في الاستراتيجيّة الدفاعيّة: ربط القوتين الطرية والصلبة

ما يميّز الانسان عن غيره من الكائنات الحيّة، هو القدرة على التخيّل - Imagination . تندرج الاستراتيجيّة بشكل عام، والدفاعيّة بشكل خاص في مجال تخيّل واقع مستقبليّ. بكلام آخر، عند التحضير الاستراتيجيّ، إننا نستدعي المستقبل الى الحاضر، ونُحيكه بوسائل الحاضر، لنعيده بعدها الى المستقبل الذي لا نعرف حتما متى سيتجسّد في حاضر وواقع ما. من هنا قول البعض ان الاستراتيجيّة هي وهم ـــ Illusion، ليس أكثر.

ويقول البعض الآخر، اننا وعندما نرسم استراتيجيّة لمستقبل ما، فإننا حتما نغيّر هذا المستقبل المُتخيّل. لان هذا المستقبل، سيكون حكما مختلفا في حال لم نتدخّل به عبر الاستراتيجيّة التي ابتكرناها وخصّصنا لها الوسائل اللازمة للنجاح.
على كلّ، تُعرّف الاستراتيجيّة على انها:” فعل او سلوك معيّن يربط الاهداف بالوسائل”. ولا بدّ من التشديد على ضرورة توازن الاهداف مع الوسائل المتوفّرة.
إذا ما العمل؟
يستند العلم العسكريّ إلى التراكمات المعرفيّة التاريخيّة بسبب التجارب الكثيرة في مجال الصراعات والحروب. لا يشذّ لبنان عن هذه المعادلة. فتاريخه العُنفيّ معروف، ويشكّل نمطا معينّا. فهو، اي لبنان، كان، إما ساحة صراع عبر الحروب الاهليّة التي تكرّرت. او مُقدّم لخدمات امنيّة – جيوسياسيّة، اقليميّة او دوليّة.
لذلك، لا يمكن فهم لبنان في ايّة حالة، إلا من خلال اخضاعه لنظريّة الدوائر الثلاث، الا وهي:
الدائرة الدوليّة.
الدائرة الاقليميّة.
والدائرة المحليّة.
كيف تعمل هذه الدوائر؟ وما علاقة لبنان كساحة او مُقدّم خدمات امنيّة – جيوسياسّة؟

“لم تُغيّر اسرائيل من طبيعتها العدوانيّة، فكانت حادثة ضاحيّة بيروت مؤخّراً. وإذا كان حزب الله يدرس اسرائيل جيّداً، فهي ايضا تدرس الحزب في المقابل. كما تدرس حال الدولة اللبنانيّة الغائبة عن الوعي”.

تُمثّل الدائرة الدوليّة صورة النظام العالميّ وكيفيّة توزيع القوّة – Balance of Power. لهذا النظام ديناميّة تتعلّق مباشرة باهداف الاقطاب الكبرى التي تهيمن على هذا النظام. وعليه تنشأ الاحلاف الكبرى، كما المؤسسات الدوليّة – عصبة الامم او الامم المتحدة.
ينتج عن الديناميّة وموازين القوّة في الدائرة الدوليّة، ديناميّة اقليميّة تنتج بدورها موازين قوى اقليميّة – تحالفات واصطفافات، وصراعات حتميّة.
اما الدائرة المحليّة، فهي ستكون حتما عرضة للديناميّتين، الدوليّة، كما الاقليميّة. كونه لا يمكن فصل الاقليم عن الدوليّ، ولا يمكن فصل لبنان عن الاقليم مُطلقا.
تُنتج تراكمات التجارب لايّ بلد، هنا لبنان، مُسلّمات جيوسياسيّة- Geopolitical Imperatives. تنقسم هذه المُسلّمات الى ثابتة ومتغيّرة. الثابتة لها علاقة مباشرة بالجغرافيا، الحضارة، الذاكرة الجماعيّة، والثقافتين السياسيّة والعسكريّة، ضمنا كيفيّة التعامل مع الامور المصيريّة مثل السلم والحرب. اما الثوابت المتغيّرة، فلها علاقة مباشرة بشكل، تركيبة وديناميّتيّ الدائرتين الدوليّة والاقليميّة- المذكورة اعلاه.
ما هيّ مُسلّمات لبنان الثابتة؟
وحدة الارض والشعب، لبنان الامّة- الدولة
درء المخاطر الناتجة عن اللعبة الجيوسياسيّة في الدائرتين الدوليّة والاقليميّة، وهنا لا بد من فكرٍ يُحدّد السلوك المفروض اتّباعه لتحقيق النقاط اعلاه.
بكلام آخر، منْع لبنان من ان يكون ساحة صراع- حروب اهليّة.
توزيع عادل للسلطة والثروة.
اما المسلّمات المتغيّرة، فهي تلك التي تنشأ عن النظامين العالميّ والاقليميّ. وتجربة لبنان معهما كانت سيّئة جدّا وكارثيّة للاسباب التالية:
لبنان كساحة:
وقعت في لبنان عدّة حروب اهليّة 1840، 1861، 1958، 1975. ولو سمحت الاوضاع لكانت هناك حرب اهليّة على اساس مذهبي بعيد بدء الحرب السوريّة- كانت ربع حرب في 7 ايّار 2008.
لم يُحسن اللبنانيون اختيار الاستراتيجيّات المناسبة، المُرتكزة على الثوابت الجيوسياسيّة المذكورة اعلاه، بهدف الحفاظ على لبنان.
لبنان كمقدّم خدمات امنيّة – جيوسياسيّة:
قدّم لبنان خدمات امنيّة جيوسياسيّة للدائرتين، الدوليّة كما الاقليميّة – في بعض الامثلة:
قدّم سُنّة لبنان خدمات جيوسياسيّة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة – فكانت الحرب الاهليّة ومن ثمّ الاجتياح الاسرائيليّ عام 1982 .
قدّم المسيحيّون، الموارنة بالتحديد خدمات جيوسياسيّة لاسرائيل، فانصبّت الكوارث على رؤوسهم خاصة بعد اغتيال الرئيس المُنتخب الشيخ بشير الجميّل.
اليوم يُقدّم الشيعة، بالتحديد حزب الله خدمات جيوسياسيّة لمحور اقليميّ تحت عباءة الدين وشعار المقاومة، فكانت حرب العام 2006 ومن يدري ما قد يحصل.
الجدير ذكره ان حزب الله هو لاعب من خارج اطار الدولة- Non State Actor- لكن بمقدّرات توازي مقدّرات دوليّة شرعيّة. يُضاف الى قدراته، الدور الاقليميّ الكبير، والتاثير في لعبة الصراع والحرب – خاصة سوريا.
كلّ هذا، مع وسائل بشريّة وماديّة محدودة جدا مقارنة مع الدور المطلوب منه، وهذا امر غير طبيعي وخطير.
متى استفاد لبنان من خدماته الامنيّة – الجيوسياسيّة وابعد شبح لبنان الساحة؟
حتى الآن في حالتين:
مع الرئيس الراحل فؤاد شهاب ولقاء التخشيبة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. قدّم شهاب حيادا لبنانيّا لا يتناقض مع الحلم الناصري الاقليميّ وصراعه مع الغرب. نعِم لبنان بالاستقرار- سويسرا الشرق.
حاليا ذهاب حزب الله للقتال في سوريا، ومنعه من قيام معارضة مسلّحة- سنيّة في لبنان مناوئة للرئيس الاسد، ابعد خطر الحرب الاهليّة –المذهبيّة عن لبنان. وإلا فما معنى قول الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطبة له قبيل الذهاب الى سوريا:”اتركوا لبنان، فلنتقاتل في سوريا”.
هل يجب التركيز والحديث فقط عن الاستراتيجيّة الدفاعيّة؟
الاستراتيجيّة الدفاعيّة هي نتاج مباشر للمسلمات الجيوسياسيّة الثابتة، كما المتغيّرة. كما ان الانطلاق مباشرة من مستوى الاستراتيجيّة الدفاعيّة هو امر منقوص. لكن لماذا وما هو السلوك المُقترح؟
يجب على البُعد السياسيّ، هنا طاولة الحوار، ان ترسم استراتيجيّة الامن القومي- National Security Strategy .
يُحدّد في هذه الاستراتيجيّة العدو، المخاطر ومصدرها، كما المسلمات الجيوسياسيّة، الثابتة والمتغيّرة.
توّزع هذه الاستراتيجيّة على كلّ مؤسسات الدولة المعنيّة لترسم كلّا منها اطارعملها ومقاربتها من ضمن المطلوب منها في استراتيجيّة الامن القومي. تًحدّد ايضا هذه المؤسسات الوسائل المطلوبة واللازمة للتنفيذ- يتم ربط وتنسيق كل الاستراتيجيات مع بعضها البعض في وقت لاحق- “المطلوب مفكّر ومدبّر”، على ما يقوله المثل الشعبيّ.
في الشقّ العسكريّ، تستنتج كلّ المؤسسات الامنيّة من استراتيجيّة الامن القومي ما هو مطلوب منها، لتُنتج ما يُطلق عليه اليوم ويدور الجدل حوله:”الاستراتيجيّة الدفاعيّة”:
الاستراتيجيّة الدفاعيّة هي من صنع الامنيّين بالتعاون مع الكلّ ضمنا حزب الله والقطاع الخاص.
من هذه الاستراتيجيّة الدفاعيّة تُحدّد وزراة الدفاع العقيدة العسكريّة والتي تُعرّف على انها:” افضل طريقة لقتال العدو والانتصار عليه”.
ترتكز العقيدة العسكريّة على مثلّث هو:
التنظيم: كيف انظّم العسكر- Structure
التجهيز: Equip
التدريب: Training
هذا المثلثّ هو نتيجة طبيعيّة لدراسة العدو والمخاطر التي حدّدتها استراتيجيّة الامن القومي.
الم يدرس حزب الله جيدا اسرائيل قبيل حرب تمّوز 2006؟ الم يجهّز، ينظّم، ويدرّب مقاتليه بناء على هذا الشيء؟
في الختام، لم تُغيّر اسرائيل من طبيعتها العدوانيّة، فكانت حادثة ضاحيّة بيروت مؤخّرا. وإذا كان حزب الله يدرس اسرائيل جيّدا، فهي ايضا تدرس الحزب في المقابل. كما تدرس حال الدولة اللبنانيّة الغائبة عن الوعي.
صرّح فخامة الرئيس ميشال عون مؤخرا انه لا يمكن الحديث اليوم عن الاستراتيجيّة الدفاعيّة، بسبب التحوّلات في المنطقة، وتغيير مناطق النفوذ. بكلام آخر، يتناول الرئيس الدائرتين الدوليّة والاقليميّة، ويستصعب رسم الاستراتيجيّة الدفاعيّة حاليّا – نحن نقول باستراتيجيّة الامن القومي.
بعد حادثة الاعتداء على ضاحية بيروت، قال فخامة الرئيس انها بمثابة اعلان حرب على لبنان.
في خطابه في اليوم نفسه، قال السيّد حسن نصرالله اننا سنردّ عسكريّا. فما هو الاستنتاج من هذين التصريحين؟
اوّلا، تناول الرئيس عون القوّة الطريّة، اي الدبلوماسيّة.
ثانيا، اكملها السيدّ بالقوّة الصلبة، اي العمل العسكريّ.
لكن السؤال، كيف يمكن ربط القوتين، الطريّة والصلبة مع بعضهما البعض؟ ومن ضمن ايّة استراتيجيّة قوميّة ودفاعيّة؟ ومن يدير الحرب اذا وقعت؟ ومن يفاوض؟ وكيف تُربط الحرب بالاهداف السياسيّة على غرار ما قاله كارل فون كلوزفيتز:”الحرب هي السياسة بوسائل اخرى”.

* أستاذ جامعي، عميد ركن متقاعد

الياس طنّوس حنّا

عميد ركن متقاعد

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download