أحياناً أشغل نفسي بالاستغراق في تصور حال إنسان غيري متقدم جداً في العمر. أتصوره وقد انفتح أمامه الماضي كله في آن؛ انفتح على سنوات طفولته، وسنوات مراهقته، وسنوات شبابه، ومختلف تجارب علاقاته، وعديد مراحل الإنجاز والفشل في حياته. أراه يفرح أو يحزن ويندب حظه، وفي النهاية يستخلص عبراً. أغلب هذه العبر لا يفيد ولا يعني شيئاً في حسابات حياته الحاضرة، أو في حسابات الفترة المتبقية له في الحياة.
مع ذلك، فإن الإنسان الذي يعنيني، وقد بلغ من العمر ما بلغ، وهو كثير، لن يتوقف عن نبش الماضي، وإن هدأت بالفعل، مع الوقت، مرات هذا النبش. ينبش لأن نسمة تنتمي إلى عاطفة بعينها هفّت؛ هفّت، فإذا بكل ما كانت هذه العاطفة تعنيه له يعود عليه في شكل عاصفة وقوتها. النسمة التي هفّت للحظة تحولت، بـ«نبشة» في الماضي، إلى عاصفة ذكريات ومشاعر وأحاسيس وتقلبات في المزاج، منتهية في الغالب بموجة سعادة فائقة.
***
أذكر بالتفصيل ما حدث مساء الأمس. رنّ هاتف استجابت له ابنتي الصغرى، وكانت تزورني كما تفعل كل مساء. رأيتُ على وجهها، وهي تنصت إلى المتحدث، علامات ابتهاج بالغ. انتهت من المكالمة لتبلغني أن الجهود لدى البيروقراطية، وكانت هائلة بكل معنى الكلمة، نجحت، وأصبح لشقيقها الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً شهادة ميلاد مصرية موثقة.
نسمة هفّت وعاصفة هبّت. قضيت معظم الليل ونهار اليوم أستعير من الماضي تفاصيل بعينها. قضيتهما أستذكر ما سبق وتفضل به الماضي من ذكريات، في مناسبات أخرى تكرم بالكشف عنها من دون سؤال مني أو تطفل. ما أحلاها الهدايا التي كنت أستيقظ فأجدها، من دون طلب أو توقع، تشاركني وسادتي، وما أعذبها كلمة حب سمعتها من دون انتظار.
عشت بالذاكرة لساعات في أجواء وصولنا إلى مطار بكين قبل نحو سبعة وستين عاماً. وصلنا بعد رحلة بدأت في مطار كانتون، دامت ساعات عديدة، قضينا أقلها في طائرة بمحركين، وأكثرها في مطارات محلية نتزود فيها بالوقود والتفاح اللازم لإطعامنا. وصلنا منهكين، والإنهاك بادٍ على زوجتي، ليبلغنا طبيب الفندق أنها حامل، ولنبدأ على الفور رحلة شهور حمل شاقة ألزمتنا قلة الحركة.
***
قضيت ليلة الأمس، في بيتي بالشيخ زايد بحي أكتوبر بضواحي القاهرة، أنبش في أحداث تلك الأيام. تذكرت، بالنبش طبعاً، فرحتي؛ فرحة شاب بسيط بخبر حمل زوجته. وتذكرت، في الوقت نفسه، ضميراً طاله تأنيب ذاتي قوي، لأنه سمح لزوجته، وهي دون العشرين وحامل، بالتبضع والتنزه في قوارب وشوارع وأزقة بانكوك، عاصمة تايلاند، ثم التبضع مرة أخرى، وبتوسع أشد ولأيام أكثر، في مدينة هونغ كونغ. كنا ننفذ نصائح من كانوا على علم أكيد بأحوال بكين، وبخاصة صقيع شتائها وجدب أسواقها، وكانوا، كما كنا، على جهل مطبق بحمل زوجتي، وقد جاء مبكراً.
وبالنبش أيضاً في الماضي المحيط بظروف سبقت مولد ابني أو جاءت بعده، اجتمعت الأدلة على أننا، زوجتي وأنا، عوملنا في الصين كعائلة معاملة متميزة بالمقارنة بزملاء المهنة في مختلف السفارات المعتمدة في الصين. والأدلة هي كالآتي:
(أ) خصصت الحكومة الصينية لنا شقة في العمارات الدبلوماسية تتسع لعائلة أكبر، وحصلنا على أولوية في التخصيص.
(ب) فور دخولنا الشقة للمرة الأولى، فوجئنا بمندوب أكبر محل لبيع الأثاث يزورنا ليبلغنا بأنه كُلّف من وزارة الخارجية بتسهيل عملية تأثيث الشقة بأسعار مناسبة، وبالتجاوز عن قائمة الانتظار، وهي قائمة مطولة باعتبار أن الأثاث وقتها كان يجري استيراده من الاتحاد السوفييتي.
(ج) زارنا في المنزل رجل صيني متقدم في العمر وحليق الرأس، قدّم نفسه بأنه طباخ كلفته وزارة الخارجية بالعمل لدينا ومراعاة أن سيدة البيت حامل وفي حاجة إلى رعاية خاصة. عاشت زوجتي بقية عمرها تنسب فضل شهرتها في الطبخ إلى المستر «كان»، وعشت أنسب إليه الفضل في الاطلاع على جانب مهم من حياة الإقطاعيين الكبار في الصين قبل الثورة، ونمط حياتهم وعلاقاتهم بالقصر الإمبراطوري.
(د) حضرت سيدة صينية كلفتها وزارة الخارجية بالعمل في بيتنا، مرافقة لربة البيت لحين الولادة، ولتتولى بعدها تربية الطفل.
(هـ) سيدة أخرى أُلحقت بالعمل لدينا، متخصصة في شؤون النظافة.
(و) بالمقارنة مع العاملين والعاملات في شقق دبلوماسيين من دول أخرى، كانت مرتبات العاملين في بيتنا أقل من تلك التي تقررها وزارة الخارجية للعاملين في سفارات أخرى.
وقتها، سألت ذوي الخبرة الأقدم في العمل بالصين، فأجمعوا على أن التقاليد والأعراف الصينية تقرر أن من يولد في الصين يستحق التكريم، جنيناً كان قبل الولادة، أم رضيعاً، أم صار شاباً أو كهلاً.
***
أعترف أن اليوم كان حافلاً بأعمال النبش في ماضٍ دفعتني إليها المكالمة إلى ابنتي، التي نُقل إليها خبر إصدار شهادة ميلاد مصرية للنجل العزيز المولود في بكين؛ شهادةٌ تغني عن الشهادة الصادرة عن السفارة المصرية في بكين، وهي الشهادة التي احترقت مع كافة مستنداتنا الورقية في حادث احتراق الطائرة الهندية التي كانت تقلنا، في نهاية رحلتي الأولى في الصين، منقولين إلى روما.
عادة لا يطول معي النبش في ماضي موضوع إلى ما بعد يوم. في يومنا هذا طال حتى نهاية النهار ومطلع الليل. أطفأنا الأنوار، واستعدّت ابنتي للعودة إلى بيتها، وجمعت حزمة أوراقي وعدتي الإلكترونية وأويت معهما إلى غرفة مكتبي. دقائق، وبعدها سمعت الرئيس الأميركي الحالي (دونالد ترامب) يتهم دولة الصين، وقد صارت عظمى في نظره ومهابة في نبرة صوته، بتدبير اختراقات تمهد لتزوير الانتخابات التشريعية القادمة في الولايات المتحدة، ويُهدّدها، أفلحت أو فشلت، بعظائم العقوبات.
ويستمر نبش الماضي؛ ماضٍ عشت بعضه وقرأت عن أكثره، ماضٍ معبأ بأبشع صور المهانة، ثم شريكاً مع الحاضر في تسجيل صور لمرحلة عشتها في بكين، مرحلة شهدت تخلص الصين من زمن المهانة وإطلاق زمن المهابة.
