“خطبة الجمعة.. وفوضى المنابر” مرجع علمي وإعلامي

ان تقرأ للدكتورة وفاء ابو شقرا، على رغم الاختلاف الذي لا يفسد في الود قضية، والتي بقيت على سجيتها وطبيعتها منذ تعرفت اليها في ايام الجامعة اواسط ثمانينيات القرن الماضي، يعني ان تغوص في لجّة من البحث والتمحيص والتدقيق الذي يدعم الافكار ويمتّن النص الى حد الايمان.

حقيقة أعترف أنني تأخرت في مطالعة كتاب الدكتورة وفاء أبو شقرا: “خطبة الجمعة.. وفوضى المنابر، أزمة الخطاب الديني في زمن الازمات”، لعلة الظروف الضاغطة المانعة لتخصيص متسع من الوقت لأمور كثيرة.
ولكن، بشغف من يريد أن يعرف ما حبّره قلم “زهرة من باقة اخرى” ـ (والمستل هذا، هو من كتاب “لا شيء.. كأنه الشعر”، للصديق الذي أعرف أنني لا أزال في ذاكرته، الشاعر والأديب بسام العنداري، صاحب الخط الجميل، ابن بلدة العبادية الذي حال سفره في أواخر تسعينيات القرن الماضي دون التواصل معه) ـ ولأن خطبة الجمعة هي ركن اساس في نشر الدعوة الاسلامية والتذكير بأسس الدين، وطرح مشاكل الجماعة للنقاش والتداول، اتكلت على الله، وباشرت القراءة.

كتاب الدكتورة وفاء أبو شقرا شائك في افكاره وطروحاته ويحتاج الى تمعن في مقاصده ومراميه، ولكنه يبقى مرجعاً مهماً للمكتبة العلمية والاعلامية

كعادتها، تتناول الدكتورة وفاء أبو شقرا الموضوع من جذوره، ولا تمنعها ندرة المصادر والمراجع التي يستند اليها البحث العلمي الاكاديمي من الابحار في خضم موضوع شائك تصل المخالفة فيه الى حد الاتهام المباشر. وهي بالفعل انتقت لأطروحتها أولاً، ولكتابها لاحقاً، ان تبتعد عن مفهوم رصف الكلمات وصورة الخطيب، ومهاراته الالقائية، أو تصدّر خبر ضارب (سكوب) لموقف يُطلق من على المنابر، الى رصد ظاهرة خطاب الجمعة من حيث الثقافة الدينية وكيفية اشتغال خطاب محدد ليوم الجمعة صادر عن رجال دين محددين ينشطون في الظل، اي اولئك الذين لا تلاحقهم وسائل الاعلام ولا تطالهم الشهرة؛ خطباء في احياء شعبية يعرفون واقعهم وناسهم المتلقين، ويبنون معهم علاقة غير مكتوبة بشروط او نصوص، ولكنها متينة الى حد التأثير في مجريات حياتهم وواقعهم المعاش.

اصرت الدكتورة وفاء أبو شقرا على تدعيم فكرة نصها بتعريفات ومصطلحات هي ضرورية لفهم المقاصد التي ترمي اليها في كتابها: ان من ناحية التركيب الاعلامي لعملية اتصال لا تزال مصرّة على (بدائيتها)، اي الخطاب المباشر بقوة الصوت المحدودة الى جمهور متلقِ موجود في حيز مكاني محدد هو المسجد، يتفاعل في رجع صداه مباشرة مع الخطيب ورسالته (الخطبة) دون حاجة الى انتظار، على الرغم من امكانية استخدامه (لاحقاً) منصات التواصل الاعلامي الرقمية وغيرها. كما ركزت الباحثة على الناحية الدينية لمفهوم خطبة يوم الجمعة وصلاة يوم الجمعة وموقعها في حياة المسلمين عامة كموعد ثابت بين جمع المسلمين والتوجيه الديني الشرعي والفقهي والمتواصل مع السياسي في احيان كثيرة، ولموقع امام المسجد ومكانته، بل وقوة تأثيره واحياناً سطوته من خلال السلطة الدينية، او لجهة جمهور المصلين المستمعين الى الخطبة ونشر محتواها في مجتمعهم الضيق، وصولاً الى الالتزام بالمضامين والتوجهات التي اخذتهم اليها، دون ان يغيب عنها تركيبة الخطاب ووقته ومستلزمات بنائه شكلاً ولغة جسد واختيار لغة، مضافاً اليها مواصفات الخطيب ولهجته ومهاراته الالقائية لتشكيل دائرة الاعلام الاساس ومرتكزاته الأولية التي لم تتغير: مرسل، وسيلة اتصال، رسالة، جمهور متلقِ، ورجع صدى.
كتاب الدكتورة وفاء أبو شقرا شائك في افكاره وطروحاته ويحتاج الى تمعن في مقاصده ومراميه، ولكنه يبقى مرجعاً مهماً للمكتبة العلمية والاعلامية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  بيرغمان يكشف رواية تل أبيب للمفاعل السوري.. أين رواية دمشق؟
طلال حاطوم

أستاذ جامعي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  وطنٌ بين روايتين.. وشهيدين!