فرويد في حرب غزة.. الصدمة والتداعيات!

لو أن سيغموند فرويد بيننا وقرأ حرب غزة، لربما وجدها مناسبة لتأكيد آرائه حول العنف والحرب والموت إلخ.. بوصفها ظواهر ملازمة لوجود الإنسان. ولا نعلم ما يكون موقفه مما يجري في غزة وفلسطين. لكن هذا لا يمنع أن تكون أفكار التحليل النفسي مفيدة في قراءة وتحليل الحرب.

أظهر حدث غزة سيولة كبيرة في استعمال تعابير وتسميات ومفاهيم مثل: العنف، القتل، الصدمة، الوعي، اللاوعي، المقاومة، الانتقام، الإذلال، الوهم، غريزة القتل، الحرب النفسية، حروب الصور والمعلومات، وحروب السرديات، إلخ.. وجميعها تقريباً لها أبعاد سيكولوجية. وكل الأطراف تتوسل علوم النفس والتحليل النفسي، قلْ: الحرب النفسية في التجاذبات والمنافسات والمواجهات في عالم اليوم.

لعل العامل الأهم في حرب غزة، هو العامل النفسي، وقوة الحدث ابتداء هي في هذا الباب خاصة، إذ أن مجرد التفكير والإعداد، وبالطبع التنفيذ، ينطوي على تغيُر في الرؤية والقدرة والإستعداد والإقدام من جانب الفلسطينيين حيال إسرائيل. وكان العالم مندهشاً، غير مصدق ما حصل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023!

ومع مرور أكثر من أربعة أشهر على حرب غزة، أظهرت المقاومة الفلسطينية مقدرة كبيرة في تكتيكات الحرب النفسية وحروب الصور والمعلومات، بما في ذلك محاولة التأثير في الرأي العام داخل إسرائيل نفسها.

ولا شك أن الحدث أدى ـ بفعل ذلك ـ إلى تحول مهم في اتجاهات الرأي العام في العالم حول قضية فلسطين. ولو أن أكثر الكلام في هذا المقال، هو في مقاربة نفسية لما حدث لإسرائيل، وكيف كانت استجابتها حيال الحدث والحرب التي تلته. ولنا عودة إلى مقاربة الحدث والاستجابة الفلسطينية حياله في مناسبة أخرى.

يقول فرويد في كتابه “أفكار لأزمنة الحرب والموت”: “عندما يتم تحريض البشر على الحرب مثلاً، قد يكون لديهم عدد كبير من الدوافع للتصديق.. ولكن شهوة التدمير دائماً ضرورية لاكتمال الفعل”. ولا شك أن لكل طرف من طرفي الحرب المباشرين، كتلة اجتماعية وسياسية تدعمه بقوة، وتُمَثِّلُ مدارك ورهانات كل منهما النقيض التام تقريباً لمدارك ورهانات الآخر، ذلك أن الحدث تعبير عن حرب مدارك ورهانات، ليس من السهل تصور نهاية قريبة له.

مَثَّلَ حدثُ غزة فعلاً صادماً ولا متوقعاً. إذ لم يتخيل الإسرائيليون، ولا الفلسطينيون أنفسهم، أن يحدث ما حدث، على الأقل بالكيفية التي حدث بها، قبل أن تنزلق الأمور إلى مواجهات غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع إسرائيل.

لعل أول ما يفيدنا فرويد فيه هو وصف الحدث بـ”الصدمة”. والصدمة لا تقتصر على الفعل المحض، أي الهجوم الذي قامت به المقاومة ضد المواقع والمستوطنات الإسرائيلية في محيط غزة بتاريخ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وإنما الأثر النفسي والسياسي والاجتماعي والأمني والعسكري والإعلامي والثقافي الذي أحدثه، ثم في التداعيات والتداخلات التي أعقبته، والوضع بالغ التعقيد الذي هو عليه اليوم.

أدى الحدث/الصدمة إلى:

  • تحريك أو إطلاق “ديناميات دفاع مرضية” لدى الإسرائيليين، بمعنى أن ردة فعلهم لم تكن موزونة بميزان التعقل والتحسب والتقدير، بقدر ما أنها مدفوعة بالرغبة في الدفاع الغريزي والإنتقام.
  • ليس مجرد الرد، وإنما إظهار التفوق والقوة، والرغبة في سحق الخصم بالمعنى السياسي والإجتماعي والعسكري والأمني، وما يحدث هو شكل من أشكال الإبادة المعروفة والموصوفة في الأدبيات الدولية.
  • ردود فعل هي تعبير عن استيهامات وتمثلات حول قوة إسرائيل، أكثر منها اعتبارات الواقع وطبيعة الخصم، وردود الفعل الإقليمية والدولية حيال الحرب ضد غزة وفلسطين، من حيث النوع والدرجة.

يحاول الإسرائيليون التعويض عن الصدمة بالتدمير الوحشي وقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، إلا أن الأمور أتت وتأتي ـ حتى الآن ـ بنتائج عكسية. ومن المرجح أن يبقى فرويد حاضراً في مقاربات الصراع لزمن طويل

يبدو أن إسرائيل ـ من منظور فواعل السياسة فيها ـ بحاجة لإستعادة صورتها عن نفسها، في الداخل والخارج، بأنها الكيان الذي لا يُقهر، والذي أعد نفسه لمواجهة الإقليم ككل. وهي بحاجة لاستعادة صورة العالم عنها، بأنها بلد الأمن والاستقرار والديموقراطية في محيط غير آمن وغير مستقر وغير ديموقراطي. وأنها بلد يواجه ـ من منظوره ـ إرهابيين وليس مقاومين وأصحاب حق. وكلما واصلت السعي لتحقيق هذا الهدف بالقتل والتدمير، كلما ابتعدت عنه.

وهكذا، هَشَّمَ حدثُ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والمقاومة التي تلته حالة النرجسية أو الأنوية والتمركز الفائق حول الذات لدى إسرائيل، والشعور بالتفوق، واستحالة أن يقوم طرف ما بفعل يمكن أن يُهدّدها “في الداخل”، والفاعل ليس أي طرف، هو حركة مقاومة؛ وليس من أي مكان، بل هو من قطاع غزة المحاصر؛ وليس من خارج حدودها وجدرانها ومناطقها العازلة، بل عبرها، وصولاً إلى الداخل.

يتحدث فرويد عن تحول غريزة الموت والخوف: من الموت إلى “الغريزة التدميرية”، ومن الداخل إلى الخارج. (فرويد، “أفكار لأزمنة الحرب والموت”، ص 54). وهذا على أية حال، ما تحاوله إسرائيل، وليس أكثر من الحرب ضد غزة والضفة فرصة لتحويل الأزمات الاجتماعية والسياسية في إسرائيل إلى أزمات مع غزة أو لبنان أو سوريا أو غيرها. وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يريد إطالة أمد الحرب على غزة من جهة، وتوسيعها نحو لبنان من جخهة ثانية، عَلَّ ذلك يفيده في تَدَبُّر مخارج لأزمات تواجه حكومته، وتواجهه هو بالذات.

إقرأ على موقع 180  موسكو تجمع الفصائل الفلسطينية.. ولا تُوحّدها!

عودة إلى المقاربة الفرويدية، قد يكون للصدمة تأثير إيجابي، في حال استثارت الوعي ودفعت للتغير، لكن يمكن أن يكون العكس، في حال كان الحدث/الصدمة فوق القدرة على الإحتمال، وبالتالي يكون له مفعول عكسي، فيطلق ديناميات دفاع مرضية، كما سبقت الإشارة، وليس سوية.

لم تتمكن إسرائيل من أن تقرأ بواقعية حدثاً صادماً وعميقاً وغير مسبوق ولا متوقعاً، كشف هشاشة المؤسسة العسكرية والأمنية، وبالطبع السياسية، وضعف الإستعدادات والإستجابات، وإختلالاً كبيراً في تدبير الموقف سواء مع الداخل أو الخارج، وبالطبع مع غزة نفسها.

واضح أن الحدث صدم غرور الإسرائيليين، وسبّب جروحاً عميقة من الصعب إبراؤها. وليس ثمة وصفة ممكنة تكافئ أو تعادل ما حدث. لذا، يحاول الإسرائيليون التعويض عن الصدمة بالتدمير الوحشي وقتل عشرات الآلاف وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، إلا أن الأمور أتت وتأتي ـ حتى الآن ـ بنتائج عكسية.. ومن المرجح أن يبقى فرويد حاضراً في مقاربات الصراع لزمن طويل.

Print Friendly, PDF & Email
عقيل سعيد محفوض

كاتب وأستاذ جامعي، سوريا

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إقتصاد لبنان يستفيد من الأزمة النفطية.. ماذا عن الناس؟