيين الى حيِّز متوسطي ضيِّق – فينيقي يقتصر على لبنان، والمعني به ”جبل لبنان”، وليس لبنان بمختلف مناطقه، فيوسف الخال يرى أن ”حكاية الشعر العربي الفصيح، في لبنان، قريبة العهد، بدأت منذ قرن ونصف القرن في بلاط الشهابي الكبير..” (ص.٤٢٤)، في حين أنَّ تاريخ الأدب العربي يفيد أنَّ حركة الشعر العربي، في المناطق اللبنانية، كانت ولا تزال جزءاً من حركة الشعر العربي في تطوُّرها العام، ومن الشعراء الكبار، في هذه المناطق، على سبيل المثال، عبد المحسن الصوري (ت.٣٣٩- ٤١٩هج)، معاصر أبي العلاء المعري، وابن مدينة صور؛ وابن منير الطرابلسي (ت.٥٤٨هج)، ابن مدينة طرابلس، والمتحدر من أسرة شعرية؛ وابن الحسام العاملي الذي أبقى جذوة الشعر متَّقدة في جبل عامل ابَّان الحملات الصليبية.

 بين أنطون سعادة و”حركة شعر”

يُلحظ، في هذا الوعي للهوية، تأثر خطاب “حركة شعر” بخطاب أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه، من حيث عدُّ الحضارة المتوسطية جذراً تنبغي العودة اليه، لكنَّ سعادة لم يدع الى اعتماد الأساليب الشعرية الجاهزة، وانَّما دعا الى اعادة الاتصال بالحياة التي تولِّد النظرة/الرؤيا الثاقبة، وابداع النص الشعري الخاص لا اعادة انتاج النص الشعري السوري القديم والغربي الحديث. اضافة، وهذا هو موضع الاختلاف الأساس، الى أمر جوهري، وهو أن خطاب “حركة شعر” يعود الى الانجاز الشعري الغربي، بوصفه التجلِّي المعاصر للحضارة المتوسطية، في حين يرى سعادة أنَّ المعاصرة تعني “توليد النهضة القومية”، أو الإحياء – البعث القومي، وأنَّ الاعتماد على أساليب شعرية مسبقة هو نسخ يفضي الى المسخ (راجع: الصراع الفكري في الأدب السوري، ص. ١٢).

وان يكن الشاعر يعبِّر عن روح العصر، فان خطاب ”حركة شعر” يرى أن الشعور بالعقم واليباب، كما عند شعراء، منهم ايليوت، يعبر عن روح العصر، في حين أنَّ سعادة يرى أنَّ روح العصر هي الروح التي يعيها الشاعر في حياة أمته.

”خميس شعر” ساحة حرة

يفصح خطاب “حركة شعر” عن ثنائية اختلاف/تضاد، تتمثل في طرفين: أولهما روح العصر الغربية، كما يتمثلها ويمثلها، على سبيل المثال، ايليوت وبونفوا وبودلير..، أو النص الشعري الغربي، وثانيهما التجربة الشخصية الحياتية، وهذان الطرفان متغايران، ويريد لهما خطاب “حركة شعر” أن يكونا شيئاً واحداً، وهذا غير ممكن، لأن أولية تجربة روح العصر الغربية ليست أولية التجربة الخاصة، وانما هي صنيعة فكرة، أو صنيعة العقل الباحث عن مفهوم ليطبقه، لدى متبنِّيها (شعر، ٢١/ ١٢٩). يقول يوسف الخال: ”الفن كالأدب يعبر عن الحياة التي هي وليدة العقل” (شعر، ٢/ ٩٧). وهذا البحث الذهني يفضي الى الغاء التجربة الشخصية الحياتية المعيشة المشكِّلة حالة/رؤية تلد نصاً يعادلها لغوياً، كما يفضي الى انتاج نص يحاكي الأنموذج الذي وجده البحث الذهني معبراً عن روح العصر.

في الختام، واذ نقدِّم هذه القراءة النقدية، فإننا نعيد ما كان يحدث في ”خميس مجلة شعر”، فأهمُّ ما في هذا الخميس، كما تقول الناقدة خالدة السعيد: كونه ”ساحة حرة للنقاش والمساءلة والتحليل، وقراءة الشعر، والمحاضرة، وطرح القضايا طرحاً معرفيا جديداً، وبروز الأفكار الجديدة، وتصويب القناعات الشائعة الراسخة: ساحة حرة للسجال المعرفي الأدبي” (ص. ٥٢٦).

Print Friendly, PDF & Email
عبد المجيد زراقط

كاتب وباحث وأديب وروائي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  يا ويلنا بلا طوائفنا المقفلة.. مجرد طُفّار!