القضاء يُحدّد هوية رئيس أمريكا المقبل

في كانون الأوّل/ديسمبر من سنة 2000، أمرت المحكمة العليا للولايات المتحّدة بإيقاف عمليّة إعادة فرز الأصوات في ولاية فلوريدا. مع هذا القرار الذي لم يكن له أي أساس قانوني ـ كما أقرّ في ما بعد عضو المحكمة العليا أنطونين سكاليا ـ أصبح جورج بوش الابن رئيساً. هل ما نشهده الآن من جهود لمنع إدراج دونالد ترامب على لوائح الشطب في بعض الولايات سيُعطي المحكمة العليا دوراً جديداً في تحديد هوية الرئيس الأمريكي المقبل؟

ليس القضاء مجرد كتاب وقانون وهيئة محلفين وقضاة وعدالة. إنّه مؤسّسة سياسيّة بامتياز. في أمريكا، حاضراً وتاريخاً، لطالما شكّل القضاء إمتداداً للمؤسّسة السياسيّة وأصحاب المال، ومن خلال ذلك، تمكّن هؤلاء من التلاعب بالقوانين والعدالة من أجل تحقيق أهدافهم. خلق هذا الأمر معضلة لدى الناشطين الحقوقيّين الذين طالبوا ويطالبون بتحييد القضاة ـ في المحاكم العليا على الأقلّ ـ حتى لا يكونوا مرتهنين للطبقة السياسيّة ـ الماليّة، وبالتالي من أجل ترسيخ نظام سياسي ديموقراطي عادل وسليم ومتوازن ونزيه وصحيح.

هناك الكثير من الحالات التي تشهد على حجم ارتهان مؤسّسة القضاء في أمريكا لأصحاب النفوذ المالي. لنأخذ، مثلاً، قرار المحكمة العليا في سنة 2010 (المعروف بـ Citizens United) بأنّ للشركات الحقّ في حريّة التعبير ويمكنها أن تدعم أيّ مرشّح تريده، وأنتج ذلك ما نعرفه الآن بالـ”سوبر باكس” (Super Pacs)، وهي لجان عمل سياسيّة مستقلّة تجمع مبالغ طائلة من الأموال، من شركات ونقابات وأفراد، وتستخدمها للترويج للحزب أو المرشّح الذي تدعمه ولكن لا يُسمح لها بالمساهمة أو التنسيق مباشرةً مع الحزب أو المرشح. ومن البديهي أنّ التنسيق يتمّ، لكن من المستحيل كشفه “قانونيّاً”!

بالعودة إلى موضوع مقالنا، وفي ضوء الجهود التي تحصل في بعض الولايات الأمريكية، والتي تُطالب بمنع إدراج إسم دونالد ترامب في لوائح الإنتخابات الرئاسيّة الأوّليّة التي ستبدأ قريباً.. والنهائيّة المقررة في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، تمّ حتّى الآن تقديم دعاوى في ست ولايات: كولورادو، مينيسوتّا، ميشيغان، أوريغون، ماين، ونيو هامبشر. فقط في ولاية ماين، تمّ تحويل الدعوى إلى سكرتيرة الولاية من أجل دراستها فاتخذت القرار، قبل أيام قليلة، بمنع ترامب من الترشّح في ولاية ماين، بينما ذهبت الدعوى في الولايات الأخرى، مباشرة إلى القضاء.

تتمحور هذه الجهود حول المادة 3 من التعديل 14 للدستور الأمريكي (والذي أقرّه الكونغرس الأمريكي في حزيران/يونيو 1866، وأصبح نافذاً في تمّوز/يوليو 1868. وتنصّ المادة 3 على الآتي:

“لا يجوز لأي شخص أن يكون عضواً في مجلس الشيوخ أو ممثلاً في الكونغرس، أو ناخباً منتدباً للرئيس ونائب الرئيس، أو يشغل أي منصب وظيفي، مدني كان أم عسكري، في الدولة الأمريكيّة أو في أيّ من الولايات، سبق أن أدّى اليمين لحفظ دستور الولايات المتّحدة – كعضو في الكونغرس، أم كموظّف في الدولة الأمريكيّة، أم كعضو في أي مجلس تشريعي للولايات، أم في منصب تنفيذي أو قضائي في أي من الولايات – ومن ثمّ انخرط في حالة تمرد أو ثورة ضد الولايات المتّحدة، أم قدّم الدعم أو المعونة إلى أعدائها. ويحقّ للكونغرس، بأغلبية الثلثين في كلّ من مجلسيه، إزالة هذه الحالات الشاذّة”.

ومن أجل فهم سياق هذا التعديل الدستوري وتبعاته، أجريت حواراً مع الصديق جون بونيفاس (John Bonifaz)، وهو محام أمريكي وناشط سياسي له تاريخ طويل في الدفاع عن الحقوق الدستورية وحقّ التصويت، وهو أيضاً أحد مؤسسي ورئيس منظمة “حرية التعبير للناس” (Free Speech for People) والتي تدعو إلى صون نزاهة وحريّة الانتخابات والمساواة السياسيّة والتمثيل الانتخابي السليم والديموقراطي وتحدّي النفوذ الفاسد للمال والشركات الكبرى في أجهزة الدولة والكونغرس والقضاء.

برأي جون بونيفاس، لم يكن هدف المادّة 3 من التعديل 14 فقط اجتثاث الكونفيدراليّين من أجهزة الدولة الفدراليّة والولايات الجنوبيّة بسبب أدوراهم في التمرّد على مؤسسات الدولة والتسبّب بالحرب الأهليّة (1861-1865)، بل كان هدفه أيضاً القضاء على أي حالة تمرّد مستقبليّة. وقد طُبّقت المادّة بعد انتهاء الحرب الأهليّة والتي على أساسها تمّ طرد أو إبطال شرعية العديد من القضاة والسياسيّين في الولايات الجنوبيّة، لكن منذ ذلك الوقت لم تبرز حالات تستدعي اللجوء إلى هذه المادة، لإنتفاء الحالات التي تنطبق عليها المادّة المذكورة.

وبرأي بونيفاس، تنطبق المادّة 3 بكامل تفاصيلها على حالة دونالد ترامب، فهو كان قد أدّى اليمين للدفاع عن الدستور عندما أصبح رئيساً للولايات المتحدة في 20 كانون الثاني/يناير 2017، غير أنه إثر الإنتخابات الرئاسيّة التي حصلت في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، قام بتجييش وحثّ مؤيّديه على عدم المصادقة على نتائج الإنتخابات وطالبهم باقتحام الكونغرس في 6 كانون الثاني/يناير 2021 من أجل وقف التصديق على انتخاب جو بايدن رئيساً لأمريكا. وهذا العمل الهادف إلى تحوير نتائج انتخابات الـ 2020 لمصلحة ترامب يُشكّل حالة تمرّد تنطبق عليها المادّة 3 من التعديل 14.

يُضيف بونيفاس أنّ منظّمته (Free Speech for People) “بدأت منذ حادثة 6 كانون الثاني/يناير 2021 بالتحضير لدعاوى قانونيّة ضدّ ترامب ومساعديه وتقديمها بالتعاون مع منظّمات شقيقة. وفي العام 2023، قدّمنا دعاوى أمام محاكم مينيسوتّا وميشيغان وأوريغون (الدعاوى في كولورادو وماين ونيو هامبشر قدّمها أفراد أو منظمات يتعاون معها بونيفاس بشكل غير مباشر)”. يُوضح بونيفاس أنّه في مينيسوتّا، “تهرّبت المحكمة العليا من الخوض في الحيثيّة القانونيّة للدعوى وردّتها بحجّة أنّ قانون الولاية يعطي أي حزب الحريّة المطلقة في اختيار مرشّحيه في الإنتخابات الأوّليّة ولا يمكن للمحكمة إعطاء رأيها إلاّ إذا تمّ اختيار ترامب مرشحاً نهائياً للحزب الجمهوري في مينيسوتا. بمعنى آخر، إذا حصل هذا الأمر، يمكن لمنظّمة بونيفاس إعادة تقديم الدعوى. وحصل أمر مشابه في ولاية ميشيغان. أمّا الدعوى في أوريغون، فهي الآن بعهدة المحكمة العليا التي لم تُحدّد بعد تاريخاً لها، مع العلم أنّ المنظّمة قدّمت الدفوع في القضيّة وكذلك الأمر مع محامي حملة ترامب”.

إقرأ على موقع 180  تل أبيب وهاجس "الصواريخ الدقيقة": تلويح بضربة إستباقية!

لكن قرار كولورادو شكّل مفاجأة إيجابيّة للكثير من الناشطين الحقوقيّين (ومثله في الأسبوع المنصرم مع قرار سكرتيرة ولاية ماين) لأنّه خاض في السؤال القانوني الأساسي، الذي تملّصت منه المحاكم في الولايات الأخرى: هل قام ترامب، قبل أربع سنوات، بحالة تمرّد على الدولة أم لا؟

في حيّثيّة قرارها، أقرّت محكمة كولورادو العليا جزءاً من الحكم الذي كان صدر عن قاضية المحكمة الأوّليّة في الولاية والتي حكمت أنّ ترامب ارتكب حالة تمرّد، لكنّها عكست الجزء المتعلّق بما إذا كانت المادّة 3 تنطبق عليه كرئيس. في هذا الجزء، كان رأي القاضية الأوّليّة أنّ المادّة 3 لا تُشير إلى الرئيس الأمريكي لأنّه ليس “موظّفاً” (officer) في الدولة الأمريكيّة كما تنصّ المادّة. هذا الرأي يعتبره جون بونيفاس “نوعاً من الفذلكة القانونيّة الخاطئة لأنّ الدستور الأمريكي في الكثير من مواده يُعرّف الرئيس الأمريكي بوضوح بوصفه موظّفاً (officer). ويضيف بونيفاس أنّ النقاش الذي دار بين أعضاء اللجنة التيّ أنيط بها صياغة التعديل 14 تطرّق إلى ما إذا كان من الضروري تسميّة الرئيس بالإسم غير أن اللجنة قرّرت أنّه لا حاجة لذلك كون النص يشمل الرئيس (ونائب الرئيس) بوضوح.

من هنا أهميّة قرار محكمة كولورادو العليا بمنع إدراج اسم دونالد ترامب على لوائح الانتخاب الأوليّة والنهائيّة والذي صدر بأرجحيّة 4 أصوات ضدّ 3، والذي بُنيَ على أساس أنّ ترامب قاد حالة تمرّد وهو ما يجعله دستوريّاً وفقاً للمادة 3 من التعديل 14 غير صالح لأنّ يكون مرشّحاً لأي منصب فيدرالي أو في الولاية. وأضافت المحكمة في حكمها رأياً لا يقلّ أهميّةً وهو أنّ المادة 3 لها صفة التنفيذ الذاتي (self-executing)، أي يمكن تنفيذها من دون العودة إلى أي جهاز رسمي (كالكونغرس مثلاً).

والطريف في الأمر أنّ القضاة الثلاثة في محكمة كولورادو العليا الذين صوّتوا ضدّ القرار لم يرفضوا جوهر القرار بل أثاروا نقاطاً إجرائيّة أو حججاً سياسيّة، مثل أنّ المحكمة الأوّليّة أصدرت حكمها من دون أن تعطي محاميّ ترامب الوقت لتقديم دفوعهم في القضيّة (due process)، أو أنّه من غير المجدي لولاية كولورادو أن تمنع ترامب من الترشّح فيها، بينما تسمح له الولايات الأخرى.

الجدير بالذكر أنّ محكمة كولورادو العليا أصدرت قرارها مع وقف التنفيذ حتّى يوم الرابع من كانون الثاني/يناير المقبل، وسمحت بتمديد وقف التنفيذ إذا ما استؤنف القرار أمام المحكمة العليا للولايات المتّحدة، وهو ما قام به هذا الأسبوع فرع الحزب الجمهوري في كولورادو متحجّجاً بأنّ المادة 3 لا تنطبق على ما يقوم به الرئيس الأمريكي، وأنّه ليس للمادة صفة التنفيذ الذاتي وأنّ تنفيذها ينحصر فقط بالكونغرس وأنّ منع إدراج اسم ترامب في الانتخابات الأوّليّة يشكّل خرقاً للتعديل الدستوري الأوّل والذي يحفظ حقّ الحزب الجمهوري بتكوين نفسه.

سألتُ جون بونيفاس عن الخيارات المتاحة أمام المحكمة العليا، فأجابني أنه أمام المحكمة العليا ثلاثة خيارات:

أولاً؛ قبول سماع الاستئناف، وهذا الأمر يوقف تلقائيّاً تنفيذ أي قرار بمنع ادراج اسم ترامب على لوائح الشطب في كولورادو أو غيرها من الولايات.

ثانياً؛ رفض الاستئناف، وبذلك ليس فقط يصبح حكم محكمة كولورادو العليا نافذاً، بل يُمكن أن تعتمده ولايات أخرى أو على أساسه يتمّ إعادة فتح دعاوى سابقة تمّ ردّها لأسباب إجرائيّة.

ثالثاً؛ إعادة القضيّة إلى محكمة كولورادو العليا لكي تُعيد النظر فيها، أي المزيد من كسب الوقت من أجل لفلفة القضية.

ويقول بونيفاس، إنّه حتّى إذا قبلت المحكمة العليا النظر في الإستئناف، ليس من الواضح ما سيكون عليه رأيها. وبونيفاس، مثله مثل كثيرين من الحقوقيّين الأمريكيين، يبدو متشائماً، بسبب تركيبة المحكمة العليا وهي تركيبة معروفة أنها لمصلحة الجمهوريين. سألته: هل هناك أي ضمانة أنّ المحكمة العليا ستقوم بإصدار قرارها بسرعة؟ فأجاب أنّ عامل الوقت “مهمٌّ جدّاً، لأنّ التأخير في إصدار قرار في القضيّة يُعطي ترامب القدرة على الترشّح في كلّ الولايات، على الأقلّ في الانتخابات الأوّليّة. ويمكن للمحكمة العليا أن تلعب ورقة التأخير لما بعد الانتخابات الرئاسيّة بحيث تصبح القضيّة كلّها بصفة ملغاة. هذه التفاصيل تشير إلى أن في جعبة المحكمة العليا العديد من الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها من دون إعطاء رأي حاسم في الموضوع”.

ويمكن للمرء أن يضيف عاملاً مهماً يتصل بـ”الدور” السياسي الذي يُراد للمحكمة العليا أن تلعبه في هذه القضيّة، كون ذلك يحصل فقط داخل الكواليس المغلقة. بمعنى آخر، هل هناك “طابور خامس” داخل الحزب الجمهوري يُريد إقصاء ترامب المثقّل بالمشاكل القضائيّة بشكل قانوني سلس من أجل فتح الباب أمام اعتماد مرشّح جمهوري آخر له حظوظ أكبر في الفوز بمنصب الرئاسة في المعركة ضد بايدن؟ القاعدة الشعبيّة الجمهورية لا تريد ذلك، لكن أصحاب المال والنفوذ ليسوا معجبين بترامب. فلمن تكون الغلبة؟

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الإتفاق النووي.. مسار متعرج من فيينا إلى الناقورة!