خريف العهد: هل ينجح ميقاتي في دفن خصمه حيّاً؟

الورقة التي كتب عليها نجيب ميقاتي بخط يده أسماء من اقترح توزيرهم، هي ببساطة وصراحة، مبادرة استفزازية. المعنى أنه أُريد لها أن تستفز الطرف الذي رُفعت إليه، لتستدرجه إلى رد فعل من النوع الذي يندم صاحبه عليه، الأمر الذي لم يتحقق.. أقله حتى الآن.

من الممكن اتهام الرئيس المكلّف أنه مُرتاح لحكومته الحالية، حكومة تصريف الأعمال، ولا ينوي ــ إن استطاع ــ تشكيل حكومة جديدة. الإتهام سهل في لبنان. والإثبات الموثق ليس أقرب إلى الاخذ به من الشائعة. بوسع من يشاء أن يأخذ بالتهمة ويُصدقها ويبني عليها، تماماً كما أنه بوسع من ينكرها أن يمضي بعيداً في نفيها واستبعادها وحتى تسخيفها. هذا كله لن يُقدّم أو يُؤخر ولن يُغير شيئاً البتّة في طبيعة المشهد. فهذا النمط من “الأداء اللبناني” هو المعتمد في البلد منذ بدايات الـ”ملعوب”، وأعني به “ملعوب الأمن بالتراضي”، أي بتراضي الدركي والمرتكب.

صحيح أن واقعنا المأساوي اليوم لا يسمح بمناورات أو بمساومات ولا باللعب على الحبال. والأصح كذلك أن البلد في أمسّ الحاجة إلى حكومة وفي أسرع وقت، لكن هذا لا يعني أن يطوي الرئيس المكلف ورقة حكومته في جيبه، ثم يمضي في لعبة إستشارات (وهمية) غير مُلزمة (بنتائجها)، كمن يلعب دوراً ثانوياً في مسرحية ممجوجة، غير آبه كثيراً أو قليلاً بحاجة الوضع المُستعصي إلى استشارات حقيقية وجادة تُنتج حكومة كاملة اللياقة تضع لبنان على طريق التعافي الإقتصادي والمالي.

في الوقت نفسه، يُدرك ميقاتي أن شريكه الإلزامي في التأليف يملك حق التوقيع. نعم، يُدرك يقيناً أنّ أيّ حكومة لن تمر ما لم تتطابق مع مواصفات بديهية لمؤسسة دورها ادارة “فراغ رئاسي” محتمل، في حين أن المتعلّم والأمّي يدركان أن هذا جميعه ليس ترفاً على نيّة الديموقراطية بل حاجة حيوية ضاغطة، وأن الوقت داهم الجميع وبات يضاعف حجم الأزمة وثقلها من دون هوادة، وبالتالي فلا وقت للألاعيب والنكد.

ووسط الغموض الكبير الذي يكتنف اللعبة الدائرة، من السهل استشراف ألف سبب وسبب يمكن أن يكون وراء اندفاع الرئيس المكلّف إلى “استضعاف” العهد والتفكير الجاد بدفنه قبل حلول الأوان. فالرئيس في بعبدا لم يترك فرصة إلا واستثمرها للتدليل على ضعف شكيمته وهُزال الوسائل التي يعتمدها لإدارة الشؤون التي عليه إدارتها. صحيح أن هذين الضعف والهُزال يبدوان غريبين تماماً عن سمعة الجنرال وعن تاريخه “قبل ولوجه عتبة أرذل العهود”، إلا أنهما شكّلا السمة الأبرز لعهده منذ البدايات الأولى، بصرف الاهتمام عن مواويل الحوربة بالصنوج وسيوف الخشب. وكل ما طلبه بحسن نية (من دون أدنى شكّ)، من إصلاح وتغيير، انتهى كفقاعات صابون في يوم مطير. ليس أن العهد وُلد ميتاً، بل الأحرى أنه قٌتِل وشبع موتاً بعد شهور قليلة على ولادته.

في أحسن الأحوال يمكن القول إن الرئيس عون شغله الاهتمام بروما من فوق، كما يفعل الرؤساء، في حين انخرطت جماعاته في شؤون روما من تحت، حيث الأعمال والمال والصفقات والبورسانتاجات.. ومن لا يُصدق فليسأل العارف الذي إنتفض على أهل البلاط وقرر أن يبقى “عزيزاً”

مقتل العهد كان، كما لم يعترف به أحد من المستشارين، وربما لم ينتبهوا إليه ولا افترضوه، كان سقوطه في فخّ التوريث المبكر أولاً و”حكومات الوحدة الوطنية” ثانياً. هذه الأخيرة تسمية برّاقة للسم الناقع، كان لها  تفسير واحد لا تخفيف له وهو إشراك “رسول التغيير والإصلاح” في محفل الخراب الذي تسلّم كهّانه البلد بموجب  الحرب التي شنّوها عليه، ثم تمكّنوا منه فقادوه إلى المسلخ.. ولم يشبعوا من السلخ بعد ولا شاءوا إنزال الذبيحة عن “البلَنكو”.

الكل يدرك من دون جهد أن العمق الحقيقي للمعركة الدائرة اليوم، ليس محصوراً بين شخصين ولا بين أسلوبين في الحكم، بل إن المقصد هو مآل السلطة في المرحلة المقبلة، وترسيم حدود القوّة بين “مربعات” القوى المتذابحة على عصا السلطان الذي  سيفرض وجوده في التسويات الداخلية المقبلة.

وهنا ينبغي إعلانها بصراحة الألم.. وقد انتهى زمن الضحك على الذقون، مع وجوب تحييد شخص الرئيس الذي ندّعي أنه “يملك ولا يحكم”. ذلك أنه وبمجرّد أن “لحس” المحيطون به “حلاوة الحرام”، حتى تداعت كل أهازيج التغيير والإصلاح، وانقلبت الخطة رأساً على عقب. وفي أحسن الأحوال يمكن القول إن الرئيس عون شغله الاهتمام بروما من فوق، كما يفعل الرؤساء، في حين انخرطت جماعاته في شؤون روما من تحت، حيث الأعمال والمال والصفقات والبورسانتاجات.. ومن لا يُصدق فليسأل العارف الذي إنتفض على أهل البلاط وقرر أن يبقى “عزيزاً”.

لكل ذلك من الطبيعي أن  تتواصل جولات الكرّ والفرّ بين الأطول عمراً والأطول قامة في نادي الذين فوق.. والغلبة لن تكون إلا لصاحب النَفَس الأطول.. وهو الذي اشتهر بعناده، واستطاع خلال دقائق قليلة أن يحرق المسودة الوزارية الأولى، من دون أن يبذل جهداً يُذكر، ولكن هذه المرة للعمر الرئاسي حدود، وهي بحدود المائة وعشرين يوماً، وعندما يمضي إلى تقاعده، لن يؤول الحكم إلا إلى “ملك التصريف”، طالما ينتظرنا فخامة الفراغ.

إقرأ على موقع 180  القضاء اللبناني والراهبتان.. والإنتفاضة والإعلام

ما يحصل من الآن حتى إسدال ستارة العهد، لن يكون أكثر ولا أقل من “دقّي واعصري”. حبّذا لو نبّه أحدهم صاحب العهد أن ما تعذر تحقيقه خلال خمس سنوات ونيف لن يكون ممكن التنفيذ في خريف الأربعة أشهر الباقية من عهده.

سقط ميشال عون ضحية التردد، فخسر فرصة العمر.. وخسر العهد وخسر الوريث وخسر الناس وخسر البلد.

 

Print Friendly, PDF & Email
محمود محمد بري

كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  دكتاتوريو الطوائف.. إن جنّوا قريباً