أنطون سعادة.. قراءة ما لم يُقرأ (1)

لا أكتب عن أنطون سعادة بوصفه من الماضي. هو حي أكثر من أي وقت مضى بعقله وجرأته وصدقه. قال سعادة: الحرية صراع، وهذا يفترض التعدد والنقاش. لنبدأ.

حدث ذات زمن، أن مات الرجل المريض. خرج العثمانيون، كانوا ثمرة ناضجة على شجرة. حضر الغرب. قطف الثمرة وقصّ الشجرة. لم يبقَ للعرب، الذين توهموا أنهم تحرروا، سوى مرارة الاستبداد المطلق الذي أعطى الغرب فرصة تقطيع المنطقة كلّها، ووهبها لـ«رجالات» يعرفون جيّدًا كتابة الإملاء الغربي بحذافيره.. ثم تشليع المنطقة والأمة. مزّقوا وبالوا على رسائل حسين – مكماهون. كذبوا على العرب برمتهم. صدقوا فقط مع الحركة الصهيونية.

باختصار، الجريمة الكبرى قامت على ذبح المنطقة وتجزئتها، وعلى قطع أواصر فلسطين مع محيطها وبيئتها ووهبها «لشعب مضطهد وغير مرغوب به في الغرب». الذين ربحوا الجوائز الاستعمارية. عائلات، إمارات، أرومات، طوائف، سلالات الخ.. هزموا فيصل في سوريا، فعوّضت عنه بريطانيا في حكم العراق، قَبِل وأطاع بعدما هزمته فرنسا. لبنان أُعطي للموارنة، وألحقوا به سنّة مع سوريا، وشيعة مع فيصل، عنوة وغصبًا. صاروا واقعًا. نصفهم في الداخل اللبناني ونصفهم الآخر عند الجيران السنّة. حاولوا تجزئة بلاد الشام. قاتلوا وقتلوا ودمروا، فاستتب لهم الأمر على الدم. فشلوا في تجزئة سوريا السورية، ولكنهم فازوا بسرقة الإسكندرون وعداوة فريق لبناني. منحوا فلسطين لليهود. الأردن لبني هاشم، والسعودية لآل سعود، والكويت لآل الصباح، والإمارات لآلات كثيرة، يتقدمها آل نهيان… وهكذا دواليك. وكانت المأساة الكبرى، عندما أقدمت فرنسا «الحريات» على ضم الجزائر إليها واعتبارها فرنسية، بكلفة بلغت مليوني شهيد جزائري.. إلى آخره.

من يتذكر ذلك اليوم؟ لا أحد. لقد غفر العرب جرائم الغرب كلها. صاروا أصدقاء، لا، بل بعضهم يتصرفون كعملاء. بل بعضهم تصهين جدًّا. التطبيع خطوة غير يتيمة. غدًا، وقريبًا، يدشن التحالف السنّي- الصهيوني. (نبرئ العرب، الناس الغلابى، من هذا الارتكاب المشين والمعادي، إنما، هذا الذي حدث راهنًا، جاء نتيجة مقدمات عربية، ارتكبت فيه قوى كثيرة، خطيئة الانعزال والتحكم والتسلط والمغامرة).

لنعد إذًا، إلى الأساس الذي مهّد للكارثة أن تقع، علمًا، أن لا دخل للشعوب العربية كافة، في ما حصل. الشعوب العربية، كانت معتقلة ومفقرة ومعذبة ومنفية ومجهلة. الخيانات الراهنة هي حفيدة السياسات والمنظمات والمذاهب والعسكر- الانقلابي.

تراث أنطون سعاده ممتلئ. هو شهادة مثالية على عقل يقرأ الواقع، يستفتيه، يصنعه، ويصف له الشفاء. عقله يرسو على فكر نقدي وعلى ثوابت العلم وإرث التاريخ، وشعاب الشعوب في التاريخ، ووحدة الأرض، وعبقرية الإنسان في مواجهة التحديات

سلالات الإخفاق والسقوط

استيقظت الأمة على تقسيم. كان الظن أنه مؤقت. لا. لقد تأبد، ثم تفتت. العرب نشدوا التغيير والمقاومة، بما تيسّر من فكر وثقافة وإرادة. خرجت أصوات كثيرة ترمي إلى إعادة الحقوق لأصحابها: أي الشعوب. عرفت المنطقة العربية تيارات متتالية ومتنابذة.

لبنان، ترسخت فيه الكيانية والطائفية والمحاصصة، برعاية غربية وانتهازيات طائفية. حصة الأقوى هي الفضلى.. سوريا رائدة التيارات الوحدوية، تصدّت للغرب حتى هزمت قواها وخارت وفضلت الاحتفاظ بالقضية، على أن توضع على الرف، مقابل معاهدة تقر بالاستقلال الناقص.

قبل ذلك، في مصر، نهضت حركة المناهضة للاستعمار. الأفكار كانت متدرجة في ضرورة التحرر وإقامة نظام العدالة والكفاية. لم يتيسر ذلك، النظام ملكي، الراعي بريطاني، السويس محتلة ومجزأة. في الضفة الأخرى، مفكرون، استقوا من الغرب مبادئ العدالة والديمقراطية والحداثة. وقفوا ضد الملكية المأزومة والمحكومة في بريطانيا. إلى جانب هؤلاء، استجاب الإسلام للتحدي الغربي «الإخوان المسلمون»، أصّلوا وجودهم من خلال عودتهم إلى الأصل الإسلامي. دخلوا في صراع مع جماعات الحداثة ومع السلطة.

غير أن الغلبة كانت للعسكر، انقلب على السلطة. أزاحها وأطلق العنان لقومية عربية جامحة، وجدت لها أصداء في كثير من الأقطار العربية. قامت أول وحدة، بين مصر وسوريا. لم تعمر إلا سنوات عجاف. ازداد الضغط القومي على أنظمة متخلفة. العسكر يتسلم السلطة في سوريا، القوميون العرب، الناصريون، البعث، فلول القومية الأصيلة، دخلت المعمعة. النتيجة، أن القومية العربية، حررت دولًا من أنظمة رثّة رجعية، وأقامت بديلًا بائسًا: حكمًا عسكريًا، اعتقل الشعب، وفتحت السجون، وكل صاحب رأي مخالف صار نزيلًا، أكان قوميًّا، أم يساريًّا، أم دينيًّا.

ولأول مرة، تحقق «القومية العربية» المتعسكرة انتصاراتها في سبع دول: سوريا، العراق، مصر، السودان، ليبيا، الجزائر ونصف اليمن. ومع ذلك، كانت الدول القومية، في حالة صراع أخوي دامٍ، التآمر بلغ مداه. أما الحرية، فكانت تستشهد كل يوم، غاب الشعب بقرار عسكري. وحدها السجون تروي آثام الحكم العسكري، الذي قزّم القومية، حتى بات الحكم وراثيًّا، على الطريقة الخليجية.

كان طبيعيًّا جدًّا، بسبب الاضطهاد أن تصعد الحركات الأصولية إلى السطح، وأن تنمو في السجون والدساكر. الأصولية الناشئة، كانت الرد على أنظمة العسكر المهزومة وعلى الغرب الحامي للمجتمعات العربية.

سعادة المختلف

تراث أنطون سعاده ممتلئ. هو شهادة مثالية على عقل يقرأ الواقع، يستفتيه، يصنعه، ويصف له الشفاء. عقله يرسو على فكر نقدي وعلى ثوابت العلم وإرث التاريخ، وشعاب الشعوب في التاريخ، ووحدة الأرض، وعبقرية الإنسان في مواجهة التحديات، ومعالجتها بالكلمة، والحكمة والقوة والتنظيم، والأفق المفتوح على الإنجاز والأمل الدائم في مواكبة المحن وظروف الخروج منها بالانتصار.

لا حاجة إلى تكرار مؤلفاته الرائدة ومقالاته المتعددة وخطبه الدقيقة، ورسائله التوعوية، وإنشائه مدرسة نضالية لتحقيق برنامج نهوض الأمة من كبوتها وأزمتها، إنه عقيدة راسية على علم، وحزب، يلزم أن يقوم بمهمة الإنجاز.

لم يكتب له أن يتابع المسيرة التي كانت قد بدأت للتو. سنوات قليلة متقطعة، وقتل في عزّ المحنة الوجودية التي كانت تثقل كاهل الأمة.. لم يكن قد أكمل الكتابة بعد، وكان في بدايات المعركة، يوم استدرج إلى معركة خاسرة ومكيدة خسيسة وإعدام قبل المحاكمة. إعدام يقرّر سلفًا، في أبشع محاكمة في التاريخ. يلزم أن تكون شهادته شهادة القوميين لها، وشهادة على من ارتكب الجريمة المريعة، والتي لا تصدّق. العصابات الشاذة والإرهابية، لا تجرؤ على هذا الارتكاب المريع، قائد فذّ، علماني عبقري، منظم، مشرّع، صاحب مشروع خلاصي للأمة وشعبها، لا صاحب نزوة سلطوية اجتاحت قيادات السياسة في مرحلة كانت فيها قوافل السياسيين، مدنيين وعسكرًا، تلهث خلف سلطة، بشعار التحرير والإصلاح، وبواقع مضاد للشعار: السلطة أولًا وأخيرًا وبين بين، مع ما في السلطة من مكاسب سهلة وأموال فائقة سائبة، هي نتاج شعار سياسي، «رأس الحكمة معاقرة الفساد».

إقرأ على موقع 180  انتخابات لبنان بين الصمت واستراتيجيّات التدمير!

واجه سعاده وضعًا مأساويًا: أمة مشلّعة. استعمار حديدي. قيادات «وطنية» بائسة، همّها السلطة. كيانات على قياس أناسٍ وليس على قامة شعب. انقسامات حادة مناطقية وطائفية ونزواتية. انتماءات عشوائية. «القومية» التي كانت سائدة في ذلك الزمن الاستعماري، كانت تعرج على دين من جهة، وتحشد من أجل سلطة، تدّعي أنها جاءت للتحرير والتغيير من جهة ثانية.. خرج الاستعمار أخيرًا، وعاد إلى هذه البلاد بحلة خبيثة جدًا: حراسة حدود الكيانات ودعم القيادات المحلية التي تجيد خدمة بلاطات الغرب. شذّ عن هذه القاعدة، جمال عبد الناصر، الذي أجرى تغييرًا جذريًّا في الولاءات، وجعل من القومية العربية، قطارًا يمخر الحدود من المحيط إلى الخليج. الجماهير العربية تخطف الأرقام وتتفوق على الحدود ولكن الأرقام لا تصنع تغييرًا. الجماهير وحدها كوارث. التنظيم والبرامج والنضال والوضوح والتضحية والتصميم والكفاح والدقة والمرحلية، هي من ثوابت النجاح في المهمات الصعبة.. الخطأ الجسيم الذي ارتكبته هذه الأنظمة القومية، أنها قتلت الحرية، وأقصت قوة الشعب، وتمترست خلف حراس الأمن. الدولة الأمنية تخيف ولكنها تقع أسيرة قبضة من العسكر أو العائلات.

إذًا، سعادة ليس منظّرًا، إنه قائد فكر ونهج وصراع ونضال ومنشئ أجيال، مستعدة للاستشهاد والقتال، من أجل التحرير وإقامة النظام الجديد المبني على «سورية للسوريين والسوريون أمة تامة»، أي ضد أن تكون سوريا طائفية وعشائرية ودينية ومقسمة

فقاعة العسكر

في ذلك الزمن الزاحف بكل أثقاله، وخاصة في نهايات الأربعينيات، كانت «إسرائيل» قد أنجزت جزءًا من طمعها بالأرض. خاضت معركة على أربع جبهات وربحت. ترى لماذا كانت تلك الجيوش العربية. لقد عاش أنطون سعادة فصول تلك الجريمة، ولكن لا مال ولا سلاحاً. الإرادة وحدها لا تكفي، الكلام عليها بلا ترجمة عملية… رمت «إسرائيل» بثقلها على المنطقة التي «ردت على التحدي» بسلسلة من الانقلابات التي تحولت إلى شرطة عسكرية منتشرة ومتلصلصة، تحاول بفقاعة القوة العسكرية، أن تستعيد حقوق الشعب الفلسطيني… اثنان كانا ضدنا: «إسرائيل» و«أنظمة القمع العسكرية». كلها، يعني كلها.

لم يكن أنطون سعاده منظّرًا أبدًا. كان قد قرن مبادئه بحزب يقوم على عقيدة واضحة وصريحة وملزمة، حزب عليه مهمة إنشاء النهضة وحراستها. نهضة قوامها، وحدة الأمة، التجزئة مشروع خسائر متتالية ولا كيان كان مرتاحًا طوال فترة ما بعد التقسيم، إلى الزمن الراهن، الفاصل بين الأمس الأسود والغد المبهم.

إذًا، سعادة ليس منظّرًا، إنه قائد فكر ونهج وصراع ونضال ومنشئ أجيال، مستعدة للاستشهاد والقتال، من أجل التحرير وإقامة النظام الجديد المبني على «سورية للسوريين والسوريون أمة تامة»، أي ضد أن تكون سوريا طائفية وعشائرية ودينية ومقسمة. مهمّته محاربة أمراض التفتيت وهواية الهويات الخاطئة والملتبسة، وجعل «القضية السورية قضية قومية قائمة بنفسها، مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى» وقوام الأمة السورية في هذا العالم العربي المترامي الأطراف، هو «وحدة الشعب السوري» المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الأزمنة. وهكذا، تكون الأمة السورية مجتمعًا واحدًا، لا مجتمعات عرقية ودينية وطائفية ومذهبية. على أن يقوم كل ذلك، بشعار ومبدأ: «إن مصلحة سورية فوق كل مصلحة».

نظام هذه الأمة يفصل الدين عن الدولة (أين نحن منها اليوم) ويمنع «رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين» و«إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب». أما في الاقتصاد، فلا بد من الإنتاج ثم الإنتاج وإنصاف العمل. وأخيرًا، وربما يكون أولًا: «إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير المصير».

ما الغايات التي كان يتوخاها: «بعث نهضة» تكفل تحقيق المبادئ، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالًا تامًا، وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها». أما عروبيًّا، فنصت غاية الحزب على فقرة أساسية وعلمية: «إنشاء جبهة عربية ما بين الأمة السورية وما بين شقيقاتها في العالم العربي».

لم يتيسر لسعاده غير عامين لخدمة هذه الأغراض عمليًّا وميدانيًّا، ففور عودته من المغتربات، سُطّرت بحقه مذكرة توقيف، وبعدها، افتعلت السلطة وحزب الكتائب معركة في شارع صار فيها الاعتداء على «مطبعة الحزب» انتهت بملاحقة المعتدى عليهم، ومحاولة القبض على سعاده، الذي اضطر إلى الاختفاء، والانتقال إلى سوريا خلسة، حيث أطبق أعداء الداخل والخارج، فقتلوه، ومعه قُتلت آمال أمة.. ولا تزال تقتل كل يوم.

(*) يُنشر بالتزامن مع مجلة “تحولات” (عدد خاص عن أنطون سعادة)

Print Friendly, PDF & Email
نصري الصايغ

مثقف وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  موت افتراضي