فرنسا تخسر مواقعها في الساحل الإفريقي.. لغير مصلحة واشنطن

نسمع دائماً عن نظرية الـ«دومينو» للإشارة إلى تدحرج مواقع أو.. دول نتيجة سقوط موقع أو دولة مثلما تكر السبحة.

‫شهدت العديد من دول منطقة الساحل في غرب إفريقيا‫، انقلابات أدت إلى إنشاء مجالس عسكرية، وأنظمة من خارج «مصطلح الديموقراطية». إفريقيا الغربية اليوم أفضل مثال على نظرية “الدومينو”، والخاسر الأكبر هي فرنسا. لأن تلك المنطقة، حتى بعد زوال الاستعمار، كانت «حظيرة فرنسية» وكانت لباريس سياسة ديبلوماسية تحاه تلك الدول عُرِفت باسم (Franceafrica).

الدول الست في القارة التي تمت الإطاحة بقادتها هي حسب التسلسل الزمني:

– ‫مالي في ٢٤ أيار/مايو ٢٠٢١.

– ‫غينيا في ٥ أيلول/سبتمبر ٢٠٢١.

– ‫بوركينا فاسو في ٣٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٢.

‫- النيجر في ٢٦ تموز/يوليو ٢٠٢٣.

– الغابون في ٣٠ آب/أغسطس ٢٠٢٣.

– كونغو الديموقراطية (كينشاسا) في ٨ شباط/فبراير ٢٠٢٢، جرت محاولة انقلابية للإطاحة بالرئيس فيليكس تشيسيكيدي الذي أعيد انتخابه في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٣.

– في كونغو برازافيل اقترحت أربع منظمات غير حكومية في ٣ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣ تنفيذ عملية انتقالية سياسية توافقية وسلمية، أي تنفيذ انقلاب «لطيف» لتجنب موجة الانقلابات الأخيرة للإطاحة بالرئيس دينيس ساسو نغيسو المتربع على كرسي السلطة منذ ٢٦ عاماً.

السنغال.. تبتعد عن فرنسا

تميّز هذا الأسبوع بسقوط السنغال من سلة التحالف الفرنسية، لكن من دون انقلاب بالمعنى المعترف به ولكنه انقلاب في قاعدة التحالفات التي أسّست لها فرنسا بعد خروجها «الصوري» من المنطقة، مع الإشارة إلى أن هذه الدولة تعتبر ركيزة أساسية للوجود الفرنسي المتراجع في هذه المنطقة، إذ تُشكّل القوات الفرنسية في السنغال، التي تم إنشاؤها في آب/أغسطس٢٠١١، نتيجة مباشرة لمعاهدة بين فرنسا والسنغال وُقّعت في داكار وأسست لمركز تعاون (pôle opérationnel de coopération (POC)) تمتد مهامه إلى دول الجوار الإقليمية.

وتتمتع هذه القوات بالقدرة على استقبال قوات أخرى متعددة للدعم كما يمكنها قيادة القوات المشتركة عبر الحدود. وبالتالي باتت تشكل جزءًا من قوى التصدي للتيارات الجهادية في غرب إفريقيا. كما تشكل أيضاً مركزاً رئيسياً للقيادة المشتركة لحماية الموانئ وسبل المواصلات البحرية والجوية.

يضاف إلى كل ذلك العلاقات التجارية التي تربط باريس بدكار. ولكن منذ أكثر من عقد من الزمن، بدأت داكار تفتح أبوابها أمام مستثمرين جدد، خاصة من الخليج والصين وتركيا وروسيا. ومع ذلك، ظلت فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للبلاد، برغم التراجع الملحوظ في مصالحها التجارية.

ولكن التململ العام في إفريقيا كان يدل على أن القارة السمراء لم تعد حكراً على أوروبا. وهو ما بدأ يُكرّره الرئيس المنتهية ولايته في السنغال ماكي سال في محاولة منه لرفع شعبيته قبل الانتخابات التي حاول إلغاءها. ولكن هذه هي الحقيقة وتأخذ معناها الكامل في سياق الانقلابات المتسلسلة المدعمة بتصاعد المشاعر المعادية لفرنسا.

من النيجر والغابون الى السنغال!

في ٢٦ يوليو/تموز، شهدت النيجر إقدام الجنرال عبد الرحمن تياني على الإطاحة بالرئيس محمد بازوم، حليف فرنسا الذي انتخب رئيساً للبلاد قبل حوالي العامين. وتوترت العلاقة بين باريس ونيامي إلى درجة محاصرة السفارة الفرنسية لمنع السفير من الخروج قبل أن تتراجع باريس عن موقفها. وقع حدث مماثل في الغابون؛ حيث تخلى علي بونغو (عائلة بونغو حكمت لعقود دولة الغابون) عن منصبه للجنرال بريس أوليغوي نغويما.

اليوم يصل إلى الحكم في السنغال منافس ماكي سال المدعوم فرنسياً، وهو باسيرو ديوماي فاي وذلك من الجولة الأولى من الانتخابات، وكان عصب حملة حزبه الانتخابي شعار «إفريقيا للإفريقيين» إضافة إلى رمي كرة نار في ملعب فرنسا باقتراحه الخروج من نظام النقد CFA (Communauté financière en Afrique) المرتبط بميزانية فرنسا بشكل مباشر.

CFA هي عملة مشتركة لثماني دول أعضاء في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (UEMOA): بنين، بوركينا فاسو، ساحل العاج، غينيا بيساو، مالي، النيجر، السنغال وتوغو.

في الواقع يُوفّر التعاون النقدي إطاراً اقتصادياً مستقراً لإدارة السياسات الاقتصادية في تلك الدول مثل مقاومة صدمات الاقتصاد الكلي والسيطرة على التضخم ولكنه يعطي فرنسا عامل قوة في سياستها النقدية.

قاعدة سرية!

«نزلت القوات الأمريكية» في «مثلث الجهاديين» (بين النيجر ومالي والجزائر) حيث يُحكى عن «قاعدة عسكرية سرية» تابعة لـ«أفريكوم» هناك (٦٠٠٠ جندي أمريكي منتشرين رسميًا في القارة وتفيد مصادر أخرى بوجود ١٣٠٠٠)، وهو ما أشار إليه في آذار/مارس ٢٠١٨ الجنرال توماس فالدهوزر قائد أفريكوم. وأثارت هذه المعلومات ردات فعل في الجزائر، ولكن أيضاً في فرنسا، وقد خفّف آنذاك النائب الأمريكي الديموقراطي عن ولاية كونيتيكت، جو كورتني عن وطأة الكشف عن القاعدة، بقوله إن الجنود منتشرون في دول مثل تشاد ومصر وكينيا وتجاوز ذكر الجزائر.

وفي حين يؤكد البعض أنه لا وجود “رسمياً” لأي جنود أجانب على أرض الجزائر (مع التشديد على كلمة رسمياً)، ثمة قاعدة سرية في« تماراست» لم تعد تخفى على الأقمار الصناعية التي تدور حول العالم. هذه القاعدة مبنية في جنوب البلاد في مثلث الجهاديين، وفق المعايير الأمريكية، ولكن يدعي البعض أنها جزائرية ولو أنها تحوي هوائي تنصت متطور لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه).

إقرأ على موقع 180  قرار "أوبك+".. برسائل إستراتيجية متعددة

قلق فرنسا نابع من أن الجزائر هي المدخل الرئيس لدول الساحل.. وللجزائر نوع خاص من التأثير على الدول المتاخمة لحدودها، وهي ترفض أن يعبر الجنود الفرنسيون أراضيها أثناء ملاحقة الجهاديين في مالي والنيجر.

لا ثقة بين أمريكا وفرنسا

ولعدة سنوات كانت فرنسا تراقب تقدم الأمريكيين في مناطق نفوذها في الساحل. ولكن في محاولة لتشتيت الانتباه حول دخول واشنطن على الخطوط الفرنسية الإفريقية، يتصاعد الهمس حول تأثير الضغط الاقتصادي الصيني واندفاع بكين لتمويل مشاريع كبرى في إفريقيا.. من دون أية شروط سياسية!

كما كانت التحليلات تُشدّد على الدور الروسي عبر شركة “فاغنر” العسكرية التي كانت تُقدّم خدماتها الأمنية لرؤساء وحكومات إفريقية مقابل استثمارات في مناجم تجارة الذهب والماس.

جاءت الحرب الأوكرانية فبادرت معظم تلك الدول إلى استنكار الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن ما اعتبرته دول إفريقية عديدة «سياسة الكيل بمكيالين»، انعكس على مواقفها في الأمم المتحدة وتقربها مما بات يسمى «الجنوب الشامل» (Global South).

وجاءت الانقلابات المتتالية بشعاراتها الشعبوية، وكأنها تدعو روسيا للحلول محل فرنسا في هذه المنطقة. ومع ردة فعل باريس ومعها دول «الغرب»، بدأت ترتسم معالم حلف إفريقي روسي في دول الساحل الناطقة بالفرنسية – مالي وبوركينا فاسو والنيجر – بشكل عام، فيُعاد تسليط الضوء على الضعف الغربي وتراجع النفوذ الفرنسي، الأمر الذي عبّرت عنه باريس بكيل اتهامات إلى “فاغنر” عبر اتهامها بالنهب الإقتصادي لخيرات هذه الدول لمصلحة روسيا، كما بالنظر بعين الريبة إلى واشنطن التي تعاملت بفتور لافت للإنتباه مع الانقلابات، الأمر الذي ينسجم مع ما تُردده منذ سنوات أوساط ديبلوماسية عن خطط لـ«إزاحة» فرنسا من مواقعها الإفريقية وتُوجّه أصابع الاتهام تحديداً لـ”الحليف الأمريكي”.

وبعد انقلاب النيجر، عملت باريس على محاصرة الانقلابيين وتمسكت بشرعية محمد بازوم، رافضة الاعتراف بالنظام الانقلابي، فيما لم يصدر عن واشنطن أي انتقاد مباشر للانقلاب. فقد رفضت الولايات المتحدة وصف ما حصل بالانقلاب لأن القوانين الأمريكية تمنع «التواصل مع قيمين على انقلاب». وقد التقت في حينها سيليست والاندر، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الدفاع مع ممثلين عن الانقلابيين، وطالبت بـ«عودة النظام الدستوري» من دون أن تنتقد الانقلاب.

وللنيجر أهمية لدى الأمريكيين خصوصاً بعد انسحاب القوات الفرنسية، إذ يتواجد نحو ألف جندي أمريكي في «أغاديز»، وهي قاعدة مركزية أمريكية في المنطقة، وتُستخدم لعمليات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء.

وفي منتصف آذار/مارس هذه السنة، عادت سيليست والاندر يرافقها الجنرال مايكل لانجلي، رئيس القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، للتفاوض حول تجديد عقد قاعدة “أغاديز” الذي تنتهي مدته في ٢٠٢٤.. إلا أن رئيس المجلس العسكري في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني رفض استقبال الموفدة الأمريكية، فاكتفى الوفد بلقاء رئيس الوزراء.

كما أعلن المجلس العسكري أن الاتفاق «غير عادل وفُرض من جانب واحد بمذكرة شفوية بسيطة»، واعتبر أن وجود الجنود الأمريكيين «غير قانوني» وانتقد «أنشطة التحليق غير القانونية فوق أراضي النيجر من قبل الطائرات الأمريكية». وتردد أن المجلس العسكري كان يُعبر بموقفه هذا عن غضبه من تسريبات أمريكية لدول إفريقية عن مفاوضات تجريها النيجر مع إيران بشأن استغلال مناجم اليورانيوم فيها. والجدير ذكره أن النيجر دولة مهمة جداً بالنسبة لفرنسا خصوصاً لجهة ما تحتويه من مناجم يورانيوم.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام خالد الطيّارة

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في فرنسا

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  قرار "أوبك+".. برسائل إستراتيجية متعددة