عندما قال الصحافيّون: نعم نحن إرهابيّون..!

في كانون الأوّل/ديسمبر 2009، حُكِم على الصحافيّة الروانديّة فاليري بيميريكي بالسجن المؤبّد. فبعد 15 سنة على إبادة 800 ألف شخص من أقليّة "التوتسي"، ثبّتت المحكمة على بيميريكي تهمة التحريض على القتل. وما زال كثيرون يذكرون صوتها مُلعلعاً في الإذاعة: "لا تقتلوا هذه الصراصير بالعيارات الناريّة، بل قطِّعوهم إرباً بالسيوف والمناجل".

يبدو أنّ تجريد الخصوم من صفة الإنسانيّة، يُشكّل أسلوباً أساسيّاً في الحروب ذات الطابع العنصري. فهذا ما حصل في رواندا وبوروندي. ومن ثمّ أعلنها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بالفم الملآن: “لماذا تأتي هذه الحيوانات الإفريقيّة القذرة إلينا؟”. واليوم، لا تتحدّث إسرائيل إلاّ بلغة السحق والمحق لسكّان غزّة. وتنقل حربها معهم، من مقام “الدفاع عن النفس” إلى مقام “إبادة الحيوانات”. أوَلَمْ يقل وزير دفاعها يوآف غالانت صراحةً هذا الكلام؟ بلى قال.

لكن، أنْ يُحرّض مسؤولون سياسيّون ورسميّون على قتل الخصوم وتعنيفهم وكراهيّتهم، فهذا أمرٌ مألوف. أمّا أن يتولّى صحافيّون وإعلاميّون هذه المهمّة، فهو الأمر غير المألوف. “كيف توصّفين المشهديّة الإعلاميّة بظلّ ما يحصل في غزّة؟”، سألني صحافي في إحدى الإذاعات اللبنانيّة. احترتُ في الحقيقة في اختيار كلماتي. كيف السبيل إلى تلخيص “ارتكابات” الإعلام ببضع كلمات؟ “إنّه طوفان الفوضى والفظاعات”، أجبتُه.

طوفان جرف معه كلّ شيء. وضعنا في دوّامةٍ لا توصيف لها. وها نحن أمام خليطٍ غريبٍ عجيب. “بيزنس” مع إيديولوجيا. اتجار بالدين مع نزعةٍ موصوفة إلى التعصّب الأعمى. الجميع يكره الجميع. جهل وتفاهة قلّ نظيرهما. لم يعد بالإمكان الحديث لا عن معايير، ولا عن ضوابط، ولا عن قواعد، ولا عن أيّ شيء. سقط الإعلام، الغربي تحديداً، في امتحان المهنيّة والموضوعيّة والمصداقيّة والأخلاق. والفظيع في الأمر، أنّ الطفل الصغير بات واعياً لهذا السقوط المدوّي!

لم تشهد حربٌ في العصر الحديث انحداراً في أخلاقيّات الإعلام، كالحرب التي تشنّها إسرائيل اليوم على الفلسطينيّين بمباركة ومعيّة الولايات المتّحدة وبعض الدول الأوروبيّة. ففي حرب غزّة، لم يعد لأخلاقيّات الإعلام (التي تُدرَّس في الجامعات) أيّ وجود. إذْ ساهمت الميديا في خلق أجواءٍ مثاليّة للتلاعب بالرأي العامّ

من خلال تغطية الأزمات والحروب، وجد المنظّرون الإعلاميّون أنفسهم في مأزق. فهم لا يعلمون كيف يُفسّرون السلوك الذي ينتهجه الصحافيّون والمؤسّسات الإعلاميّة في هكذا ظروف. لقد فشلوا فشلاً ذريعاً في وضع معايير ومبادئ ومقوّمات لشرح ذلك السلوك. إذْ صارت الممارسة الإعلاميّة جزءاً لا يتجزّأ من الحرب نفسها. ولم تعد تختلف بين نظامٍ إعلامي وآخر. وبين نظامٍ سياسي وآخر. لقد تحوّل الإعلام إلى مزيجٍ من العلاقات العامّة والحرب النفسيّة والدعاية والتلاعب والتضليل والتشويه. في البلدان الديمقراطيّة كما في الديكتاتوريّات. في البلدان المتقدّمة كما في المتخلّفة، على حدٍّ سواء!

صحيحٌ، أنّ توظيف الإعلام في الحروب وفي ترويج الأجندات السياسيّة (لهذه القوّة أو تلك) ليس بالأمر الجديد. فمعظم الحروب التي شهدناها دفعت بالفاعل الإعلامي إلى لعب أدوارٍ بالغة الفظاعة. لقد توخّت زرع الرعب والتحريض على ارتكاب جرائم ضدّ الآخر من منطلقاتٍ مختلفة. عرقيّة أو عقائديّة أو دينيّة أو حزبيّة… لا فرق. لكن، أن يتحوّل الصحافيّون إلى إرهابيّين تُشغّلهم الأنظمة في “الدعاية السوداء”، فهذه لَعَمْري قمّة الفجيعة. مهلاً، أتعلمون ما هي الدعاية السوداء؟ هي الدعاية التي ترتكز على الشيطنة. شيطنة الآخر المختلف عنّا. وتكمن خطورتها في كونها تُحضِّر الجمهور المتلقّي، عادةً، لتقبُّل قتل مَن تُشَنُّ عليه هذه الدعاية. هذا ما تفعله الغالبيّة الساحقة من صحافيّي الغرب مع الشعب الفلســــطيني، للأسف. كيف؟

يمكن للمتابع أن يلاحظ، ببساطة، جوهر وشكل التغطية الصحفيّة لعمليّة “طوفان الأقصى” في أكثر من عاصمةٍ غربيّة. فهو سيلتقط، حتماً، إشارات ودلائل انصياع الإعلام الغربي لإملاءات إسرائيل. عبر نشر وترويج الرواية الإسرائيليّة، ومن دون أدنى فحصٍ وتدقيق، عمّا يدور على أرض غزّة. نعم. لقد سمعناه ورأيناه وقرأناه يؤيّد ويتبنّى وجهة النظر الإسرائيليّة في تناولها للأحداث. ليس على أساس قيمة الحياة الإنسانيّة، بحدّ ذاتها. بل، بناءً على هويّة الضحايا وانتمائهم.

لقد شكّل غياب الحياد والمهنيّة، عن تغطية الكثير من الوسائل الإعلاميّة الغربيّة، انتكاسة كبيرة في مصداقيّة مؤسّساتٍ لطالما اعتبرناها مدارس إعلاميّة. وهي، للمفارقة، لم تتوقّف عند مستوى الانحياز للرواية الإسرائيليّة عن العدوان الذي يشنّه الاحتلال على غزّة، فحسب. بل برزت، أيضاً، في عمليّات تضليل إعلامي ممنهج، وصل إلى حدّ “إسكات” بعض الأصوات التي لا تتماهى مع هذا الخطّ.

لم تشهد حربٌ في العصر الحديث انحداراً في أخلاقيّات الإعلام، كالحرب التي تشنّها إسرائيل اليوم على الفلسطينيّين بمباركة ومعيّة الولايات المتّحدة وبعض الدول الأوروبيّة. ففي حرب غزّة، لم يعد لأخلاقيّات الإعلام (التي تُدرَّس في الجامعات) أيّ وجود. إذْ ساهمت الميديا في خلق أجواءٍ مثاليّة للتلاعب بالرأي العامّ. وأكثر. لقد نشطت في إنتاج تصوّراتٍ خطيرة لدى شعوب العالم. تصوّرات، أقلّ ما يُقال فيها إنّها مبنيّة على أكاذيب ومغالطات ونيّة واضحة في تغطية الإجرام. لقد تحوَّل الإعلام إلى وعاءٍ كلّي تُختزَل فيه أدوات الصراع والمنافسة والتحدّي في صورةٍ مدهشة.
وما يحصل، حاليّاً، ليس إلاّ تبدّلاً صريحاً في بعض وجوه عمليّات الاستحواذ التي يقوم بها هذا الإعلام. إنّما تختلف في مؤدّياتها عمّا عهدناه في الأزمنة الاستعماريّة التقليديّة. في هذا الصدد، يقول المفكّر الفرنسي سيرج لاتوش عن الإعلام المعاصر: “إنّه جزءٌ من شبكة العولمة التكنو – اقتصاديّة وثقافيّة التي تجتاح عالمنا. وهذه العولمة، التي يدفعها جوعُها الضاري إلى التهام كلّ القيم وكلّ ما يُضعِف الربح والتكاثر، تولّد كمّاً هائلاً من الأزمات الأخلاقيّة في المجتمعات برمّتها”.

إقرأ على موقع 180  كنتُ في طهران.. وهذا ما شاهدته وما سمعته 

كلمة أخيرة. في أيّار/مايو 2005، أظهرت دراسة قام بها فريقٌ بحثي في جامعة غلاسكو البريطانيّة، أنّ افتقار الجمهور (الغربي) إلى تفهّم أزمة الشرق الأوسط، إنّما تُفاقمه تغطية وسائل الإعلام لهذه الأزمة. ولقد بيّنت تلك الدراسة، أنّ 9% فقط من الشباب، الذين تمّ استبيانهم، يعلمون أنّ الإسرائيليّين هم محتلّون ومستوطنون غير شرعيّين، وأنّ الفلسطينيّين هم ضحايا احتلالٍ عسكري. ولكن، هل إنّ جهل الجمهور في الغرب لحقيقة الصراع، مبرّرٌ لكي يُضيّع الإعلام الغربي “بوصلته الإنسانيّة”؟ إقتضى السؤال.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  كتاب بابيه "أكبر سجن على الأرض".. نقض سردية 1967