خطاب نصرالله.. انذار بمواجهة اقتصادية
ÓíÇÓÉ ãåÑÌÇä ÐßÑì ÇáÊÍÑíÑ Ýí ÕæÑ ( ÚÈÇÓ ÓáãÇä )

أن يتطرق خطاب مركزي سنوي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إلى الملف الإقتصادي من زاويتي العقوبات الأميركية وقضايا الميزانية والفساد والعجز والضرائب وما أسماها "إستعادة الأموال المنهوبة"، فهذا تدشين لمواجهة أو مقاربة مختلفة للواقع الإقتصادي والمالي

بين الألوان السوداء والحمراء والبيضاء التي فرضتها مناسبة العاشر من محرم، وأمام حشد غفير لإظهار عمق التأييد، وبلهجة تهديدِ الواثِقِ بقوة محوره بقيادة إيران التي جدد لها الولاء المطلق واعتبر مُرشدها بمثابة حسين العصر الحالي، وبين وعيدِ العازِم على تغيير المعادلات الاقتصادية والمالية في الداخل، وطمأنةِ اللبنانيين على الالتزام بالقرار الدولي الرقم 1701 الا في حال حصول اعتداء إسرائيلي، ألقى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خطاب الخطوط الحمراء، اليوم الثلاثاء، ضاربا عرض الحائط كل التهديدات والتحذيرات والاغراءات التي حملها مبعوثون دوليون وعرب قبل الرد على إسرائيل وبعده، مجددا رفع سقف الاتهامات والانذارات الى حده الأقصى ضد السعودية والامارات والبحرين وأميركا وبريطانيا وإسرائيل، مُبشراً بان محور المقاومة ينتصر على كل الجبهات.

ثمة جديدان لافتان للإنتباه يُمكن التوقف عندهما في كلام نصرالله اليوم:

أولهما، الإنذار الاقتصادي عبر تحذيره داخليا من أن توسيع العقوبات الأميركية لتطال مصارف “لا يملكها حزب الله وأغنياء أو تجار لمجرد انتمائهم الديني والمذهبي والسياسي (الشيعي طبعا) يحتاج الى تعاطٍ مُختلف من قبلنا”، مُنذراً بأن حزبه “سيعيد النظر” ويدرس الخيارات، قائلا: “اذا كان الظلم يقع علينا وحدنا نصبر، أما اذا طال ناسنا وشعبنا فسوف نتصرف بطريقة مختلفة”.

بالنسبة إليه صار الإقتصاد اللبناني “في دائرة الإستهداف”، لذلك، بدا تحذيره موجّهاً بالدرجة الأولى الى الحكومة ومسؤولين لبنانيين سياسيين ومصرفيين في مواجهة السعي الأميركي لإقفال مصارف محسوبة على الطائفة الشيعية، برغم أن معظم الودائع الشيعية موجودة في مصارف أخرى. فنصرالله تحدث عن مسارعة البعض الى تنفيذ الاملاءات الاقتصادية الخارجية، وقال محذّرا ان هؤلاء يصبحون “ملكيين أكثر من الملك”.

في هذه النقطة الاقتصادية المالية، رفع نصرالله سقف الإنذار بتأكيده على ضرورة “استعادة الأموال المنهوبة من قبل الأغنياء والأباطرة الذين ملأوا جيوبهم بشكل غير شرعي وغير قانوني”. هو الموقف الأول من نوعه، ولو أنه يؤخذ عليه أنه طبعا لم يسمّ أحدا من هؤلاء وهو على الأرجح لن يذكر إسم أحد منهم في المستقبل. لكن يقدر له مبدئية موقفه، بحيث يتفق معه معظم اللبنانيين الرافضين قيام فئة قليلة من المسؤولين بنهب مالهم وبلدهم، الا أن كلام نصرالله دخل على ما يبدو في معادلة أن حصار المقاومة ماليا واقتصاديا سيُرد عليه برفع مستوى المواجهة داخليا على هذا المستوى الاقتصادي – المالي – المصرفي.

والملاحظ أن تشديد نصرالله على مبدأ “عدم المساس بذوي الدخل المحدود” في السياسة الضرائبية، ترافق مع تحميل نصرالله المسؤولية الكبرى للحكومة بغية إيجاد بدائل واتخاذ القرارات المناسبة وومن بينها سد الفراغ في الإدارات على أساس الكفاءة والنزاهة، ملمحا إلى أن القضاء النزيه يشكل حلقة مركزية في هذا الصدد. كما ان نصرالله لم يعلن موقفا مؤيدا بالكامل لحوار بعبدا الاقتصادي، وانما قال ان الحزب بدأ بدراسة الأفكار في لجان متخصصة وان المباديء نفسها التي حكمت عمله في مناقشة موازنة 2019 سوف تنسحب على مناقشة مشروع قانون موازنة 2020 التي سيبدأ مجلس الوزراء اللبناني بمناقشتها خلال النصف الثاني من هذا الشهر.

ثانيهما، في المواجهة مع اسرائيل، كان لافتا للإنتباه قول نصرالله:”ان لبنان يحترم القرار 1701 وأن حزب الله جزء من الحكومة التي تحترم القرار”، في رد مباشر على كل من قال ان الحزب أسقط القرار نهائيا من حساباته بعد خطاب السيد الأخير إثر عملية أفيفيم، مع تذكيره بان :”لا خطوط حمراء على الاطلاق، واذا اعتدت إسرائيل على لبنان سيُرد عليها بالرد المناسب والمتناسب من اجل الدفاع عن لبنان وشعبه وكرامته”. المقصود أن القرار يسقط اذا حصل أي عدوان. وهذه رسالة طمأنة للداخل والخارج، ولعلّها مطلوبة أكثر من أي وقت مضى في ظل المساعي الدولية التي تبدي حرصها على إستقرار لبنان من جهة، والساعية إلى لجم حكومة نتنياهو من جهة ثانية، وبالتالي تثبيت قواعد الإشتباك المعمول بها منذ العام 2006، بما فيها عدم المس بالقرار 1701، خصوصا في ظل المعلومات التي تم تداولها عن محاولة أميركية إسرائيلية لتقليص عدد قوات “اليونيفيل” في الجنوب ربطا بمهامها وتمويلها وبمندرجات القرار 1701.

الجيش الهوليودي

في هذا السياق، جدد السيد نصرالله تكريس معادلة “قوة الردع”، معتبرا ان عمليات الخداع والتمويه التي مارسها الجيش الإسرائيلي لتفادي عملية حزب الله تؤكد ان “الجيش الأسطوري الذي لا يقهر تحول الى جيش هوليودي”، مُلمحا في الوقت عينه الى احتمال ان تكون إسرائيل نجحت في التخفيف من وقع العملية الأخيرة عبر التمويه قائلا: “فلنفترض أنكم خدعتمونا”. وأكد ان “صفقة القرن” ستسقط وان كل الفصائل الفلسطينية ترفضها وان المقاومة تجدد التزامها بفلسطين.

تسخيف صورة الجيش الإسرائيلي في هذا الوقت بالذات، له تأثير مباشر على نتنياهو الذي بدا عاجزا عن رد ضربات المقاومة قبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية في 17 الجاري. وقال للإسرائيليين كأنكم تقولون لنا في المرة المقبلة إضربوا أكثر من آلية وفي أكثر من مكان.

أما خارجيا، وبرغم الهجوم القوي الذي شنه نصرالله على السعودية والامارات، مركزا على مطامعهما بـ”تمزيق اليمن لاضعافه واحتلال موانئه التي يحتاجون اليها بقوة”، وانهم “يطمعون بخيراته”، الا انه دعا الى حوار داخلي لاستعادة الوحدة والحفاظ على وحدة الأرض اليمنية. ربما هذا الكلام مهم حاليا في ظل المساعي المبذولة للبدء بمفاوضات جدية بين الحوثيين وخصومهم بغية إيجاد حلول سياسية. هذه المفاوضات لو نجحت قد تكون وفق مصادر أوروبية بادرة حسن نية بين ايران والسعودية. لكنها تبدو حتى الان معقدة كثيرا، وكلام نصرالله عن السعودية والامارات يؤكد وجود مثل هذه التعقيدات. كان الهجوم عنيفا أيضا على البحرين مع تكرار كلمات الاستبداد والخيانة والطغيان والظلم.

في المغرب العربي مثلا هناك قطاعات واسعة تؤيد المقاومة وقلبها ينبض فلسطينيا وهي ليست مؤيدة حُكما لإيران، لكنها في معظم الاوقات تبقى غائبة عن هذه الخطابات، ما يجدد الفرصة أمام خصوم نصرالله للقول أن البعد الايراني كان وسيبقى بالنسبة له ولحزبه أهم من العمق العربي

الولاء  المطلق لإيران

أما بالنسبة لإيران، فلعل هذا هو خطاب الولاء المُطلق، ربما لان المناسبة العاشورائية الحسينية فرضت هذه الابعاد الدينية. حيث جدد نصرالله رفضه لأي مشروع حرب على ايران قائلا انها “ستشعل المنطقة وتُدمّر دولا وشعوبا وستكون حربا على كل المحور”، ثم أضاف جازما:”لسنا على الحياد ولن نكون على الحياد في معركة الحق والباطل”، رابطا هذا الولاء لإيران بالذكرى الحسينية، ومؤكدا أن “الجمهورية الإسلامية في ايران هي قلب المحور وداعمه الأساسي وهي حقيقته وجوهره”. واعتبر أن أي حرب مفترضة على محور المقاومة ستكون نهاية لكيان اسرائيل ونهاية أحلام الهيمنة الأميركية على المنطقة.

 ثم ذهب في الولاء المطلق الى حد القول عن مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي انه “امامنا وقائدنا وسيدنا وحسيننا في هذا الزمان”. هذا موقف لافت جدا لجهة اعتبار السيد الخامنئي هو حسين العصر.

هذا التذكير بدور إيران والارتباط العضوي لحزب الله بها دينيا وسياسيا واخلاقيا وفقهيا وأمنيا، يبدو مقصودا ليس فقط بسبب المناسبة الحسينية العاشورائية وانما لرفع مستوى التهديد لإسرائيل وأميركا فيما يشتد خناق العقوبات والحصار والتلويح بالحرب. ونصرالله تعمّد غير مرة التذكير بان خيار المقاومة هو الفيصل ولا خيار غيره، وان المحور يحقق انتصارات.

في الحديث عن ثلاث دول عربية بالاتهام والوعيد، أي السعودية والامارات والبحرين، وعن اربع دول بالدعم المطلق وهي فلسطين وسوريا والعراق واليمن، وفي التركيز على الولاء لإيران، يتجدد السؤال في كل مرة حيال خطابات السيد نصرالله بشأن باقي الدول العربية. ففي المغرب العربي مثلا هناك قطاعات واسعة تؤيد المقاومة وقلبها ينبض فلسطينيا وهي ليست مؤيدة حُكما لإيران، لكنها في معظم الاوقات تبقى غائبة عن هذه الخطابات، ما يجدد الفرصة أمام خصوم نصرالله للقول أن البعد الايراني كان وسيبقى بالنسبة له ولحزبه أهم من العمق العربي. لعل هذا الخلل يجعل الخصوم أكثر قدرة على توجيه السهام الى المقاومة وسيدها الذي نجح حيث فشل غيره في تغيير كل المعادلة العربية مع إسرائيل. ربما حان الوقت للالتفات جذريا الى هذا الخلل العروبي، وإلى تخصيص خطاب موجه إلى جمهور المغرب العربي المساند للمقاومة في لبنان وفلسطين.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free