الشعر والشاعرات والمنابر.. هل إنتهى الفكر الذكوري؟

عرف العالم قبل آلاف السنين الأنثى الآلهة. معها إختفت الحروب وخطابها وجيوشها وضحاياها. كان الإنسان يهتم لأكله وشربه وأمانه. إزدهرت الزراعة وصناعة أدوات الصيد والكهوف والبيوت الطينية وغيرها من وسائل الصمود في قلب الطبيعة.

يُمكن القول إن إنسان عصر الأمومة كان يؤسس لحضارة إنسانية، بينما راح إنسان عصر الذكورة اللاحق ـ والمستمر حتى يومنا هذا ـ يؤسس لحضارة عدوانية تقوم على جيوش جرّارة غايتها السلطة والتوسع والهيمنة ونشر الفكر الذكوري. بالمقابل، لم يكن لدى إنسان عصور الأمومة مشاكل جنسية، لأن الجنس كان متاحاً له بيسر، فلم يكن في حاجة إلى آلاف السبايا من العذراوات وغير العذراوات ليشبع غرائزه ونهمه إلى الجنس، ولم تكن الأرض ملكاً لأحد بل كانت ملكاً للبشر جميعاً.

بعد عصور طويلة من الظلمة جعلت المرأة تعاني من الإضطهاد والإقصاء والتبخيس، برزت مفاهيم تمكين المرأة إقتصاديا وسياسياً إلا أن التمكين لم يقتحم الميدان الثقافي الإبداعي الذي ظلّ لزمن طويل يرزح تحت هيمنة ذكورية.

لم يكن الأمر مقتصراً على الشرق، ففي الغرب أمثلة عن محاربة المرأة الكاتبة ومحاولات إقصائها عن ميدان النشر والإنتاج الأدبي بصفة عامة، حيث كانت تلجأ إلى النشر تحت إسم رجل مستعار. ففي العام 1811 نشرت المؤلفة جين أوستن رواية “المعنى والعاطفة” تحت اسم رجل مستعار، وظهرت جميع أعمالها مجهولة الهوية خلال حياتها. ويوضح البروفسور كاثرين هيوز أن أوستن فعلت ذلك حتى تُقرأ أعمالها على محمل الجد ولا يتم رفضها لأنها روائية “امرأة”، لذا كتبت أغلبية رواياتها تحت أسماء ذكورية لأن النساء اللواتي نزلت أسماءهن إلى أسواق النشر كان يتم وصفهن فى ذلك الوقت بأنهن “عاهرات”.

نمت فكرة الكتابة تحت اسم مستعار بين الكاتبات بشكل متزايد فى منتصف القرن التاسع عشر، وبينهن الروائية الفرنسية والشاعرة أمانتين أورو لوسيل دوبين التي إختارت إسم” جورج ساند” (1804-1876) والروائية الأميركية لويزا ماي ألكوت (1832-1888) التي نشرت أعمالها تحت اسم مستعار وهو (AM Barnard). مع تطور الزمن ولا سيما في  ستينيات القرن التاسع عشر بفضل التعليم، بادرت العديد من النساء أمثال ماري برادون إلى نشر أعمالهن الأدبية بأسمائهن الحقيقية.

اليوم وبرغم المشهد الثقافي العالمي المتغير لا يمكن الحديث عن عدالة وتكافؤ بين الجنسين في مضمار الكتابة والنشر. ففي العالم العربي يشكل القمع والتسلط الأبوي الذكوري أحد أكبر كوابح الحرية الإبداعية النسائية.. اما في لبنان، وفي نظرة بانورامية على المشهد الثقافي وبرغم تزايد عدد اللواتي ينشرن اعمالهن في ميدان الأدب عامة والشعر خاصة وبغض النظر عن قيمة ما ينشر في ظل إفتقاد البلد إلى نقاد متخصصين ومحترفين، فإننا نفتقد أيضاً إلى غياب الإحصاءات والدراسات التي تضع الموضوع على سكة علمية دقيقة.

في ظل غياب الشعراء الكبار ممن خطفهم الموت ولم يقوَ على خطف وهج إرثهم الثمين، تبرز تجارب شعرية، نشراً وأمسيات ومشاركات في مهرجانات شعرية في الداخل والخارج، وهذا الأمر يثير العديد من الأسئلة التي طرحها 180 بوست على كل من الشاعرة أماني غيث والشاعر حسن العبدالله والشاعرة والأكاديمية د.جميلة حسين.

أماني غيث: المرأة تَحكُم ولا تُحكَم

-غاب شعراء كبار عن المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة بفعل الموت؛ وفي المقابل، برز حضور نسائي مميز في المشهد الثقافي وفي الشعر خصوصاً، ما رأيك في هذه المقولة؟

تجيب الشاعرة أماني غيث “لن أقول إنّ الشّعراء لا يموتون، هم حتماً يموتون، لكنّ موتهم مختلف، وآخر، هم كما قلتُ سابقًا، يموتون بالورقة البيضاء، بغياب الإلهام، بالصّمت، وبالنّسيان. هم لا يموتون عندما تتوقّف قلوبهم عن النّبض، بل عندما تتوقّف عقولهم عن فرز أفكارٍ جديدة، وخلق عوالم لم تُذكَر من قبل. إذًا رحيلهم مجازيٌّ بحت. فها نحن نحفظ الكثير من جملٍ قالها شكسبير أو موليير قبل مئات السّنين، بينما نكاد ننسى اسم قريبٍ لنا مات قبل أعوامٍ قليلة”.

-وماذا عن المرأة وبوحها؟

“هي لم تكن يوماً صامتة، أو غائبة، بل كانت مغيّبة. هكذا قضى خبثُ التّاريخ، ونفاق التّوثيق، الخطّة كانت دائمًا هكذا: التّرويج للمرأة سجينة الأمومة والمسؤوليّات والمطبخ وبطون الأسرة الكثيرة. وهذا هو الكذب بعينه: المرأة كتبت، وقالت الشّعر، لا بل قادت الجيوش، وحكمت الشّعوب، وسنّت القوانين، وتُوّجتْ ملكة. المرأة تعيش مشاعر عديدة وأحاسيس كثيرة، وتجيد التّعبير عنها، هي لها موضوعاتها الخاصّة والمتنوّعة، تمامًا كما تقلّبات جسدها، لذا ففسحة بوحها أكبر، خاصّةً أنّها كائنٌ حسّاسٌ وعاطفيّ، يعشق الجمال، والتّنميق، والتّعبير عمّا يجول في القلب والعقل” تقول غيث.

-غالباً ما تحتاج النساء إلى إعتراف من شاعر رجل وقلة تحتج على هذا السائد وتكسره، هل أنت مع الرعويّة أو السّلطويّة في الأدب؟

“في الكتابة، القوّة والكلمة لمَن يمتلك اللغة القويّة، والأفكار العميقة والمؤثّرة، والنّصّ العالي. لا أظنّ أنّ المرأة حين تصل إلى هنا، ستنتظر رعاية رجلٍ، أو هيمنته، أو سلطته، بل هي تصل إلى هنا، بعد تحرّرها من كلّ القيود، ومن أيّ وصاية، وبعد أن حطّمت أصناماً كثيرة بُنِيت داخل رأسها، وبعد تنظيف داخلها من أي عبوديّة فكريّة، أو أي أفكار تجعلها في مرتبة أدنى أو أقلّ من الرّجل”.

-وماذا عن العلاقة بين الرجل الشاعر والمرأة الشاعرة؟

تقول غيث “المرأة الشّاعرة حقًّاً، والمتمكّنة والواثقة بورقها وأفكارها، تسود ولا تُساد، وتَحكُم ولا تُحكَم، ووظيفتها الكبرى، تحطيم أيّ قيود، وكسر الصّور النّمطيّة الّتي ورثتها، والتّرويج لأفكار الحرّيّة بمفهومها هي، والرّجل عندما يكون شاعراً حقيقيّاً، أو مفكّرًا حقيقيّاً، أو إنساناً حقيقيّاً، لن يرضى بلعب هذا الدّور، ولا برؤية إمرأة تنتظر القرار من الغير، ولا بإمرأة لا تحكم نفسها ولا تنال ما تستحقّ، وليس لها حريّتها، أو سيادتها، أو كلمتها. الرّجل الشاعر هو أكثر رجلٍ يؤمن بالمساواة، وبقيمة الإنسان كإنسان بعيداً من مفهوم الجندر”.

-هناك تجمّعات كثيرة في الوسط الثّقافي، هل تنظرين إلى الأمر على أنّه إطار مفيد للارتقاء بالثّقافة أو أنّه تجمّع علاقات عامّة؟

تجيب أماني غيث: “للأسف الشلليّة موجودة في وسطنا الثّقافي، لكنّها لا تدوم، وتُهزم دائمًا وفي نهاية الأمر، وخاصّة عندما يكون الأفراد مثقّفين فعلاً، وباحثين عن المعنى، والمختلف، والجديد، ومن المعيب فعلاً، ألّا يصل إلى المنبر مَن لديه ما يقوله أو ما يجب أن يصل إلى المتلقّي. ومن المعيب أيضاً، أن نرى الميكرو مثلاً، في أيدي مَن لا يجيدون قول جملة صحيحة واحدة، أو مفيدة، أقل مستوى ممّا قد يكتبه تلميذ مدرسة. من هنا، على مَن يمتلك القرار في هذه الشّؤون، أن يجيد الانتقاء، أن يكون مسؤولاً، وأن يفتح الطّريق أمام مواهب جديدة، وأمام مَن يستحقّ، بغضّ النّظر عن أيّ اعتبارات أخرى، لأنّ التّاريخ يحاسب، ولأنّ لا حقيقة تُخفى طويلاً، ولأنّ الجمهور والمستمعين والقرّاء صاروا أقرب من أيّ وقت، وقبل أيّ شيءٍ آخر، لأنّ الأدب رسالة، والشّعر رسالة”.

إقرأ على موقع 180  أيام سيكون لها تاريخ.. ثورة صناعية وقومية تكنولوجية!

حسن العبدالله: نحتاج إلى شرطة شعرية

وللشاعر والصحافي الأستاذ حسن العبدالله وجهة نظر مغايرة رداً على السؤال الأول حول هيمنة النساء على المشهد الثقافي بعد رحيل العديد من الشعراء. يقول: “ليس صحيحاً الإستنتاج بأن هناك هيمنة نسائية بعد غياب الكبار من شعراء وروائيين ومبدعين، ولم أطلع على دراسة أو بحث أو معلومات أو أرقام تثبت هذه المقولة. ثم أن مصطلح الهيمنة لا ينطبق على ساحة الإبداع ولا سيما في حقل الشعر. قد تتصدر أصوات شعرية المنابر أو الشاشات أو مساحة النشر لكن ذلك لا يعني أن تلك الأصوات ستفرض مناخاً شعرياً أو أسلوب كتابة أو تأثيراً في المزاج الشعري لعامة الناس”.

-ألا تلاحظ صدور دواوين شعرية للنساء بكثافة لم تكن ملحوظة في السابق؟

يجيب العبدالله “من النادر أن يخفق قلبي لنص جديد مما يصدر منذ سنوات سواء أكان لإمرأة أو لرجل. بصراحة إنفجرت في الفضاء الإفتراضي موجة من الكتابة في أوساط النساء (والرجال طبعاً) تحتاج إلى إنشاء شرطة شعرية أو مستشفى أدبي لمعالجة ما يرتكبه البعض بحق الأدب والشعر”!

-وهل هناك بيئة معينة تكون أفضل لإنتاج الشعر؟

“الشعر يولد في رحم الديكتاتوريات والتخلف والقمع وأنا أعرف شاعرات في التاريخ القديم والحديث لم يبلغن مستوى معيناً من التعليم أو التحرر ويعشن في بيئة لا حقوق لهن ولا نصير. الشعر عملية إبداعية لا تحجبها الظروف الإجتماعية أو التعليمية بل تنفجر في لحظة تبلور الموهبة”، يقول حسن العبدالله.

بصراحة إنفجرت في الفضاء الإفتراضي موجة من الكتابة في أوساط النساء (والرجال طبعاً) تحتاج إلى إنشاء شرطة شعرية أو مستشفى أدبي لمعالجة ما يرتكبه البعض بحق الأدب والشعر

يقارب العبدالله تسيد المنطق الذكوري بلغة قاسية “الواقع تغيّر وتراجع لكنه لم يختف. ما زال الرجل شاعراً ومثقفاً وأكاديمياً يمارس طقس الهيمنة على نتاج المرأة إنطلاقا من قيم وتراث التخلف والذكورية، وتساعده في ذلك شرائح من النساء الطامحات لتسلق المشهد الثقافي ظنا منهن أن التظلل بشاعر معروف أو صاحب سلطة يمكنهن من إثبات الحضور والإرتقاء في المجتمع الثقافي”.

يضيف العبدالله “من المؤسف القول إن الجنس يقع كهدف أو ثمن مطلوب من المرأة لدى بعض الشعراء والمثقفين لتقديم الرعاية أو إمكانات النشر والدخول في عوالم الثقافة، وهذه ظاهرة لا تقتصر على لبنان أو العرب، فإذا تابعت ما يجري في بقية العالم تلاحظين حجم وكثافة الدعاوى ضد مثقفين وفنانين ومبدعين من قبل نساء تعرضن للتحرش والإغتصاب. هل يُفتح غطاء البئر في لبنان؟ أعتقد أنه إذا فتح سيكون ممتلئاً بالفضائح والمآسي”.

-وماذا عن ظاهرة المنابر والمنتديات الشعرية والثقافية؟

يرى العبدالله “أنها أسيرة حلقة الشللية والنميمة والإستعراض والتباهي. لذلك تجدين أن لا شيء يبقى حين تنتفي المنفعة وتستنفذ العلاقات العامة أهدافها”!

جميلة حسين: صعود المرأة اللبنانية

الشاعرة والأستاذة الجامعية الدكتورة جميلة حسين تساهم في توسيع إطار النقاش وتقول “تخوض المرأة العربية عامّة والمرأة اللبنانية على وجه الخصوص معاركها النضاليّة الشرسة، سياسياً وإجتماعياً وإقتصاديا وثقافياً، والملاحظ أنه تم اسناد وزارة الثقافة لسيدة من اصل لبناني في فرنسا، وهي التي ترأست اللجنة الثقافية في بلدية باريس، ما يدلّ على تراكم معرفي ثقافي وصولا إلى تبوء وزارة الثقافة، وهذا المثال ينسحب على تجارب المرأة وحضورها في المشهد الثقافي”.

وتضيف “لا تنفصل المرأة اللبنانية عما ذكرنا اعلاه، فهي السيّدة الحاضرة في العمل السياسي والنقابي والاجتماعي وصولا الى الثقافي، المجال الذي احتكره الرجال على مدى عقود. في الوقت الذي نشهد اليوم صعود المرأة اللبنانية في الأدب وخاصة الشعر منه. لذا صح القول إن المرأة بنعومتها وحساسيتها تجاه الجمال والابداع تخفف من بشاعة هذا العالم وعلى حدّ قول ابن عربي: “كل شيء لا يؤنّث لا يعوّل عليه”؟ وأيضاً يقول فيودور دوستويفسكي: “وحده الجمال ينقذنا من قساوة هذا العالم”.

العمل الابداعي هو نتيجة تراكم التجارب في مجال الثقافة وتحديداً الشعر، فالشاعرة اليوم جريئة في طرح قضاياها دون تردد، وبأسلوب مدهش، ولم تعد تنتظر الرجل أن يُعبّر عنها، فهناك سيدات تترأسن الملحق الثقافي في أكثر من مجلة وصحيفة، ولم تعدن أسيرات إعتراف الرجال بكتاباتهن

-هل توافقين على القول بأن الكاتبة اللبنانية رائدة في الكتابة الروائية؟

تجيب جميلة حسين: “نعم، لقد سبقت رواية الأديبة زينب فوّار “حسن العواقب” 1897 رواية زينب للكاتب المصري محمد حسين هيكل، وما عقبه من كتابات روائية، تلتها عفيفة كرم 1906، ثم لبيبة هاشم 1912. وهذا ما يؤكّد تصدّر الكاتبة اللبنانية الصفوف الأمامية في الأدب الروائي. وهكذا توالت الكتابة النسائية في مجال الرواية والشعر وشكلت ارضية جيدة للواتي سيظهرن لاحقاً، بدليل ما شهدناه في معرض الكتاب العربي والدولي (64) الأخير في بيروت من تصدّر الشاعرات اللبنانيات حفلات التواقيع، وهذا يؤكد ان العمل الابداعي هو نتيجة تراكم التجارب في مجال الثقافة وتحديداً الشعر، فالشاعرة اليوم جريئة في طرح قضاياها دون تردد، وبأسلوب مدهش، ولم تعد تنتظر الرجل أن يُعبّر عنها، فهناك سيدات تترأسن الملحق الثقافي في أكثر من مجلة وصحيفة، ولم تعدن أسيرات إعتراف الرجال بكتاباتهن”.

وعن تجربة التجمعات والنوادي والصالونات الأدبية، تجيب جميلة حسين “ليست مجرد حفلة علاقات عامّة فقط، بل تتخطى ذلك لتسليط الضوء على تجارب شعريّة جديدة، وسط جمهور أتى لسماع الشعر وهذا تجمّع جيد ومفيد وفسحة للإبداع ويساهم في تراكم التجارب الشابة”.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  كوخافي في واشنطن: إيران، حزب الله، لبنان والصواريخ الدقيقة