خرائط القوة والنفوذ.. روسيا ـ افريقيا نموذجاً

فى توقيتها وظروفها اكتسبت القمة الروسية الأفريقية الثانية، التى انعقدت فى سان بطرسبورج، طابع المواجهة الدولية المفتوحة على القوة والنفوذ.

تحت وطأة الاستنزاف المتبادل فى الحرب الأوكرانية، التى يكاد يستحيل حسمها عسكريا بأى مدى منظور، تتأكد أمام طرفيها، حلف «الناتو» بقيادة الولايات المتحدة وروسيا على الجانب الآخر، ضرورات التمركز على خرائط القوة والنفوذ باتساع العالم، والقارة الأفريقية على رأسها.
التمركز قضية مصالح واستراتيجيات وهيبة نفوذ.
قبل أن تنعقد قمة سان بطرسبورج بدأت حرب معلنة لإفشالها، أو دفع أعداد كبيرة من القادة الأفارقة إلى مقاطعة أعمالها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.
انخفضت أعداد الرؤساء المشاركين فى القمة إلى (17) رئيسا، حوالى نصف الذين شاركوا بالقمة الأولى، التى عقدت عام (2019).
كانت تلك إشارة لافتة للنظر لحجم الضغوط الغربية.
شاركت أغلبية الدول الأفريقية بممثلين رفيعى المستوى فيما تغيبت تحت الضغط عدة دول تعد على أصابع اليد الواحدة، لم يحصرها أحد ولا اهتم بغيابها أحد باستثناء النيجر التى تعرضت لانقلاب أطاح رئيسها.
كانت تلك إشارة عكسية إلى رغبة عامة فى القارة لعدم قطع الصلات الاقتصادية والاستراتيجية مع موسكو أيا كانت درجة الضغط عليها.
هكذا تجاوزت القمة سيناريوهات الإفشال المسبق.
اعتبر انعقادها بذاته نجاحا أمام ضغوط وصفها «ديمترى بيسكوف» المتحدث باسم الكرملين بأنها: «محاولة تخريب» قادتها الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى.
وبرغم التمثيل الأقل وجد الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» أمامه منصة دولية مؤثرة ومسموعة يخاطب من خلالها الشعوب الأفريقية المتضررة بقسوة من أزمة الحبوب الأوكرانية، التى تفاقمت إثر امتناع بلاده عن تمديد اتفاق تصديرها عبر البحر الأسود.
بشىء من الإسهاب حاول «بوتين» أن يشرح الموقف الروسى محملا الغرب مسئولية تعطيل اتفاق الحبوب.
«أغلب الحبوب المصدرة تذهب للدول الأوروبية الغنية، ولا تستفيد الدول الأفريقية الأكثر تضررا بأكثر من 3%».
تجاوز الدفاع إلى الهجوم باستثارة غضب وحنق الأفارقة متعهدا بإمداد ست دول إفريقية فقيرة بما تحتاج إليه من حبوب دون مقابل.
«روسيا قادرة على تعويض الحبوب الأوكرانية وسد احتياجات القارة وفق القواعد التجارية».
أراد أن يقول إنه إذا ما رفعت العقوبات عن روسيا فلا توجد أدنى مشكلة غذاء فى العالم.
كان ذلك داعيا إلى اعتراضات دولية عديدة لخصها أمين عام الأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش» «أن القضية أكبر من أن تلخصها بضع إعانات».
هذا صحيح إلى حد ما، غير أن الغرب يتحمل بدوره قسطا كبيرا من مسئولية إيقاف صفقة الحبوب، حيث لم يلتزم بأية تعهدات قطعت فى إسطنبول برعاية الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» بأن تحظى الحبوب والأسمدة الروسية بمعاملة مماثلة للأسباب الإنسانية نفسها!

حاول «بوتين» بالقمة الأولى إعادة التمركز فيها بعد سنوات من إخلاء مواقعه إثر انهيار الاتحاد السوفييتى السابق. بالقمة الثانية، أراد أن يقول للاعبين الدوليين: نحن هنا، لا يملك أحد حذفنا من على خرائط القوة والنفوذ. بصياغة أخرى فإن القمة الأولى بدت استكشافية للفرص المتاحة.. والثانية، قتالية للحفاظ على فرص روسيا المستقبلية كلاعب دولى كبير

القمة الروسية الأفريقية الأولى التى عقدت بمنتجع سوتشى قبل أربع سنوات، بدت من ضمن توجه دولى تبنته دول كبرى عديدة للرهان على أفريقيا الواعدة.
احتذت الولايات المتحدة وفرنسا والصين الفكرة نفسها بصور ومقاربات متشابهة، اتفاقات اقتصادية وعسكرية وبروتوكولات تعاون فى مجالات التعليم والصحة والثقافة والتقنيات الحديثة ووعود بتحسين البنى التحتية فى دول القارة.
شىء من ذلك جرى فى القمة الروسية الأفريقية الثانية، تعهدات ووعود بتوسيع نطاق التعاون الاقتصادى والثقافى والتعليمى إلى مستويات قياسية، لكن البيئة العامة الدولية اختلفت بفداحة على خلفية حرب الاستنزاف الأوكرانية، التى قد تقرر نتائجها مستقبل النظام الدولى.
أرادت موسكو هذه المرة أن تقول إنها ما زالت لاعبا رئيسيا فى الساحة الدولية، وأن نظاما دوليا جديدا يوشك أن يولد لن تنفرد به قوة دولية واحدة على ما كان جاريا فى سنوات الحرب البادرة.
بقوة الحقائق فإن موسكو المنهكة اقتصاديا بأثر حرب الاستنزاف الأوكرانية ليست جمعية خيرية، لكن الاعتبارات الاستراتيجية دعتها إلى المضى قدما فى توثيق علاقاتها بالقارة إلى أقصى حد تستطيعه.
كان مثيرا للانتباه أن يشير «بوتين» إلى المشروع النووى السلمى لتوليد الطاقة الكهربائية فى الضبعة بمصر، كمثال عملى لنوع التقنيات الحديثة، التى تمتلكها بلاده.
فى عام (2019) خيمت الجائحة على العالم.
شلت الحياة تقريبا فى دول أوروبية عديدة، بدا الاتحاد الأوروبى شبه عاجز عن مد يد العون لدولتين كبيرتين فيه، إيطاليا وإسبانيا، تضررتا بقسوة بالغة من الجائحة.. فيما أدارت الولايات المتحدة أثناء إدارة «دونالد ترامب» ظهرها لحلفائها المفترضين.
فى تلك الأوقات القاسية تحركت دولتان كبيرتان، روسيا والصين، للعب دور ملموس فى تخفيف وطأة الجائحة.
كان ذلك كله مؤشرا على حقائق جديدة تتحرك فى بنية النظام الدولى.
مدفوعا بطموحه لإعادة بناء النفوذ الروسى فى القارة الواعدة، حاول «بوتين» بالقمة الأولى إعادة التمركز فيها بعد سنوات من إخلاء مواقعه إثر انهيار الاتحاد السوفييتى السابق.
بالقمة الثانية، أراد أن يقول للاعبين الدوليين: نحن هنا، لا يملك أحد حذفنا من على خرائط القوة والنفوذ.
بصياغة أخرى فإن القمة الأولى بدت استكشافية للفرص المتاحة.. والثانية، قتالية للحفاظ على فرص روسيا المستقبلية كلاعب دولى كبير.
أمام عالم جديد يكاد أن يولد لا بد لنا أن ندرك أهمية موقعنا فى رسم خرائط المصالح والنفوذ فى العالم.
لم يعد ممكنا لأحد فى العالم أن ينكر على القارة الواعدة أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية.
القضية الرئيسية الآن: كيف تنظر القارة إلى نفسها؟
التاريخ حاضر فى الذاكرة العامة، فالإفريقى يعتد بمعاركه للانعتاق من التمييز العنصرى، ويعتز بأبطاله التاريخيين من أمثال «عبدالناصر» و«نكروما» و«لومومبا» و«نيريرى» و«مانديلا»، لكنه لا يعيش فى الماضى.
لديه كوابيسه وأحلامه وتساؤلات عن مستقبله.
قضية الديمقراطية تشغله، غير أن الانقلابات والحروب الأهلية والعرقية المشتعلة فى جنبات القارة تكاد تقطع الطريق على الآمال الواسعة المعلقة على مستقبل جديد.
القمم الدولية المتصارعة على القارة والتمركز فيها إشارة إلى المستقبل، لكنها ليست المستقبل نفسه.
الأفارقة وحدهم صناع مستقبلهم فى عالم يتغير.

إقرأ على موقع 180  صافرة كسر المعادلات الإقليمية.. من لبنان؟

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  التطبيع السعودي الإسرائيلي.. بأي كلفة أمريكية؟