ما بعد أوديسا.. روسيا و”الناتو” وجهاً لوجه في مولدافيا!

أعلنت مؤخراً أربعة أحزاب مولدافية معارضة من قلب العاصمة الروسية وبالقرب من أسوار الكرملين عن تشكيل ائتلاف (Pobeda) أي "النصر" باللغة الروسية بزعامة إيلان شور المحكوم عليه جنائياً في مولدافيا التي غادرها عام 2014 إلى إسرائيل لينتقل منها إلى موسكو مؤخراً.

“ظهر هذا الائتلاف بالقرب من الكرملين كي يكون واضحا لصالح من سوف يعمل هذا الائتلاف المجرم”، يقول وزير البنية التحتية المولدافية المقرب من الرئيسة مايا ساندو المحسوبة على الغرب. تزامن ذلك مع إقرار الكونغرس الأمريكي تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 61 مليار دولار.. هذه المساعدات ستترجم ميدانياً بالحيلولة دون سقوط أوديسا بيد الجيش الروسي.. وأهمية الأخيرة تكمن في أهمية ما بعدها.

بين الوحدة.. والاستقلال!

تُلوّح مولدافيا مؤخراً بالانضمام إلى رومانيا ولا تخفي رئيستها مايا ساندو ميولها الغربية ولا تُفوّت فرصة للتعبير عن طموحها بالانضمام إلى الإتحاد الأوروبي، ولا يَخفى امتعاض موسكو من ذلك وإن لم تتحدث عن ذلك جهراً بعد.

في المقابل، يعلو صوت الموالين لموسكو في مولدافيا وهم يُهدّدون بانفصال أقاليمهم عن البلاد إن أقدمت مايا ساندو على تكريس انضمام بلدها إلى رومانيا، وذلك في نسخة مستعادة لانفصال الأقاليم الأوكرانية الموالية لموسكو عن أوكرانيا في العام 2014.

ومنذ أن بدأ بوتين العملية العسكرية الخاصة بأوكرانيا تسير الأحداث في مولدافيا في طريق قد يوصلها إلى بؤرة ساخنة جديدة، بالقرب من أوكرانيا المشتعلة. الشرارة بدأت مع تبني رئيسة مولدافيا مايا ساندو سياسة الاندماج مع الاتحاد الأوروبي والابتعاد لا بل قطع العلاقات مع موسكو وباقي جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق إجمالاً (باستثناء أوكرانيا) منذ أن وصلت إلى سدة الحكم في العام 2020، برغم أن الرأي العام في مولدافيا ليس مجمعاً على التوجه غرباً، بل هو منقسم، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة مولدافية حكومية أن 55.4% من المولدافيين يُعارضون الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (“الناتو”)، ولا يؤيد الانضمام سوى 28.5%، وفي الوقت ذاته، بلغت نسبة من يدعم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي 54.5% مقابل 30.5% ضد الاندماج بالمنظمة الأوروبية. واللافت للإنتباه أن 41.5% مع الانضمام إلى الإتحاد الأوراسي (روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان). تعزو السلطات هذه النسب إلى التدخل الروسي!

إستقلال إقليم غاغاوزيا عن مولدافيا لن يصمد طويلاً من دون دعم موسكو، ودعم موسكو غير ممكن من دون الاستيلاء على أوديسا، والاستيلاء على أوديسا يعني قطع أوكرانيا عن البحر الأسود، وبعدها قد تكون العين الروسية مفتوحة على مولدافيا أو أقاليمها الموالية لموسكو على الأقل ليصبح الجيش الروسي على مشارف حلف “الناتو” جنوب شرق أوروبا

من جهتها، أعلنت موسكو مراراً أن سياسة كيشيناو (عاصمة مولدافيا) هي التضييق على كل من يميل إلى روسيا ويدعم مواقف القيادة الروسية. أما في مولدافيا نفسها، فلم تهدأ الاحتجاجات فيها منذ سنوات فعلاً، وأولويتها المطالبة بتنحي الرئيسة مايا ساندو، أما هي فقد حظرت حزب “شور” المعارض والموالي لموسكو وطلبت ملاحقة مناصريه الذين استضافت موسكو مؤتمرهم يوم الأحد في الحادي والعشرين من نيسان/أبريل الحالي ووفّرت لهم الظروف لإنشاء إئتلاف يحمل اسم “النصر”.

مولدافيا الصغيرة.. بين روسيا والغرب

بوتين ويفغينيا غوتسول

يزداد التوتر بين العاصمة كيشيناو وإقليم غاغاوزيا الموالي لموسكو، الذي يقطنه نحو مائة وخمسين ألفاً أصولهم من المسيحيين الأتراك الذين كانوا يعيشون في بلغاريا وهربوا منها في القرن التاسع عشر لتفادي الخدمة الاجبارية في عسكر الامبراطورية العثمانية فكان أن استقروا في ما يعرف الآن بجنوب مولدافيا. السبب الرئيس لهذا التوتر هو زيارة، يفغينيا غوتسول، رئيسة هذا الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي إلى موسكو، ولقاءها بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التاسع من نيسان/أبريل الجاري، وإعلانها إثر عودتها عن منح موسكو لكل متقاعد وكل عامل في القطاع الحكومي مائة يورو شهرياً ابتداءً من الأول من أيار/مايو (اليوم، لمناسبة عيد العمال العالمي)، وليس عليهم حتى يستفيدوا من ذلك سوى فتح حساب في أحد المصارف الروسية. وعلى الفور، ردّت الحكومة المولدافية باعتبار المصارف الروسية خاضعة للعقوبات ومحظورة في مولدافيا، وبالتالي حاولت أن تسدّ الطريق أمام وعود موسكو السخية لمتقاعدي الإقليم وعماله المحتاجين.

يمكننا القول الآن إن زيارة يفغينيا غوتسول ولقاءها مع بوتين لم يكن إلا مقدمة للقاء جميع المعارضين في موسكو، وهذا هو سبب التوتر الحقيقي بين الأقاليم المتمردة ومن ورائها موسكو من جهة، والعاصمة كيشيناو ومن ورائها الغرب من جهة أخرى.

وجاءت المواقف الأخيرة لرئيس الوزراء الروماني مارتشيل تشولاكو لتصب الزيت على النار عندما جاهر بامكان ضم مولدافيا إلى رومانيا، وقال: سيحدث ذلك بانضمام مولدافيا إلى الإتحاد الأوروبي “أو نجد طريقة أخرى”.

بدورها، ردّت زعيمة إقليم غاغاوزيا، يفغينيا غوتسول عليه بالقول إنه في حال اعلان مولدافيا الانضمام إلى رومانيا، سوف يُعلن إقليم غاغاوزيا استقلاله ويلجأ إلى مساعدة روسيا. تصريح غوتسول هو عبارة عن رسالة روسية واضحة جداً: ضم مولدافيا إلى رومانيا خط أحمر.

إقرأ على موقع 180  ماكرون VS لوبن.. المترددون والمقاطعون يحسمون النتيجة

بكل الأحوال، إن حصل ذلك فعلاً (أي انضمت مولدافيا وانفصلت غاغاوزيا) سوف تعود إلى واجهة الأحداث العالمية أزمة ضاعت بين أزمات أخرى ولم يعلم عنها كثيرون في بداية التسعينيات الماضية، عندما أعلن إقليم غاغاوزيا استقلاله وبقي مستقلاً لخمس سنوات قبل أن يعود إلى حضن الدولة المولدافية ولكن بصيغة حكم ذاتي.

النموذج الأوكراني.. في البال!

جيش مولدافيا

ثمة استدراك لا بد منه بأن نحو مليون ونصف المليون من أصل 2.6 مليون مواطن في مولدافيا حصلوا على الجنسية الرومانية، وذلك بفضل سياسة بوخارست منذ العام 2007 التي كانت تمنح كل مواطني مولدافيا الجنسية الرومانية بل وكل مواطني جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق إن تأكد أنهم نزحوا تاريخياً من رومانيا في الحرب العالمية الثانية (ما كان إسمه رومانيا حينذاك بات الآن اسمه مولدافيا أو صار جزءاً من أوكرانيا).

وقد استفاد عدد كبير من المولدافيين من الجنسية الرومانية كونها تُجيز لهم حق العمل والتنقل في أوروبا، ولا تشي نتائج استطلاعات الرأي بأن السكان يسعون إلى الاندماج الكامل مع أوروبا، بل بيّنت أن ثلث السكان فقط (34%) يؤيدون الانضمام إلى رومانيا، ونحو نصف السكان يعارضون هذه الفكرة، وعليه لم يتمكن أنصار الاندماج من الموالين للسلطة (الرئيسة مايا ساندو) من حشد ما يكفي من الدعم الشعبي لهذا الخيار. وربما السبب في أن سكان مولدافيا رأوا بأم عينهم ما حلّ ويحل بجيرانهم في أوكرانيا منذ سنتين ونيف.

وإن مضت كيشيناو نحو الوحدة مع رومانيا، وتوتر الوضع بينها وبين اقليم بريدنيستروفيا (ذي الغالبية الروسية) أو/و إقليم غاغاوزيا الذي قد يعلن استقلاله فعلاً، ويطلب العون من موسكو كما تقول زعيمته، هل ستتمكن موسكو من تقديم العون فعلاً، في غياب أي تواصل بري بينهما (من دون الاستيلاء على أوديسا سيكون الأمر معقداً للغاية)، ذلك أن أوديسا هي الوحيدة التي تفصل الجيش الروسي عن أقاليم مولدافيا الموالية لموسكو.. أما الجسر الجوي فلن يكون سهلاً أيضاً، من دون اغفال تهديد كيشيناو بتحريك جيشها لقمع أي محاولة استقلالية وربما الاستعانة بالجيش الروماني لهذه الغاية، إذ أن تعداد القوات المسلحة المولدافية لا يتجاوز 6500 جندي عامل يقابلهم حوالي عشرة آلاف جندي إحتياطي، وهذا الرقم أقل من قوات إقليم بريدنسيتروفيا الموالي لروسيا المقدرة بنحو 15 ألف عسكري!

ويُعزّز حلف “الناتو” ما يسمى “المحور الجنوبي”، حيث بدأ بتشييد قاعدة له في رومانيا ستكون الأكبر في أوروبا، وقادرة على استيعاب عشرة آلاف عسكري. وعليه، يُفسح انضمام مولدافيا إلى رومانيا لجنود “الناتو” التوغل في تلك المناطق (التي تسكنها أقليات روسية)، والتي لها منفذ ولو صغير إلى البحر الأسود بالقرب من أوديسا الأوكرانية، أضف إلى ذلك، أن عودة مولدافيا إلى رومانيا قد يعطي الأرضية القانونية لرومانيا للمطالبة بالأراضي الموجودة ضمن الدولة الأوكرانية، على أنها كانت جزءاً منها قبل الحرب العالمية الثانية، ومن ثم توغل قوات “الناتو” فيها.

في الخلاصة، إستقلال إقليم غاغاوزيا عن مولدافيا لن يصمد طويلاً من دون دعم موسكو، ودعم موسكو غير ممكن من دون الاستيلاء على أوديسا، والاستيلاء على أوديسا يعني قطع أوكرانيا عن البحر الأسود، وبعدها قد تكون العين الروسية مفتوحة على مولدافيا أو أقاليمها الموالية لموسكو على الأقل ليصبح الجيش الروسي على مشارف حلف “الناتو” جنوب شرق أوروبا.. لننتظر ونرَ.

Print Friendly, PDF & Email
محمد حسن

صحافي سوري مقيم في موسكو

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  في الطريق إلى أوكرانيا.. كمين لروسيا في كازاخستان