الخوف اللبناني السائل في نهر الغدير..!

كان ذلك خلال ثمانينيّات القرن الماضي. في ذروة موجة السيّارات المفخّخة التي ضربت لبنان. فعندما كنتُ ألمح سيّارة "عتيقة" مركونة إلى جانب الطريق، أسارع لتغيير مساري. إذْ كان شائعاً اختيار هذا الصنف من السيّارات لتحويلها إلى قنابل موقوتة. في الحقيقة، لم أكن أخاف أن أموت جرّاء انفجارها. بل، من ألاّ أموت. وأبقى حيّةً مع جسدٍ ميت!

في هذه الأيّام العصيبة يعاودني ذاك الخوف. فذاكرة الكلمات تضيع، إنّما ليس ذاكرة الانفعالات. فتراني أفتّش عن أيّ سببٍ لعدم مغادرة البيت. عائلتي الصغيرة وأنا. “فالعالم الموجود في الخارج” خطير. ومن الأفضل اجتنابه. إنّه الشعور البديهي الذي يُحسّ به مَن يشعرون بالخطر. ممّن فقدوا الثقة بقدرتهم على التعامل مع خطرٍ مباشر. فيقعون، تلقائيّاً، في قبضة الخوف. ولأنّ للخوف عيوناً كثيرة، كما يقول ميغيل ديثيربانتس في روايته دونكيشوت، فبوسعه (الخوف) أن يرى الأشياء الخفيّة. فيصير الإنسان الخائف مثل الآلة الكاشفة للألغام. ينقّب عن “أخطار كامنة” يتخيّل أنّها تحوم في المنطقة التي يعبرها. بخاصّة، إذا كانت مظلمة. أَوَليْس الظلام الموطن الطبيعي للإحساس بالخوف واللّايقين، وحيث تبدو الأخطار أشدّ رهبة؟ بلى.

ما لم تفعله بي ويلات الحروب اللبنانيّة، يا أصدقاء، افتعلته بي هذه المافيا التي تحكمنا وتتحكّم بنا. القصف. الطيران الحربي. القنص. حواجز الخطف الطيّارة. المفخّخات المتنوّعة. النار التي تخمد هنا لتعاود اشتعالها هناك. الموت المجّاني المفاجئ المتربّص بالأرواح في كلّ زاوية.. وغير ذلك من وعودٍ بالموت. كلّ ذلك لم يُخِفْني يوماً. ولم ينزع الأمل من قلبي لحظةً. ربّما لأنّني كنتُ أعرف أن أتجنّب الأخطار وأتحايل عليها. أو لأنّني كنتُ “أبرّر” للمتقاتلين حاجتهم “العضويّة” لكلّ صنوف أدوات القتل. أو ربّما لأنّني لم أكن أمّاً. أو لأنّني كنتُ أعتبر أنّ خوفي كان سيعني، يومها، خنوعاً وانهزاماً أمام “الآخر”. كيف لا، والخانع المهزوم لا يمكن أن يحمل بين جنباته إلاّ نَفْساً متصدّعة آيلة إلى السقوط بـ”رفَّة عيْن”؟ فلا بدّ، إذاً، من اجتراح مصادر القوّة لدحر الخوف. ولتقوية هشاشة الذات.

أدرك هذا الشعب، في ليلةٍ وضحاها، أنّه كان يعيش في حالةٍ دائمة من النقاهة. وأصبح في حالةٍ دائمة من الإعياء. وأدرك كذلك، وبعد فوات الأوان، أنّه كان في حالة هروبٍ متواصل من واقعٍ كان يُنذره بالكارثة حيث يوجد اليوم. وكأنّ الطغمة المافياويّة كانت تُمسِك بيدنا وتسحبنا لنصعد إلى الهاوية. وعندما وصلنا، ركلتْنا بقوّةٍ حاقدة. فسقطنا من الأعالي سقوطاً حرّاً

في هذه السطور، لن أتحدّث عن الخوف بمنطقٍ أكاديمي. ولا بوصفه حالةً مرَضيّة نفسيّة. فهذا النوع من المعرفة متاحٌ في الكتب والمقالات والمواقع. أريد أن أتحدّث عن خوفي. بصفتي كائناً بشريّاً يعيش في لبنان. فاليوم، وبعد نحو الثلاث سنوات على ولوجنا الجحيم، أيقنتُ أنّ حياتي باتت مختلفة عن تلك التي تصوّرتُها لنفسي حين عدتُ من غربتي الفرنسيّة. وشرعتُ في رسمها لما تبقّى لي من العمر. لكنّ حساب حقلي اختلف مع حساب بيدرهم. ولوصف الفرق بين ما كنتُه وما أضحيتُ عليه، لا أجد تعبيراً مناسباً أكثر من ذاك الذي وصّفه أحد أبطال رواية لأمين معلوف “الفرق بين حياتيْنا كالفرق بين مركبٍ شراعي يعوم على بحرٍ من زيت، وبين زورقٍ يُبحِر وسط شلاّل”! وهكذا، صرتُ أصارع الأوهام والأشباح التي خلقوها في حياتي (وحيوات أهل بلدي) وأرتعب. مثلما يرتعب إنسانٌ تائه في الغابة، من احتمال أن ينقضّ عليه وحش. وما أكثر الوحوش في لبنان!

وعليه، تمسّك الخوفُ بروحي. بل تمكّن منّي، بالكامل. كحال السواد الأعظم من الشعب اللبناني. في الداخل وفي دول الانتشار. إنّه الخوف من بلوغ الهاوية التي تتدفّق باتّجاهها حياتُنا، نحن اللبنانيّين. أو تتهادى في السير، وهي تنتقل من تحدٍّ إلى تحدٍّ أشرس. ومن دوّامةٍ إلى دوّامةٍ أفظع. ومن حضيضٍ إلى حضيضٍ أعمق. نعم. لقد أدرك هذا الشعب، في ليلةٍ وضحاها، أنّه كان يعيش في حالةٍ دائمة من النقاهة (يستخدمون لها تعبيراً سمجاً هو “الزمن الجميل”). وأصبح في حالةٍ دائمة من الإعياء. وأدرك كذلك، وبعد فوات الأوان، أنّه كان في حالة هروبٍ متواصل من واقعٍ كان يُنذره بالكارثة حيث يوجد اليوم. وكأنّ الطغمة المافياويّة كانت تُمسِك بيدنا وتسحبنا (بداعي العون) لنصعد إلى الهاوية. وعندما وصلنا، ركلتْنا بقوّةٍ حاقدة. فسقطنا من الأعالي سقوطاً حرّاً. هي نهاية كابوسيّة لشعبٍ بات توصيف خوفه وقلقه المستجدّ، أصعب من توصيف عجزه إزاء نكباته المتلاحقة. وأصعب من توصيف استرخاصه لكرامته الإنسانيّة إزاء عهر العاهرين!

لا يرتبط سجن خوفنا اللبناني بالمؤامرات التي تحيكها ثلّة العصابات التي تحكمنا، فحسب. إنّما، بالتكتيك الذي تتّبعه في أسلوب “حرق” أعصاب الناس وتفتيتها. من خلال انتهاج نمطٍ من العمل السياسي لم تعرفه أيّ دولةٍ في العالم من قبل. إنّه نمطٌ غير مسبوق يمكن وصفه بـ: “اللّاشيء”. “اللّامعنى”. “اللّاجدوى”. “الفراغ”. “التعطيل”. “الشغور”…إلخ. والأهمّ، أنّ آليّات اشتغال هذا “العمل السياسي الفذّ” تعتمد، بالتحديد، على صناعة الخوف وترويج منتجاته. وعلى تعميم ثقافته. تلك الثقافة التي يطمح إليها السياسيّون الغوغائيّون (كسياسيّينا في لبنان)، لكونها تحجب العقل. وتزيد من حدّة المشاعر الغريزيّة للكائنات. وتُسهِّل تعبئة الجمهور بالسياسات المرغوب تمريرها.

إقرأ على موقع 180  لن يختفي الساخرون العرب

ففي سلسلة الأفلام الوثائقيّة التي أنتجتها قناة BBC تحت عنوان “صعود سياسات الخوف” (The Rise of the Politics of Fear)، يوثّق الصحافي آدم كيرتز، بشكلٍ رائع، كيفيّة استغلال السياسيّين لخوف الناس. كي يضاعفوا قوّتهم وسيطرتهم على المجتمعات. ولا بدّ من الخطوات العشر التالية للإطباق عليهم: استدعاء الأعداء الداخليّين والخارجيّين/ إنشاء شبكة خاصّة للقمع/ استخدام مجموعات شبه عسكريّة للترويع/ جعل الجميع يشعرون بأنّهم مراقَبون/ السيطرة على المؤسّسات الدينيّة والأحزاب والجماعات/ لعبة الاعتقال- الإفراج/ استهداف الرموز/ السيطرة على الإعلام/ توسيع دائرة الخيانة- العمالة/ القوانين الاستثنائيّة.

لقد تغيّرت أحوال اللبنانيّين في ظلّ “الخوف السائل” من كلّ شيء (التعبير لعالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان). والذي تستبيح الطغمةُ الحاكمة كلَّ شيء لتصنيعه. وتسويقه. وإعادة تدويره. فمع الخوف تغيب الإرادة. وتتلاشى القدرة على المطالبة بالحقوق. لذا، يمسي هذا الخوف “خادماً” لشرعيّة وجود هذه الطغمة. ولشرعيّة النظام ككلّ. هم تدرّبوا على إدارة خوفنا. تارةً، عبر تعميمهم الرداءة. وغالباً، عبر بيعنا الأوهام. إذْ لم يعد يفهم الفرد اللبناني شيئاً ممّا يدور حوله. وصار استعصاء الأمور على الفهم أمراً اعتياديّاً لديه. والخوف الذي يواجهه، حاليّاً، ليس ناشئاً من توجُّس شرٍّ محتمل. بقدر ما هو مُتأسِّس على وعيٍ متزايد لديه، بتنامي قدرة الوحشيّة والفجوة الأخلاقيّة واستسهال الشرّ لدى حُكّامه.

قوى الإخافة تعتقد بأنّها قادرة على التحكّم بنا، كأفراد وجماعات. وأن تفرض ما تريده علينا. لكنّها لا تعرف، أنّ الخوف يولّد الكراهية والحقد. وأنّ الخائفين ستأتي لحظة يتمرّدون فيها، بلا ريب، على خوفهم. وعليها، أيضاً

فلقد بات هؤلاء أداةً لإفساد حياة الناس. بل لجعلها حياةً مخيفة. تسلب الطاقة على الاستمرار. وتحيل الخروج اليومي من البيوت إلى ذهابٍ لملاقاة الحتف. يقف اللبنانيّون، اليوم، على الطرف الآخر من فناء المقابر الفسيحة. فهناك دُفِن الشهداء. والنضال. والآمال. والانتظارات. والقوانين. والعدالة. نعم. لقد اختفى كلّ شيء تماماً وتبخّر. وفجأةً، تبيّن أنّ العادات المكتسبة والأعمال الاعتياديّة التي كانت تعينهم على قضاء معظم مشاغل حياتهم اليوميّة قد فقدت معناها. وأنّ ما نسمّيه في أيّام العمل “حالةً طبيعيّة”. وفي المناسبات الاحتفاليّة “حضارةً”. ليس إلاّ حبراً على ورق. غمرته المياه التي تفيض من المجاري وأقنية الطرقات والشوارع. فتحوّلها، مع أوّل شتوة، إلى مستنقعاتٍ وأنهار. إنّها المهزلة السنويّة التي نشهد عليها، في مثل هذه الأيّام بالضبط.

كلمة أخيرة. لا تنقص الزمن اللبناني الأوقات الباعثة على المخاوف. وهي، للإشارة، ليست مخاوف خياليّة إطلاقاً. هي مخاوف من انهياراتٍ ستطالنا كلّنا، من دون تمييز. من كوارث ستضرب بعشوائيّةٍ، من دون سببٍ معقول. وأكثر. ستجدنا هذه الانهيارات والكوارث، جميعاً، من دون استعداداتٍ أو دفاعات. فقوى الإخافة تعتقد بأنّها قادرة على التحكّم بنا، كأفراد وجماعات. وأن تفرض ما تريده علينا. لكنّها لا تعرف، أنّ الخوف يولّد الكراهية والحقد. وأنّ الخائفين ستأتي لحظة يتمرّدون فيها، بلا ريب، على خوفهم. وعليها، أيضاً. هذه حتميّة تاريخيّة، باعتقاد الرفيق كارل ماركس. “فالشجاعة لا تعني أنّك لست خائفاً. بل معناها أن تكون خائفاً، وخائفاً جداً، لكنّك رغم ذلك تفعل الصواب”، يؤكّد نيل غيمان كاتبُ قصص الخيال العلمي الإنكليزي. إقتضى التذكير.

(*) اللوحتان للفنان أسامة بعلبكي.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  "واشنطن بوست": كابول ليست سايغون 75.. إنها بيروت 83!